المثقف في النهاية موهبة خلاقة وموقف، والموقف الواضح والصريح يُفقد صاحبه الكثير، فلكل موقف تبعاته الثقيلة من الاحترام والتقدير والخسارات الكبيرة أيضًا. هناك مثل جزائري يقول: «النيف والخسارة» أي (الأنفة مقابل الخسارة)، فكثير من الفنانين والمفكرين جوعوا لأنهم رفضوا سلطة السلطان المطلقة. هكذا مات ابن رشد، وهكذا أيضًا مات التوحيدي الذي أدركته في نهاية عمره حرفة الأدب، أي حرفة الفقر والتشرد، وهكذا مات فكتور جارا بعد أن قصت أصابعه لكيلا يعزف على قيثارته، ويقف مقابل ذلك، بجانب شعبه المنتفض ضد دكتاتورية بينوشي ليتحول إلى أيقونة في المخيال الجمعي. كثير من المثقفين قتلوا وهم أحياء بسبب جرأة مواقفهم، بعد أن حاصرتهم وسائل الاتصال التي تحكمها المجموعات المهيمنة التي لا تريد للعالم أن يتغير، لكن الحق ينتصر دائمًا في النهاية. الثقافة نبل مهما كانت وجهات نظرنا المختلفة من القضايا الحياتية والإنسانية، وحتى السياسية، وعلى الرغم من هيمنة عقلية البيع والشراء في هذا الميدان الثقافي، كثير من المثقفين باعوا أنفسهم للشيطان عربيًا وعالميًا ولم يربحوا إلا موتًا سريعًا وانطفاء بلا ذاكرة. وعلى الرغم من ذلك كله، تبقى العينات الإيجابية، على قلتها، تسعدنا كلما اتخذت موقفًا معينًا؛ لأن ذلك يرفعها كقيمة ثقافية رمزية ويسمو بها عاليًا، بصرف النظر عن وجهة نظرنا في التفاصيل، ومن بين هؤلاء الممثلة الأمريكية الكبيرة، ونجمة هوليوود، ناتالي بورتمان، ذات (36) عامًا وذات الشهرة التي اجتاحت العالم.
فقد أحدثت هزة عنيفة في يقينيات الكيان الصهيوني بعدما رفضت، قبل ثلاثة أشهر، بالضبط في 20 أبريل/نيسان 2018، تسلم جائزة جنيسيس الإسرائيلية، أو كما تسمى «نوبل اليهودية» التي تكرم شخصية كبيرة قدمت خدمة ثقافية جليلة للإنسانية. رفضت بورتمان أن تنتقل إلى إسرائيل لتسلم الجائزة، وقد وضحت السبب في تصريحها الأول والمباشر: «حتى لا أبدو كما لو أنني مساندة للسياسة التي ينتهجها نتنياهو والمبنية أساسًا على العنف. فأنا ضد العنف، وضد الفساد أيضًا، وضد الفوارق الاجتماعية والتسلط». وفي تصريح آخر فصلت في موقفها أكثر: «الأحداث الأخيرة (جرائم غزة ومقتل ستين ضحية في ظل صمت عالمي متواطئ) في إسرائيل هزتني بعنف، بقوة، ولا أشعر بنفسي مرتاحة بالمشاركة في هذا الحدث الجماهيري، في إسرائيل، ولا يمكنني-بكل قناعة-المشاركة في هذه الاحتفالية». هذا كله عادي، ولكن المشكلة الكبرى في الإيطابلشمنت الإسرائيلي أو المؤسسة السياسية المتحكمة في كل شيء، والتي يفترض أن تكون ديمقراطية في تعاملها مع الآخر المختلف، وتجعل من الاختلاف وجهة نظر سياسية تجاه فنانة أمريكية، وتحمل الجنسية الإسرائيلية. نتينياهو الذي كان يفترض أن يلقي كلمة بالمناسبة، أصيب بخيبة كبيرة إذ لم يجد ما يتكئ عليه لتمرير سياسته العنيفة بنعومة، من خلال الفنانة. الحملة العنيفة التي نظمت ضدها بينت أن كل من يخرج عن منطق الإيطابلشمنت، حتى ولو كان إسرائيليًا، يصبح عدوًا يجب أن يحارَب. موقف بورتمان مهم في زمن الصمت والتواطؤ العربيين. كبير أيضًا، لم يتخذه حتى الكاتب الكبير والمناضل في مجموعة «السلام الآن»، دافيد غروسمان، الذي قبل الجائزة نفسها حينما سلمت له، فأصبح موضوع حملة عنيفة واسعة حتى من أقرب أصدقائه، مع أنه كان من أكثر المثقفين إصغاء للألم الفلسطيني ونقدًا للمؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية. لا غفران لمن يرفض منطق الإيطابلشمنت.
أدان الليكود في ردة فعله الممثلة بورتمان واتهمها بالنفاق؛ فهي تتحدث عن حقوق الإنسان وتشارك في مهرجانات في بلدان تمارس رقابة على الأفلام، وإن احترام حقوق الإنسان فيها أقل بكثير من إسرائيل. في المقابل قالت وزيرة الثقافة اليمينية ميري ريجيف: «سقطت الممثلة في شبكة إيديولوجية (BSD) الحركة الدولية للمقاطعة (Boycott Dasinvestisment Sanctions) التي تعمل دوليًا على مقاطعة إسرائيل ثقافيًا». بينما قال أورين حازان، ممثل الليكود في الكينيست: «إن ما فعلته الممثلة جريمة شنعاء تستحق حرمانها من جنسيتها الإسرائيلية».
بوبال ستاينتز، وزير البنى التحتية، ومقرب من نتينياهو، اتهم الممثلة ناتالي بورتمان بأن علاقتها بإسرائيل قريبة من معاداة السامية. وتتعاون مع من يكنون كرهًا شديدًا لإسرائيل. المؤسسة كلها تجندت ضدها لدرجة اتهامها بمعاداة السامية. قليلون من وقفوا بجانب بورتمان في موقفها الحر، أغلبهم من مثقفي اليسار الإسرائيلي. قال المخرج السينيمائي أموس غيطاي مدافعًا عن الممثلة: «لست مستغربًا من عنف ردة الفعل. هذه الحكومة تخلو من أية عقلانية، ولا تتوانى عن إطلاق النار ضد كل مخالفيها، بينما دور المثقف الأسمى هو النقد».
يمكننا أن نختلف مع الفنانة ناتالي بورتمان في أفكارها وفي قناعاتها، فهي في النهاية ثمرة لنظام ولثقافة متسيدة، لكن موقفها الشجاع يستحق كل الاحترام والتقدير. لا يمكن أن يطلب من فنانة هوليوودية أن تفعل أكثر مما فعلته. هي فنانة هوليوودية ولا ينتظر منها أكثر من أداء أدوارها الفنية في أفق إنساني داخل منظومة «الشوبيز»، وهي ليست سياسية بالمعنى الاحترافي.
ديمقراطية الاحتلال لا تنطبق إلا على القطيع المستسلم لمنطق الإيطابلشمنت، وما عدا ذلك فهم أعداء، وقد تصل التهمة التي تقود إلى المحرقة الجديدة إلى أقصاها: معاداة السامية، حتى ولو كان المتهم إسرائيليًا. شكرًا لنتالي على جرأتها وشجاعتها. في الإنسان دائمًا جوهر لا يموت: الإنسان المتخفي فيه.
واسيني الأعرج