هناك إشكالية كبرى تثيرها كتابات ما بعد الاستعمار، ألا وهي تدوينها بلغة المستعمِر. فالكاتب – ما بعد الكولونيالي – يترك لغته الأم في بلده، ومن ثم يبدع بالإنكليزية أو الفرنسية أو الاسبانية أو البرتغالية، وكلها – كما هو معلوم – لغات منتشرة عالميا. وتكمن المأساة في استعانة الكاتب نفسه بمن يترجم إبداعه إلى لغته الأصلية، وندر في المقابل مَن يكتب الإبداع بنفسه بلغتين: لغته الأصلية الموجهة لمواطنيه، ثم اللغة التي يتقنها وتحقق له الانتشار في العالم أو التي اشتهر بها.
ولا شك أن كثيرا من المبدعين تعمدوا الكتابة بغير لغاتهم الأصلية لأغراض عديدة، بعضها نفعي يتعلق بالانتشار السريع والشهرة، وبعضها ضروري عندما تكون لغته الأصلية شفاهية أو مدونة وليس لها رصيد كبير من الإبداعات والتأليف العلمي مثل اللغة الأمازيغية في بلاد المغرب، أو لغات القبائل وسط افريقيا، أو تكون محدودة الانتشار مثل اللغة السواحلية في الصومال أو اللغة الأمهرية في إثيوبيا، أو شفاهية غير مدونة مثل اللغة النوبية ولغة أهل سيوة في مصر، ساعتها سيكون الإبداع منغلقا، مقتصرا على دائرة الناطقين بها.
فيكون السؤال: لمن يتوجه المبدع هنا في كتابته وهو يكتب بلغة المستعمر أو بغير لغته القومية وهو يبدع عن وطنه؟ أهو يخاطب الآخر الغربي المستعمِر بلغته، متحدثا عن مأساة وطنه بنفس لغة المحتِل؟ أم يخاطب بني قومه بشكل غير مباشر بعد ترجمة الكتاب إلى لغته الأصلية، إن تُرجم؟
هذه الأسئلة وغيرها تجرنا إلى مناقشة الواقع نفسه، فالواقع الإبداعي كائن ومترسخ من خلال عشرات النماذج لمبدعين من بلدان عديدة، بعضهم ينتمي للعالم المتقدم، وأكثرهم ينتمي إلى دول العالم الثالث، وهم مشتركون في الكتابة باللغات الأكثر انتشارا في العالم، والتجربة ممتدة منذ عقود، وصارت ذات مصطلحات ومفاهيم تخصها، وعملية نقدية تواكبها، وكانت سببا في تغيير استراتيجية التأريخ الغربي ذاته، وإعادة طرح الأسئلة على العقلية الغربية بمركزيتها المفرطة في الذاتية. فالتجربة في حد ذاتها، أدت إلى انقلاب في التصورات المعرفية والقناعات الفكرية، بجانب الاشتغالات الاجتماعية، وتوابعها السياسية والاقتصادية.
إن المحدد الأول في نقاش هذه القضية هو الأصل في عملية الكتابة، قبل الحديث عن الفرع، فالأصل التزام الكاتب بالإبداع بلغته الأم لأسباب عديدة، أولها أنها اللغة التي تعلمها منذ طفولته، وأنه يفكر بها ومن خلالها طيلة سنوات عمره، وهي الحاضرة في وعيه إذا أراد التعبير أو التخيّل، مستخدما ألفاظها وتراكيبها، كما أن الأرض وعلاماتها وأيقونات الثقافة متعلقة بالألفاظ المنطوقة. ومثلما يقال فإن الإنسان يفكر ويتخيل بلغته الأم ثم يأتي الإبداع مبنيا على ذلك.
أيضا فإن التحدث باللغة الأم يرتبط بشكل وثيق بإحساس متحدثها بالاستقلالية والكرامة، وهما يتلاشيان عندما يستبعد الإنسان لغته الأصلية ويتكلم بغيرها. ذلك أن نسق القيم الذي تملكه أي لغة يعني: فرضياتها وقناعاتها الفكرية، وجغرافيتها ونظرتها إلى التاريخ ودرجات تمييزها للأشياء، فاللغة نظام تتأسس عليه الخطابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للشعوب الناطقة بها.
وهذا لا يعني أن اللغة الأم هي اللغة المحلية فقط، ولكننا نقصد اللغة القومية المعتمدة في بلاد المبدع، وبها تلقى العلم والثقافة. فكثيرون في أقطار آسيا وافريقيا يتحدثون لغات محلية، أو لهجات من لغات شفاهية، فإذا تلقوا العلم فإنهم يتعلمون بلغات معروفة عالميا، مثل الإنكليزية أو الفرنسية، وكان هذا الوضع قديما في اللغة العربية، عندما كانت لغة الحضارة الإسلامية، وترك سكان البلاد الأصليين التي فتحها المسلمون لغات بلادهم الأولى، وكتبوا بالعربية وألّفوا من خلالها، وكان ذلك خيارا دينيا وثقافيا وتعميقا لانتمائهم. فالقضية ليست مدانة بهذه الحدة. وهذا يمتد إلى الشعوب التي دخلت في فيئ الحضارة الإسلامية، وكتبت لغاتها الأصلية بالأحرف العربية (مثل اللغة التركية والباكستانية والفارسية ..) وصاغوا مؤلفاتهم العلمية باللغة العربية فهي لغة الحضارة الأساسية، ولغة الإسلام قبل أي شيء.
إن ما يعنينا في هذه القضية؛ تلك الفئة من الكتّاب الذين يتحولون إلى الكتابة بلغة أخرى غير لغتهم الأولى حصرا، والمشكلة كامنة في تبنيهم لغة المحتل الأجنبي بكل ما في الأمر من تداعيات سلبية تذكر بالتجربة الأليمة للاستعمار الأجنبي وما اقترفه من آثام في بلادهم، فالاستخدام في حد ذاته له آثار نفسية.
هؤلاء الكتّاب تتنازعهم رغبات وتوجهات عديدة، منها الوصول إلى قاعدة أكبر ودائرة أوسع من القراء والمتلقين، وأن يثبتوا للآخرين من أصحاب اللغة التي يتبنون الكتابة بها أنهم قادرون على الكتابة والتميز بلغتهم بل وربما التفوق عليهم. وأيضا، تكون سبيلا لدى الأفراد المنتمين إلى جماعات وإثنيات مهمشة ومستلبة الحقوق وربما خاضعة للهيمنة والاستعمار من قبل قوى وقوميات أكثر قوة وأظهر سلطة، فتأتي الكتابة بلغة الآخر المهيمن في هذه الحالة أشبه بالانتقام أو الغزو الثقافي المعاكس والانتصار الرمزي للذات. ويرتبط الأمر – أيضا- بهامش الحرية الأوسع الذي ينشده الكاتب حين يكتب بلغة غير لغته، حيث يتخفف إلى حد كبير وربما يتخلص تماما من قيود المحرمات والمحظورات التي تفرضها عليه لغة قومه التي قد ترتبط بقيم وأعراف ومنظومة ثقافية، لا تتسامح مع التعبير الذي يذهب إلى المدى الأبعد في ممارسة حريته دون أن يحد من ذلك أو يقف في طريقه المعوقات والرقابة القسرية التي لا يتمكن الكاتب من مقاومتها عندما يكتب بلغته الأم.
في المقابل نرى من يخالف هذا التوجه، مفضلا أن تكون مناقشة كتابة ما بعد الاستعمار بشكل عام إزاء العملية التي يتم بها تحريف اللغة موضع الإبداع بما لها من قوة، وتحريف الكتابة بما تحتويه من دلالة على السلطة، وإبعادها عن الثقافة الأوروبية المهيمنة. وذلك، بالنظر إلى اللغة بوصفها وعاء يحمل الأفكار والرسائل، أي يمكن تطويعها لنقل مآسي الشعوب الفقيرة. فالقضية ـ في نظرهم ـ لا تنحصر في إلغاء مكانة الإنكليزية أو التنكر لها، بما يشتمل على ذلك من رفض لسيطرة القوة الإمبريالية، ولجمالياتها ومقاييسها المفترضة، وإنما تكون اللغة ضمن ما يطلق عليه «عملية الاستحواذ» وهي العملية التي يتم بها أخذ لغة الإبداع ونصوصها وتهيئتها لكي تحمل حمولة التجربة الثقافية الخاصة لشخص ما، وبالتالي نكون أمام لحظة حيوية لنزع الطابع الاستعماري عن اللغة والكتابة الأجنبية.
كاتب وأكاديمي مصري
11RAI
مصطفى عطية جمعة