■ تطرد في الشعر العربي بطوريه الجاهلي والمحدث، مدونة فلكية غنية مدارها على توصيف الكواكب الثابتة والسيارة مثل، النجم والشمس والقمر والجوزاء والجدي والمشتري والدلو والثريا وعطارد والنسر وبرهام والحوت والفرقد والسرطان والحمل وزحل والثور.
والأدب «علم لا موضوع له» كما يقول ابن خلدون، فليس بالمستغرب أن يستعير الشعر مثل هذه المدونة، خاصة أن علم الفلك لم يكن علما خالصا، وإنما مازجته أساطير كثيرة وتلاقت فيه عناصر وأمشاج دينية وفلسفية شتى، شأنه شأن علوم أخرى. وكان شائعا في بيئة العرب، خاصة في بلاد الرافدين، مثل حران التي كانت مركزا لعبادة الكواكب والنجوم؛ ومن أشهر هياكلها هيكل الإله القمر «الإله سين». ولعل الشعراء يدينون بهذا المعجم الفلكي، إلى الشعر القديم وشعر القرن الأول للهجرة، وإلى صابئة حران، وهي التي اعتمدت مبدأ تأليه الأفلاك والنجوم والكواكب السيارة، من حيث هي موجودات روحانية مفارقة أو مجردة. ومما يرجح هذا الاحتمال أن العنصر المتصل بعبادة الأفلاك والنجوم عند صابئة حران، يتوضح في إطلاق بعض فرق الشيعة على الإمام علي اسم الشمس تارة، واسم القمر أخرى.
أما الشعر الذي يدور على هذه المدونة عند العرب، فهو من الوفرة والغنى، ولكن قلما تنبهنا إلى أثره في الشعرية العربية، وفي بعدها الرمزي أو الكنائي. من ذلك قول أبي تمام:
لو كنت يوما بالنجوم مصدقـا لزعمت أنك أنت بكر عطارد
فقد علل الصولي الصورة بما كان يزعمه المنجمون من أن الذي يتولاه عطارد، يكون بليغا. وإلى قريب من هذا ذهب التبريزي وقال إن المنجمين يزعمون أن عطارد يتولى الشعراء والكتاب.
وقوله :
أبو النجوم التي ما ضن ثاقبها أن لم يكن برجَهُ ثورٌ ولا حمَـلُ
من كل مشتهر في كل معترك لم يُعرف المشتري فيه ولا زحلُ
ذكر أبو العلاء أن أبا تمام خص الحمل والثور، لأجل القافية والوزن. وخرج ابن المستوفي الإربيلي الصورة مخرجا آخر. قال: شرف الشمس الحمل، وشرف القمر الثور، فلهذا قال: «أن لم يكن برجه ثور ولا حمل»؛ أي هم أشراف أنفسهم. أو قوله:
له كبرياء المشترى وســـعوده وسورة بهرام وظرف عطارد
ذكر الخارزنجي أن «المشتري» هو كوكب العظماء والملوك، و«بهرام» هو المريخ، وهو كوكب السلطان، و«عطارد» كوكب الكتاب والأدباء. وخلص إلى أن المقصود بالقول إن للممدوح كبر الملوك، وبطش السلطان وظرف الأدباء.
وما إلى ذلك مثل توظيف مزاعم المنجمين في أن الأبرج على ثلاثة أقسام: أربعة منقلبة هي الحمل والسرطان والميزان والجدي، وأربعة ثابتة هي الثور والأسد والعقرب والدلو، وأربعة ذوات جسدين هي الجوزاء والسنبلة والقوس والحوت.
وهي اصطلاحات تنتظم في صور استعارية ذات جذر أسطوري، يديرها الشاعر على معنى أو فكرة أو حالة، أساسها قاعدة من التبادل بين «داخلي» و«خارجي» حيث الشعري يقاسم الأسطوري اللعب بالرموز، وإن اختلف المقصد من هذا إلى ذاك.
والأسطوري يفلت بحكم قاعه «الطوباوي» من سطوة التاريخ، ولكنه يغالب أي غياب للمعنى. ولذلك لا غرابة في أن تقترن الكواكب في هذا الشعر بجملة من المعاني، وأن تتخذ مصدرا من مصادر المعرفة أكثر منها موضوعا من موضوعاتها، فتضاف الكبرياء والسعود إلى المشتري، والغضب والسورة إلى برهام، والظرف والحسن إلى عطارد، مما لا علاقة له بالنجامة أو «علم النجوم» الذي اختص بدرس أحوال النجوم وطرق سيرها في سبيل ضبط المواقيت والأنواء.
تؤكد هذه المدونة الفلكية أن القصيدة العربية القديمة لا تجري على السجية المحض، أو على الطبع المبرأ من مراسم الصنعة والكتابة، بل هي في تقديرنا على شفا النقيض من ذلك؛ إذ يستعير الشاعر بحكم إنشاده في جمهرة من الناس، هذه الاصطلاحات الفلكية من سنن ومراسم ثقافية وخطابية؛ ويديرها على خطة محكمة في بناء القصيدة، وأفانين التخلص فيها من مقدمة إلى غرض أو من موضوع إلى موضوع. وللعقل الواعي أثر مذكور واضح في خلقه، وهو النص الذي يعتمد إلى حد كبير على تخير لغته وتدبرها وإحكام تنسيقها. وفي هذا ما يبين أن ظاهرة الكتابة أداء نوعي محكوم بقوانينه الخاصة؛ حتى إن لابستها حوامل صوتية إيقاعية، فهذه تتيح للكلمة أن تستعيد أجراسها وأصواتها التي طوت عليها الكتابة. وكأن الكلمة مكتوبة محاكاة جناسا للكلمة منطوقة. وهذه طريقة من بين طرائق شعرية أخرى تجريها الكتابة لـ«تشفيه» خطابها، وجعله قابلا للإنشاد أو لأداء تخاطب أبعد أثرا في المتقبل وأشد تأثيرا.
ولعل هذا ما يجعل القصيدة قابلة للكتابة مثلما هي قابلة للمشافهة. وليس أدل على ذلك من هذه الحوامل الصوتية المكثفة فيها. ومن المفارقة أن تكون أمارة على شفهيتها على قدر ما هي أمارة على «كتابيتها». وفي هذا المستوى يمكن القول إن الخطاب «ذاتاني» أساسه خبرة باللغة أو معرفة تصدر عن عارف منفعل بالمعروف انفعالا ذاتيا. وقد ينم هذا الخطاب على وعي بقصور»المكتوب» أو بعدم كفايته، فينزع صاحبه إلى استجلاب خصائص الشفهي أو إلى محاكاتها. ومن ثم يتأدى الخطاب في سجلات لغوية مختلفة أو متباينة.
تُطعّم هذه المدونة الفلكية الشعر بالغريب اللغوي أو المهجور أو المصطلح العلمي أو الروسم المستعار من المثل السائر أو القول المأثور، أو من الألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم، مثل ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين، بل لعلها أن تصطنع رواسمها الخاصة، كلما تعلق الأمر بإعادة استعمال كلمات وصيغ وتراكيب بعينها، أو بإطلاقها «رواسم» في فضاء الذاكرة النصية، حتى تبتعثها وتحملها ثانية سلطة جديدة. وكأن استبدال السياق ضرب من المسخ الشعري، ولكنه لا ينسخ تأثير الكلمة ولا هو يسلبها قوتها الإيحائية أو دلالتها الوجدانية أو الانفعالية.
إن هذا الشعر في نماذج غير قليلة منه، محكوم بنظرية التباديل والتوافيق في الرياضيات حيث ترد المادة اللغوية على صورة معينة، فإذا أعيد ترتيبها تولدت منها صورة ثانية فثالثة وهكذا دواليك؛ الأمر الذي يجعل القصيدة تنطوي على «قابلية تغير» مثيرة يمكن نعتها بـ«التناظرية». وربما لا مسوغ لذلك إلا الكتابة، فهي التي جعلت الكلمة تنتقل إلى فعل تعبيري وتندمج برغبة الإنسان وانفعالاته؛ وتتحول من ذاكرة إلى كتابة، ومن متخيل تصوري إلى متخيل إبداعي أو من كتابة «غير مرئية» متحررة من كل جسمانية إلى كتابة مرئية.
على أنها في المنظور القديم عامة بنية أحادية القطب تنهض على قانون المشابهة الذي يحكم الشعر في تصورهم. ولعل في هذا ما يفسر غنى المادة النقدية المتعلقة بالتشبيه والاستعارة، مقارنة بفقرها المدقع ما تعلقت بالكناية؛ فقد توسع ابن رشيق مثلا في بابي الاستعارة والتشبيه، ولم يخص الكناية إلا بإشارات خاطفة في كلامه على التعريض والتلويح والرمز؛ على الرغم من أن الكناية أساسية في صناعة الصورة قديما وحديثا. ولا بد أن لهذا العزوف أسبابا. وقد يكون منها أنها كنايات قريبة لا تحتاج إلى إعمال روية، ويكون الانتقال فيها إلى المطلوب بغير واسطة بين المعنى المنتقل عنه، والمعنى المنتقل إليه. والأصل في الكناية أن يراد المعنى مع لازمه، ويكون اللازم هو المقصود الأول، أي أن المعنى الحاف أو المصاحب لا يدفع المعنى الاصطلاحي أو الحقيقي ولا يبطله.
أو أنها كنايات لا تستقل في صناعة الشعر بنظام ذاتي شأنها شأن المجاز المرسل. وإنما هي تنضوي إلى شتى الصور، خاصة التشبيهية منها والاستعارية.
أما السبب الأول، فليس بالذي نرتضيه في تعليل عزوفهم عن الخوض في هذه الكنايات الفلكية، وهي ليست كلها بالوضوح الذي نتوهمه، خاصة ما جاء منها رمزا وتلويحا وإيماء أو إشارة، أو قام فيه وصف الشيء مقام اسمه. والكناية أو «الرمز» إن شئنا، تقوم على عنصر «محسوس» أو «مرئي» يرمز إلى موضوع مجرد، أي هي بنية إرداف، يمكن الانتقال فيها من «المعنى» إلى «معنى المعنى»، بيسر أو بعناء أقل.
لا يبقى إذن إلا السبب الثاني، ونحن أميل إلى ترجيحه، فالكناية، بشتى ضروبها، تكاد لا تستقل ، بكيان خاص يجعل منها سمة بارزة في هذا الشعر. إنما هي مكون من مكونات الصورة شأنها شأن الحوامل البلاغية الإيقاعية التي تلوي على القول من كل جهة من جهاته؛ كأن تجعل الاستعارة مثلا موسومة بغرابة غير معهودة أو هي «لا تجتمع كاجتماعها في ما نظم حبيب بن أوس» (أبو تمام) أي لا تنضم إلى أعراف وتقاليد. والعبارة لأبي العلاء أوردها في سياق حوار متخيل بين ابن القارح وعنترة «رسالة الغفران». قال عنترة، وقد أنشد شيئا من شعر أبي تمام: «وليس هذا المذهب على ما تعرف قبائل العرب».
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي