مصداقية القضية تعزى في الغالب إلى القدرة على الإخلاص لها والتواصل معها إلى أن تتحقق. فقد كانت الثورة الجزائرية 1954 1962 قضية قائمة في الوطن وفي الخارج، استوفت مع الوقت كافة المواصفات، وخصائص القضية التي شغلت المناضلين الجزائريين وكل أحرار العالم سواء في الجزائر أو في المتروبول. وعليه، فإن القراءة الجديدة أو الزيارة الجديدة للثورة الجزائرية، تعد محاولة للاطلاع على حقائق ومعاني جديدة لهذا الحدث، الذي ساهم بقدر وافر في توجه حركة التاريخ إلى الزمن المعاصر بكل دلالات الكلمة، خاصة عندما يعني أن التاريخ المعاصر هو تاريخ تصنعه الدول والحركات التي تتطلع إلى بناء وتأسيس الدول. كان الملمح البارز الذي ساد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية هو التطلع إلى الاستقلال والتحرر وتقرير المصير، وكان المشهد في الجزائر هو بمثابة العينة، أو المَثَل الذي يجب أن تقتفي أثره شعوب العالم المستعمَر وحركاته الوطنية. كانت الثورات المناهضة للاحتلال، طوال القرن التاسع عشر، تجري في غياب مرجع أممي ودولي يعوّل عليه لرفع الظلم والحيف. لا توجد سياسة أممية ولا سياسة دولية إلا بما يعني أوروبا فقط، فقد كانت السياسة الدولية تعني المركز الأوروبي، وباقي العالم هو مجرد مكمّل وتابع أو امتداد لهذا المركز. كان الاستعمار فارضا ظلاله وجاثما على صدر عدد كبير من البلدان والشعوب والأمم، وليس لهذه الأخيرة أية جهة تعود إليها من أجل انتزاع الحق وإعادة العدل والإنصاف إلى أصحابه. لكن مع نهاية الحرب العالمية الأولى، كل شيء تغير، وبدأت مرحلة هي أروع وأخصب المراحل في تاريخ الإنسانية. ففي الجزائر اجترحت النخبة الأهلية كفاحا ونضالا سياسيا حديثا، من أجل نيل وتحقيق مطالب ‘الشعب’ الجزائري، التي لم تعد تتوجه بها إلى الحكومة العامة في الجزائر وإلى الإدارة العليا في المتروبول فحسب، كما تفعل في السابق، بل إلى الهيئة الدولية الجديدة، ونقصد عصبة الأمم في جنيف، المرجع العالمي الجديد لحل الخلافات والنزاعات والمشاكل بين الدول، خاصة المسائل المتعلقة بالاحتلال والاستعمار. ومذاك، 1919، والحركات الوطنية، إن في الجزائر أو في بقية العالم والبلدان المحتلة، تخوض نضالا من أجل استعادة السيادة المفقودة عنوة، أو البحث عن الاستقلال، وإعادة بناء دول جديدة على مسرح العالم الجديد. عمدت النخبة الأهلية، التي سوف تبدأ مرحلة وطنية بفضل الخطاب السياسي الذي توكأت عليه حيال الإدارة الاستعمارية الفرنسية، أو حيال عصبة الأمم والأممية الشيوعية، أو في المحافل الدولية، خاصة منها المناهضة للاستعمار، الى بروكسل 1927. فقد تنوعت ‘الحركات الوطنية’ من الإصلاحية إلى الثورية، وتباينت نبرة ولهجة خطاباتها، فضلا على تنوع مطالبها ومنهج عملها بسبب الزخم الجديد في الحياة الوطنية، أي داخل البلاد أو في الحياة الدولية، حيث تساندت وتقاطعت وتكاملت السياسة الداخلية مع السياسة الخارجية، وأفضت في نهاية التحليل والمطاف إلى ولوج الاستعمار، كظاهرة تاريخية، إلى منطقة حرجة جدّا أشَّرت على بداية أفوله. ما بعد الحرب الكبرى، ثم تأسيس عصبة الأمم والتطبيق المتواصل للنظام الاشتراكي والتطور الهائل الذي شهدته العلوم الإنسانية والاجتماعية، خاصة في مجال العلوم السياسية والفكر الإستراتيجي، فإن الحركات الوطنية صارت تبحث بوعي أو بدونه عن نقطة الارتكاز أو القوة المرجعية التي يمكن الاستناد إليها لضمان السبيل إلى الاستقلال والسيادة والتحرير، في إطار نظام سياسي اقتصادي واجتماعي. استندت التشكيلات الجزائرية في مطالبها إلى كافة المراجع المتوفرة من فرنسية ودولية، وتفاعلت معها بقوة وحيوية، إلى أن وصلت بعد المؤتمر الإسلامي الأول عام 1936، ثم بيان الشعب الجزائري عام 1942 وأحداث ايار/مايو 1945، والثورة التحريرية لعام 1954، بعد كل هذا المسار وصلت مطالب الشعب الجزائري إلى هيئة الأمم المتحدة عام 1955، وصارت تناقش وتُتَدَاول على أساس أنها ‘قضية جزائرية’. وبداية من هذا التاريخ أضحت الأمم المتحدة هي المرجع الدولي للقضية الجزائرية، ومنها ارتقى نشاط جبهة التحرير الوطني إلى السياسة الدولية وإلى العمل الدبلوماسي، فقد توفرت لجبهة التحرير فرصة تاريخية من أجل مجايلة العمل الثوري المسلح في الداخل مع النشاط الدبلوماسي والدولي في الخارج، وصارت النشاطات من التكاثف والتلازم أن العلاقة بينهما يصعب فَصْم عراها. أمَّا عام 1958، في يوم 19 ايلول/سبتمبر منه الذي اعلن فيه تأسيس وتشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فأردفت الثورة الجزائرية إلى عملها العمل الدبلوماسي وخاضت غماره بتجلد وتصميم ورباطة جأش لا تَقِل عن الكفاح المسلح والفدائي في الداخل وفي فرنسا. وفي التحليل التاريخي، يمكن أن نستنتج أن وصول القضية الجزائرية إلى الهيئة الأممية لم يكن محض صدفة ولا منة من التاريخ، بل كان إصرارا لازم الحركة الوطنية الجزائرية، ثم قيادة جبهة التحرير الوطني، وبعدها الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية لخوض معركة مصيرية توفرت كل أسبابها الداخلية والخارجية، من أجل أن ينتهي هذا النضال إلى تقرير المصير والاستقلال. ونفس التحليل يقودنا إلى تسجيل قيمة وأهمية القضية الجزائرية في المحفل الدولي وتأثيرها على تطوّر الحياة الدولية، لصالح مبدأ تقرير مصير الشعوب التي تئن تحت وطأة الاحتلال من أجل افتكاك الحرية والاستقلال، أو ما كان يعرف بمرحلة تصفية الاستعمار. فهذا الوجه من التحليل لا يتعلق فقط بتطور القضية الوطنية الجزائرية بقدر ما يتعلق أيضا بتغير وتحوّل مجرى التاريخ الإنساني، عندما تثبت وتدلل جبهة التحرير الوطني من خلال ثورتها الى أن اعتماد مسار التحرر بمفاهيم ومعاني العصر الحديث يفضي إلى نفس النتائج التي شاهدتها أوروبا عندما خاضت ثورات ضد أنظمتها المستبدة، وشرعت في بناء المؤسسات على أساس من العدالة والحرية والديمقراطية. فقد كُتب على الحركات الوطنية، خاصة جبهة التحرير أن تعدّل مسار التاريخ الإنساني إلى صالح الشعوب في الحرية والمساواة والاستقلال، وهو المسار الذي حاولت الدول الاستعمارية أن تنحرف به على غير غاية التاريخ في مدلوله الكبير عندما يعني مصير العالم كله، وليس المركز الغربي فقط. عندما نحاول أن نتتبع التاريخ الحديث والمعاصر، من خلال تطور الحركة الوطنية من مسألة أهلية تخاطب بها السلطة الاستعمارية الجزائريين المسلمين، إلى قضية جزائرية تُواجه بها نفس السلطة أمام الأمم المتحدة، نجد أن الخيط الرفيع والبارز في هدا المسار هو سعي الحركة، ثم الثورة التحريرية إلى استخلاص الشرعية الدولية التي أضحت أحد الاعتبارات الضرورية التي يقوم عليها المجتمع الدولي الاخذ بالتشكل. ومفهوم الشرعية الدولية، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة يتجاوز الدولة الفرنسية والدول الاستعمارية برمتها. فالشرعية الدولية تتكامل مع الشرعية الوطنية وتستوحي من مفهومي العدل والإنصاف الفلسفي والأخلاقي، لكي تسري على كافة شعوب الأرض التي تؤمن بمبادئ الأمم المتحدة وفكرة العدالة الدولية. أخيرا، وليس آخرا، يفضي بنا التحليل التاريخي لموضوع القضية الجزائرية في الأمم المتحدة إلى ايلاء الاعتبار الكبير لما تطوّرت إليه الدبلوماسية الدولية، التي لم تتوجه إلى توسيع نطاق مجالات التحرر والسيادة والاستقلال فحسب، بل أيضا إلى انهيار منظومة الاستعمار ذاته من داخله، وإعادة النظر في التاريخ السياسي للغرب الاستعماري. فعندما يرتقي الخطاب السياسي لدى الشعوب المناهضة للاستعمار ويصل إلى الوضوح ويتمكن من الإفصاح عن مطالب الشعوب التائقة إلى استعادة السيادة، أو الحصول على الاستقلال أو إعادة بناء النظام السياسي.. إلى غير ذلك من الأنظمة التي يوفرها تاريخ القرن العشرين، فمعنى ذلك، أن هذا الخطاب صار يتبوأ المكانة التي تليق به لكي يقف ندا وخصما يضاهي المستعمر ويصل إلى افتكاك الحق منه، معتمدا على المرجعية الدولية. وبمعنى أوضح، إن القدرة على إبداء المطالب في صياغة محكمة من الخطاب السياسي، معركة فكرية وسياسية ودبلوماسية، لا تقل شأنا عن الكفاح الثوري والمسلح، تمكن صاحبها من إقناع الرأي الدولي لما تتطلع إليه وتريده الحركات التحررية في العالم. وفي هذا الجانب استطاعت جبهة التحرير الوطني أن تصل إلى الحق في تقرير المصير والاستقلال عبر النضال السياسي، الذي اعتمد على نفس المفردات والمفاهيم والقاموس السياسي الذي أراد المستعمر أن يتستر عليه حيال البلدان المحتلة، ويمنع عنها تبني الخطاب السياسي الحديث والمعاصر، ويمنعها من التفكير بواسطة ومن خلال مفاهيمه ومعانيه. ولعّل الذي عجّل بسقوط الاستعمار في صراعه مع الثورة الجزائرية، هو قدرة الوفد الجزائري على التعاطي مع القضية الجزائرية بنفس اللغة التي كان يتحدث بها الوفد الفرنسي في مجالس وأروقة الأمم المتحدة التي اعتمدت اللغة الفرنسية كلغة رسمية لها. نحن اليوم نقف على مسافة زمنية ونقدية من تاريخ تسجيل القضية الجزائرية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، نستطيع أن نكتب تاريخ الجزائر السياسي والدبلوماسي في إرهاصته الأولى، فضلا عن التاريخ الثوري المسلح، كما أننا نستطيع أن نؤرخ للمؤسسة الأممية التي تطورت من خلال القضايا والمسائل التي كانت تعترضها وتعرض لها، من خلال المداولات والمناقشات التي كانت تتم في أروقتها ومجالسها، وكل ما يجري هو تطوّر للخطاب الأممي في سياق العلاقات الدولية، والتحديد لمفهوم الشرعية الدولية والعدالة وفكرة المجتمع الدولي، الذي يجب أن يخضع لمعايير وشروط السياسة الدولية، كما تتبلور وتتطور في الهيئة الأممية والهيئات التابعة لها. إن الهيئة الأممية التي يحكمها ميثاق صدر باسم شعوب العالم كلِّه، لم تكن مؤسسة جاهزة من أول تأسيس لها، بل تعيّن عليها أن تتشكّل من رحم الصراعات الدولية والإقليمية والوطنية. فلم يكن إصدار القرارات المناسبة، سواء على مستوى الجمعية العامة أو مجلس الأمن بالأمر الهين، بل كثيرا ما كانت الهيئة ذاتها عرضة لإعادة النظر، وفي موضع الاتهام بسبب قراراتها وتصرفاتها التي لم تكن محل إجماع، بل متحيزة وغير منصفة، أي أنها كانت تعكس الخلافات العميقة التي تطحن في العمق الدول الكبرى الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن. إن الصراع الفرنسي- الجزائري على صعيد الهيئة الأممية، هو صراع بين طرف يريد أن يتمسك بالوضع الاستعماري، وطرف يريد أن يتحرر من الاستعمار ويشق لنفسه ولغيره مرحلة جديدة هي مرحلة تصفية الاستعمار، ومن ثم رمي الاستعمار إلى التاريخ الأسود الذي لن يأسف عليه أحد مثله مثل النظام العبودي- الاقطاعي الذي توارى الى غير رجعة.