أبواق ومنظرو الانحطاط العربي

حجم الخط
0

قام سلاح الجو التركي في ذكرى تأسيس الجمهورية بالتحليق في سماء المدن التركية الكبرى، ونفّذ استعراضات بهلوانية؛ فأتت تلك الطائرات بأصوات مدوية فظيعة وخرج عدد من المواطنين ليستمتعوا بها، أصوات الطائرات الحربية التركية القوية عظيمة الصخب تبعث الأمان في نفوس الأتراك، وتدعوهم إلى الفخر والاعتزاز، أما في سماء القرى والمدن السورية فأصوات الطائرات الحربية السورية تشيع الذعر وتحمل معها المجازر والدمار وترسخ جذور الإرهاب والرعب والفوبيا، التي عصفت بالصغير قبل الكبير ولم يسلم منها حتى الحجر، وتلك مشاعر لا يعرفها إلا مَن عاشها، فهنيئاً لتركيا بجيشها وديمقراطيتها واقتصادها ولسوف يأتي يوم يسعى فيه الاتحاد الأوروبي لضمها إليه ليقوي اقتصاده ويعزز حضوره السياسي العالمي بها.
أما، نحن العرب، فما زلنا نتردى بعد كل هاوية في وادٍ سحيق وقد ملّ التخلف والانحطاط منّا، وتجهد الرجعية لتفرّ من جنباتنا من دون طائل، نحن العرب كأننا من عرق مختلف، فلا تنطبق علينا قوانين البشرية الطبيعية، فحتى كبار المفكرين والمثقفين والكتّاب يمكن أن يحملوا في رؤوسهم كماً من الرجعية أكثر مما يسبح فيه حكامنا أنفسهم، فهناك العديد ممن مازال يؤمن مثلاً بأنّ الصمود الأسطوري للجيش السوري وتماسك الدولة السورية حالا دون تحقيق المؤامرات الصهيونية التي تهدف إلى القضاء على محور المقاومة والممانعة، فوقف الشعب السوري شامخاً في وجه الإمبريالية العالمية؛ أعان الله ذلك الشعب فلم ينتهِ بعد من مواجهة طائرات الميج والدبابات والسلاح الكيماوي، حتى يضعوه في مواجهة الإمبريالية، ثم يكونوا معه في تلك المواجهة قلباً وقالباً، ولكن من مقاعد المتفرجين.
لن أكرر الفظائع التي يعيشها السوريون، ولكن لا أستطيع إلا أن أذكّرهم كيف قام طاغيتهم بإطلاق سراح عدد قليل من الحرائر السوريات، مقابل الإفراج عن المخطوفين المحسوبين على حلفائه اللبنانيين، وكيف تأخر بالإفراج عنهن؛ إنّه لا يقيم أدنى قيمة لدماء أو أعراض السوريين، لا يمكن أن يخرج كثير ممن مازال يعتقد بذلك عن احد هذه التصنيفات، فهو إما بوق مأجور أو مستفيد؛ أو تكون قد حركته طائفيته الدفينة، ولم يستطع تجاهل نداءاتها الآثمة، أو مِمَن مازال يحمل أفكار الخمسينيات والستينيات عن شيوعيةٍ انقرضت ولم يبق منها غير ذكرى مهترئه في بعض كتب التاريخ، وهم ما برحوا يحاولون محاربة طواحين الإمبريالية والرأسمالية بقشتها المحترقة، يجمعهم دائماً التخويف من الإسلام والإسلاميين؛ فلا تجد في خطابات أكثرهم إلا الحديث عن هدم الكنائس وترويع الأقليات، ويصفون كل من لا يروق لهم بأنّه تكفيري إرهابي، ودائماً ما يتجاهلون الفاعل الحقيقي لتلك الأعمال الإرهابية، فتفجير العدلي لكنيسة القديسين في الإسكندرية أواخر 2010 لم يدفع أحد ـ إثر آخر اعتداء عليهم ـ إلى التفكير بمن لديه مصلحة في هكذا أعمال من الداخلية المصرية، ويتمادون في القبح بالتغاضي عما تعانيه الأكثرية السنية في سورية من إبادة جماعية أصبحت لا تحرك شيئاً في ضمائر العرب قبل العجم، فترى أولئك لا ينظرون إلى الواقع، إن نظروا، إلا من زوايا قصر نظرهم، وإن أطلوا يوماً على مشهد الأحداث فلن يروا غير نصف الكأس الفارغة، فمثلاً تحدث أحدهم عن هول جريمة عدد من الجرحى السوريين الذين يتعالجون في مشافي الكيان الصهيوني، ولم يسأل عما يحدث في وطنهم الذي تركوه مستجيرين بالنار هرباً منه – أنا لا أدافع عن ذلك، ولكن أحاول طرح الموضوع بواقعية ولكنه كان مستغرباً كيف يقاتلون في سورية ويتعالجون في الكيان المحتل وتوقع أن يجندهم الموساد وكأنه بحاجة لمثل أولئك البسطاء الذين عاد كثير منهم معاقا إعاقة دائمة؛ إنّ الموساد ينسّق ويوجّه عملاء بحجم رؤساء ووزراء وقادة جيوش، ولكنه لا يثق بأولئك المقاتلين بعد تلقيهم العلاج عند أعدى أعداء الأمة، وكأنّ طاغيته الممانع ما فتئ يشق سماء الجولان منذ 1967، فلا تتوقف الصواريخ والقذائف والطائرات الحربية، فإما أن تحرر فلسطين أو ليحترق العالم، ولكن تلك الصواريخ والقذائف ضلّت طريقها واتجهت صوب رؤوس السوريين، وقد قالها جنوده ومرتزقته صراحة، فكتبوا على جدران البيوت والمدارس والمساجد، ‘إما الأسد أو نحرق البلد’؛ لم يتبق فيها شيء إلا واحترق من الحديد إلى قلوب الأمهات، وليس انتهاءً بمستقبل الأطفال، وقد قتل من السوريين في ثلاثين شهراً أكثر ممن قتلتهم إسرائيل من العرب في خمسة وستين عاماً؛ لن يجد الكيان الصهيوني في صدور أولئك المقاتلين إلا مثل ما تحمله صدور كل أفراد الأمة، فموقفه ذلك منهم كمن اغتصب أرضك ثم سقاك منها يوماً شربة ماء، كما أنّ الحقيقة ليست غائبة عن أحد، فذلك المحتل الغاصب هو السبب وراء استمرار محرقة السوريين، وهو المسؤول الأول عن الانقلاب على ثورة المصريين.
وفلسطين المترسخة في ضمير كل ثائر حر ستكون أكبر المستفيدين من نجاح ثورات الربيع العربي، فلن يسمح أبناء سورية ومصر متى تحررتا أن يعتدي أحد على شعبنا العربي فيها ولن يحرر فلسطين إلا المواطنون الأحرار الشرفاء الذين يصدحون بالحق ولا يخشون فيه لومة لائم؛ وهذا ما يستيقنه الغرب جيداً؛ وهو نفسه ما يتعامى عنه كثير من أولئك المفكرين، وقد اكتفوا بالتنظير لمجتمعاتهم من أعلى أبراجهم العاجية، ويخرجون علينا كل يوم بفكرة ولدت ميتة أو مصطلح يختفي عفنه خلف رنين اسمه، ثم يُجهدون أنفسهم في تحليله حتى ينسوا مغزاه؛ فمـــثلاً قبل عدد من السنين أطلق عدد من المتفيهقين مصطلح ‘جلد الذات’ وكتبوا عنه آلاف الصفحات تحدثوا فيها عن ضرورة التوقف عن التغني بمآثر الماضي العربي والبكاء على أطلاله، والكف عن لوم النفس بسبب مآسي الواقع الحالي وتجاوزه لبدء العمل للانطلاق نحو آفاق المستقبل والبحث عن أدوات كفيله بتحقيق النهضة المجتمعية، وأعموا أبصارنا وأصموا آذاننا وظلوا يلفّون ويدورون مبعدين أنفسهم عن السبب الحقيقي لكل ذلك التخلف والانحطاط؛ فلا نعاني في الدول العربية إلا من الدكتاتورية وما ينتج عنها من فساد وتخلف واستبداد، أدّت إلى تحول الدول العربية إلى مزارع لفئة من المستفيدين، الذين لا يشبعون أبداً من دم الفقراء.
لدينا نحن العرب كل الموارد اللازمة ليس فقط للنهوض، وإنّما لاحتلال أولى المراتب على الساحة الدولية، ولا تنقصنا إلا الإدارة الحكيمة العادلة الديمقراطية، وهذا لن يتحقق إلا بتحرر الأوطان من جلاديها والتخلص من بقاياهم في ما عُرف بالدولة العميقة التي لن يكفي إسقاط رأس النظام للتخلص، وإنّما يجب تغيير كامل كوادر القيادة في كل أجهزة الدولة بِدءًا من دائرة السجل المدني وانتهاء بالقضاء، ويجب ألا تتكرر تجربة الانقلاب في مصر، فنظام فاسد لا يمكن أن يأتي إلا بالفاسد.
يتحمّل جزء كبير من إثم واقعنا المتردي أولئك المتفيهقون من المفكرين وربما توجب علينا جلدهم ليفيقوا من سبات أحلامهم في تلك الشرنقة التي حشروا أنفسهم فيها مبتعدين عن واقع مجتمعات تحركت شعوبها، ليس تحت تأثير وبدافع من أفكار نخبها المثقفة؛ بل كان التوق لاستنشاق عبير نسمات الحرية وتمنّي الموت هرباً من جحيم تلك الدكتاتوريات، المحرك الوحيد لهم ولن يلبثوا أن ينتصروا مهما طال ليل الظلم.
لا أريد الدخـــــول في أية مهاترات مع أحد، وأدعو في سبيل ذلك إلى جعل العقل والحق والمنطــــق الحكم والفيصل في كل ما يجري حولنا، وعدم الكـــيل بعشرين مكيال، ويجب أيضاً تسمية الأشياء بمسمياتها؛ فليس الثوار من قصف غوطة دمشق بالكيماوي، ومن قصفهــا قبل شهرين ويطبق الآن إضافة للقصف حملة الجوع أو الركوع على مئــات آلاف الأبرياء، لا يمكن أن يحرر فلسطين؛ وما فعلــــه السيسي لا يستطيع أحد إنكار أنّه انقلاب على أول رئيس منتخب في تاريخ مصر.
أما أن تسمى مظاهرات الثلاثين من يوليو ثورة واعتصامات رابعة والنهضة إرهابا فهذا ما أوصل إلى درجة من السخف هُلل فيها لتجريد بطل رياضي عالمي من لقبه بسبب رفعه شعاراً يمثل توجهه السياسي؛ من حسن حظه أنّه نجى من الاتهام بمحاولة قلب نظام الحكم ،والقائمة تطول ولا زالت الشعوب في أغلب الدول العربية تقايض الرضوخ والسكوت بقليل من الأمن والاستقرار الهشين.

‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية