القاهرة ـ «القدس العربي» : المفاجأة في الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 6 أغسطس/آب كانت البيان رقم 26 الصادر عن الجيش، عن نتائج العمليات التي قام بها مع الشرطة في الأيام الماضية، وأدت إلى مقتل اثنين وخمسين إرهابيا والقبض على عدد مماثل، لأن هذه الأعداد تعني أن مئات آخرين لا يزالون في شمال ووسط سيناء، وإن كانت قدراتهم على الحركة أصبحت شبه مستحيلة، وبالتالي فوصول الجيش والشرطة إليهم تؤكد ما سبق وقلناه من قبل مرات عديدة، بأن هناك تدفقا هائلا في المعلومات من الأهالي على الجيش والشرطة عن أماكن تواجد واختباء الإرهابيين، ونجاح خطة تقسيم شمال ووسط سيناء إلى مناطق محاصرة، تسهل مراقبة تحركات الجميع، وحتى في أماكن اختبائهم في مباني داخل المدن مثل، العريش ليذوبوا وسط الأهالي، فإن معلومات جهاز مباحث أمن الدولة عنهم وصلت إلى درجة عالية جدا، وتنجح في تحديد هذه الأماكن ومهاجمتهم فيها، وتصفية من لا يرفع يديه مستسلما.
وأبرزت الصحف أيضا اجتماع الرئيس السيسي مع وزير خارجية إيطاليا لبحث العلاقات بين البلدين، خاصة الوضع في ليبيا، وكان الرئيس واضحا لأبعد الحدود في توضيح أن مصر تعتبر ليبيا جزءا من أمنها الوطني، ولن تسمح لأي جماعة معادية لها بالتواجد فيها، وتهديد حدودها العربية، وأنها مؤيدة للنهاية للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وأن على إيطاليا ومعها فرنسا ثم بريطانيا وأمريكا تقدير هذه المسألة، وأنها لا تعارض أي جهود للتسوية السياسية بين الليبيين.
كما اهتمت الصحف باستقبال الرئيس أيضا نائب وزير التجارة الروسي، الذي بحث معه التعاون في صناعة قاطرات وعربات السكة الحديد في المنطقة الاستثمارية في البحر الأحمر. وامتلأت الصحف بالتعليقات على حادثة الأطفال الذين تم ضبطهم في جمرك مدينة بورسعيد يهربون بضائع. كما تركز اهتمام الأغلبية على مشروع القانون الذي يتم إعداده بأن تكون اجازة موظفي الدولة ثلاثة أيام في الأسبوع هي مع مد فترة العمل حتى الرابعة بدلا من الثانية.
وقد أخبرنا الرسام مخلوف في «المصري اليوم» عن ألاعيب الحكومة بأنه كان يسير في أحد الشوارع فشاهد سيارة نقل مليئة بأعضاء بشرية تبرع بها أصحابها، وصديقين يقول أحدهما للثاني: ناس كتير اتبرعت بمخها علشان ما تفكرش في اللي بتعمله الحكومة. أما الحكومة فتفاخرت بزيادة الاحتياطي النقدي في البنك المركزي وتقليل العجز ونجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي، والاحتفال بمرور ثلاث سنوات على إتمام مشروع قناة السويس الجديدة، وأنه غطى كل تكاليفه، وزادت إيرادات قناة السويس، والاهتمام الأكبر كان لمباريات الدوري العام لكرة القدم والمرحلة الثالثة والأخيرة من تنسيق عمل مكاتب التنسيق لقبول الجامعات. وإلى معظم ما لدينا….
مقتل الراهب
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على مقتل الأنبا أبيفانيوس في دير أبو مقار، وكان البابا تواضروس بطريرك الأقباط الأرثوذكس قد سارع إلى إصدار قرار بإلغاء صفحات الكهنة والقساوسة من على الفيسبوك، وعدم الخوض في هذه القضية، إلى أن تنتهي التحقيقات، وأتبع ذلك بعقد اجتماع للجنة الرهبنة وشؤون الأديرة في المجمع المقدس، كما أخبرنا بذلك في جريدة «وطني» القبطية فيكتور سلامة، حضره الأنبا دانيال السكرتير العام للمجمع المقدس وتسعة عشر من الآباء المطارنة والأساقفة رؤساء الأديرة في جلسة خاصة لمناقشة انضباط الحياة الرهبانية والديرية وبعد المناقشات الموسعة أصدرت القرارات الآتية: «وقف رهبنة أو قبول أخوة جدد في جميع الأديرة القبطية الأرثوذكسية داخل مصر لمدة عام، يبدأ من أغسطس/آب 2018، كما أن الأماكن التي لم توافق البطريركية على إنشائها كأديرة سيتم تجريد من قام بهذا العمل من الرهبنة والكهنوت والإعلان عن ذلك، مع عدم السماح بأي أديرة جديدة، إلا التي تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة، ويتم ذلك من خلال رعاية دير معترف به، وتحديد عدد الرهبان في كل دير حسب ظروفه وإمكاناته، وعدم تجاوز هذا العدد لضبط الحياة الرهبانية، وتجويد العمل الرهباني إيقاف سيامة الرهبان في الدرجات الكهنوتية «القسيسية والقمصية» لمدة ثلاث سنوات، والالتزام بعدم حضور علمانيين على الإطلاق في الرسامات الرهبانية، لحفظ الوقار والأصول الرهبانية الأصيلة، وأن تستقبل الأديرة الزيارات والرحلات طوال العام باستثناء فترة صوم الميلاد والصوم الكبير، فتكون أيام «الجمعة والسبت والأحد» فقط من كل أسبوع، والتحذير من زيارة الأماكن غير المعترف بها، وهى مسؤولية الأيبارشيات والكنائس، فضلا عن الاهتمام والتدقيق بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير، واهتمامه بأبديته التي خرج من أجلها، وبدون الحياد عنها، وتضمنت القرارات أن كل راهب يأتي بالأفعال التالية يعرض نفسه للمساءلة والتجريد من الرهبنة والكهنوت، وإعلان ذلك رسمياً مثل الظهور الإعلامي في أي صورة، ولأي سبب، وفي أي وسيلة التورط في أي تعاملات مالية أو مشروعات لم يكلفه بها ديره، الوجود خارج الدير بدون مبرر والخروج والزيارات بدون إذن مسبق من رئيس الدير، كما أنه لا يجوز حضور الأكاليل والجنازات للرهبان إلا بتكليف وإذن رئيس الدير بحد أقصى، لا يتجاوز الراهبين وإعطاء الرهبان فرصة لمدة شهر لغلق أي صفحات أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي والتخلي الطوعي عن هذه السلوكيات والتصرفات التي لا تليق بالحياة الرهبانية، وقبل اتخاذ الإجراءات الكنسية معهم. وناشدت القرارات جموع الأقباط عدم الدخول في أي معاملات مادية أو مشروعات مع الرهبان أو الراهبات، وعدم تقديم أي تبرعات عينية أو مادية، إلا من خلال رئاسة الدير، أو من ينوب عنهم، بالاضافة إلى تفعيل دليل الرهبنة وإدارة الحياة الديرية، الذي صدر من المجمع المقدس في يونيو/حزيران 2013 وهي مسؤولية رئيس الدير ومساعديه».
من القاتل؟
عماد الدين حسين في «الشروق» يتساءل عمن قتل الأنبا أبيفانيوس قائلا: «في الثالثة من فجر يوم الأحد قبل الماضي «29 يوليو/تموز»، خرج جبريل المقاري مسؤول الألحان في قداس دير الأنبا مكاري من قلايته أو مسكنه في الدير، لكي يحضر تسبيحة منتصف الليل، والإعداد لقداس الأحد بعد عدة ساعات. لدى خروجه فوجئ بجسد الأنبا أبيفانيوس رئيس الدير ملقى على وجهه في الممر المؤدي إلى الكنيسة، التي كان سيقام فيها القداس، وحوله بركة من الدماء، وجزء من المخ صار خارج الجمجمة. الراهب سارع إلى أخبار الرهبان الموجودين، وبعد دقائق قليلة كان الجميع قد استيقظ على هذا الخبر الصادم. هذه الرواية نشرتها جريدة «الوطن» قبل أيام منسوبة إلى الراهب باسيليوس المقاري أمين مكتبة دير أبومقار، وقال باسيليوس أيضا إنه جرى إخطار البابا تواضروس، الذي طلب الاتصال بالشرطة والنيابة للتحقيق في الحادث. على ذمة باسيليوس فإنه يصعب تصور أن تكون الجريمة بهدف السرقة، فالمقتول كان زاهدا وناسكا ولا يملك أصلا ما يمكن سرقته، ثم إن كل عمال الدير من المسيحيين، وبالتالي فإن القاتل هو أحد الموجودين بالدير وليس من خارجه. ومن اللافت للانتباه ــ كما كشف البعض ــ أن بعض الرهبان الذين يخرجون للعمل طوال أيام الأسبوع في مزارع الدير الخارجية يعودون ليلة السبت، للاشتراك في قداس الأحد. كما أن أسوار الدير عالية جدا والحراسة مشددة. القاتل يعرف المكان جيدا، خصوصا الممرات، وأماكن كاميرات المراقبة غير الموجودة في الممرات. القاتل أيضا كان يريد قتل الأنبا وليس أي شخص آخر، وبالتالي فقد ارتكب جريمته بأكبر قدر من الإتقان حتى يثبت العكس لاحقا! مقتل أبيفانيوس صادم جدا، لأنه أول جريمة قتل في تاريخ الكنيسة تقع داخل الدير. علما بأن هناك ثلاث جرائم قتل خطيرة وقعت قبل ذلك، ولكنها كانت خارج جدران الأديرة. في 1945 قتل الأنبا ثاؤفيلس مطران القناة والقدس الشرقية، ورشح مرتين للكرسي البابوي، ووقعت الجريمة فى مدينة بوش قرب بني سويف. وفي عام 1953 قتل الأنبا مرقص أول أسقف مصري لجنوب إفريقيا بالرصاص داخل سيارته في الطريق العمومي لدير وادي النطرون. أما الجريمة الثالثة فكانت مقتل الأنبا يوأنس مطران الجيزة والقليوبية وسكرتير المجمع المقدس بالسم عام 1963، حينما كان يستعد لحضور حفل زفاف «إكليل» ووضع السم له فى زجاجة دواء، بعد أن شعر بألم خفيف نتيجة للكحة. جرائم القتل الثلاث تم قيدها ضد مجهول، وهناك خشية بين كثيرين ألا يتم التوصل في هذه الجريمة الجديدة إلى اسم الفاعل. البعض يستبعد فرضية العمل الإرهابي لأسباب كثيرة، منها أن أبيفانيوس شخص غير معروف للعامة، هو معروف جدا للدوائر الكنسية المحلية والعالمية، ومعروف فى الأوساط الثقافية الضيقة مثل مكتبة الإسكندرية، لكنه كان شديد العزوف عن الظهور الإعلامي تماما، بل إذا أجبرته الظروف على حضور أحد المؤتمرات، فكان يفضل الجلوس في المقاعد الخلفية. لكل ذلك، فإن المهم ليس فقط من الذي قتل الأنبا بالآلة الحادة، بل من الذى اتخذ قرار القتل؟ وهل هناك محرض ومخطط، شخصا كان أو تيارا، ولمصلحة من اختفاء الأنبا أبيفانيوس؟ هل الأمر متعلق بجريمة قتل عادية لخلاف شخصي؟ هذا أمر مستبعد إلى حد ما، كما يقول المتابعون.. هل هو متعلق بأن هذا الرجل قرر محاربة بعض الفاسدين أو المخالفين للقانون واللوائح الكنسية، أو الذين حاولوا أن يفرضوا آراءهم ومنطقهم على رئيس الدير أو الكنيسة عموما؟ لا نملك أي إجابة وفي انتظار ما تسفر عنه التحقيقات، وفي كل الأحوال فإنه لكي نفهم حقيقة ما حدث، فعلينا أن نفهم أكثر حقيقة الخلاف بين البابا شنودة والأنبا متى المسكين، الذي ما تزال آثاره مستمرة حتى الآن رغم رحيل الاثنين عن دنيانا».
مسلمون وأقباط
ومن مقتل الكاهن أبيفانيوس إلى العلاقة بين أكبر جمعية دينية في مصر والأقباط وهي الجمعية الشرعية للعاملين بتعاون الكتاب والسنة، حيث نشرت «الشروق» يوم الأحد مقالا عنوانه «الجمعية الشرعية والأقباط في مصر» كتبه جورج فهمي، وهو باحث في مركز مسارات الشرق الأوسط في الجامعة الأوروبية في فلورنسا عن رسالة الدكتوراه التي أعدها وقال عنها:
«بدأتُ في عام 2008 البحث الميداني لرسالتي للدكتوراه حول موضوع المؤسسات الدينية الإسلامية، واخترت العمل على الأزهر الشريف كمؤسسة دينية رسمية وعلى الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنّة، كنموذج لمنظمة إسلامية أهلية. جاء اختياري للجمعية الشرعية كونها أقدم الجمعيات الأهلية المصرية، وأكثرها انتشارًا، فقد أسّسها الشيخ محمود محمد خطاب السبكي في عام 1912 بهدف تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام، ومحاربة البدع والخرافات، واعتمدت الجمعية الشرعية منذ نشأتها طريق الدعوة من خلال القول والفعل، وتستند دعوة الجمعية الشرعية القولية إلى معاهد إعداد الدعاة والقراءات بالإضافة إلى الندوات والخطب والدروس الدينية، فيما تنطوى دعوتها العملية على مشاريعها الخيرية والتنموية المختلفة، وقد اتسع نشاط الجمعية الشرعية وتطوّر منذ إنشائها حتى صار لها الآن 1138 فرعًا في جميع أنحاء الجمهورية، وقرارها بالابتعاد عن العمل السياسي فإن مجرّد طرح اسم الجمعية الشرعية كموضوع لبحثي أثار قدرًا من القلق في أوساط عائلتي وأصدقائي من المسيحيين، إذ اعتبرها معظمهم جمعيةً دينية محافظة ومغلقة على نفسها، يُفضَّل على المسيحيين تجنّبها. بدورها نظرت قيادات الجمعية بريبة إلى الباحثين مشكّكةً في نواياهم وفضّلت الاحتفاظ بمسافة بعيدة بينها وبين المسيحيين، بسبب طابعها المحافظ، أما أنا وقد جمعت الحسنيين، فقد بدت مهمتي مستحيلة، وأنا أحاول إجراء مقابلاتي البحثية. وبينما بدأ اليأس يدبّ في نفسي وشرعت في البحث عن مؤسسة أخرى لدراستها التقيت بالصديق والأستاذ الراحل حسام تمام، أحد أنبل وأنبغ الباحثين المصريين، رحمة الله عليه، الذي أبدى حماسة لموضوع دراستي، وأجرى اتصالا بصديق له، مشدًدا أن «جورج ده أخويا» فعاد الصديق واتصل بي، مؤكّدا لي أنه رتب لي موعدًا يجمعني مع أحد قيادات الجمعية الشرعية لكنه لم يخبره باسمي «وبالتالى ديانتي» ونصحني بألّا أفصح عن ديانتي إلّا فور وصولي إلى مكتبه، فحينئذ سيضطر للحديث معي، وهكذا كان وبالفعل بعد ثوانٍ معدودة من الصدمة والمفاجأة كلّمني الرجل بكل لطف عن الجمعية وأهدافها، وأعطاني مجموعة من أعداد مجلة «التبيان» التي تصدرها الجمعية، وساعدني كذلك في التواصل مع كوكبة أخرى من أعضاء الجمعية، ولا تزال تجمعني صداقة مع بعضٍ منهم حتى تاريخ كتابة هذه السطور، خاصة في صفوف الشباب، الذين بدوا أنهم يشاركونني الرغبة في التواصل مع الآخر ومعرفته، بعد سنوات انكببتُ خلالها على دراسة الجمعية الشرعية عبر إجراء مقابلات مع عدد من أعضائها ومتابعة إصداراتها المختلفة، بدا جليًّا أن الجمعية الشرعية لا تحمل أي موقف سلبي تجاه المسيحيين، بل على العكس أن كل مشاريعها الخيرية تفتح أبوابها للمسيحيين والمسلمين على حدٍّ سواء، لكنها آثرت عدم الدخول في أي حوار أو تفاعل مع المؤسسات الدينية المسيحية، بما في ذلك تلك التي تقوم بمشاريع خيرية مشابهة لها. أنهيت رسالة الدكتوراه وتوقفت عن متابعة أخبار الجمعية الشرعية منذ سنوات، حتى وجدت هذا الخبر بالمصادفة على موقع الجمعية الشرعية: «بحضور الأمين العام ونائبه، الجمعية الشرعية تقدم 193 ألف جنيه و193 كرتونة مواد تموينية للأقباط المهجّرين من سيناء». ورافقت الخبر صورة تضم قيادات من الجمعية الشرعية مع رجل دين مسيحي. أسعدنى الخبر والصورة التي رافقته تكمن أهمية مبادرة الجمعية الشرعية أيضًا في توقيتها، فاختيار تنظيم «داعش» استهداف المسيحيين المصريين خلال السنوات الأخيرة، لم يكن خيارًا عقائديًا، بل سياسيًا يهدف من دون شك إلى إثارة التوتر الطائفي بين المسيحيين والمسلمين، كما فعل التنظيم سابقًا في العراق من خلال تأجيج المشاعر الطائفية بين الشيعة والسنة».
بين الإعلام والسياسة
العلاقة بين الإعلام والسياسة علاقة وثيقة كما يرى ذلك محمد كمال في «المصري اليوم»، وقد ارتكزت لسنوات طويلة على عدد من القواعد الراسخة، منها أنها علاقة منفعة متبادلة، بمعنى أن السياسي يحتاج الإعلامي لتوصيل أفكاره وبرامجه للناس، والإعلامي يحتاج السياسي كمصدر للأخبار والمعلومات. قاعدة أخرى لهذه العلاقة، هي أنه ليس من الحكمة أن يدخل السياسي في معركة ضد الإعلام لأنه سيكون الخاسر في النهاية. ولكن من الواضح أن هذه القواعد بدأت تتغير، وتتغير معها طبيعة العلاقة بين السياسة والإعلام، أحد مؤشرات هذا التغيير هو ما يحدث الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، وتصريح الرئيس ترامب بأن «الإعلام عدو الشعب». دخول ترامب في معركة صريحة ضد الإعلام يعود لعدة أسباب، أهمها قناعته بأن الإعلام الأمريكى متحيز ضده، ويركز على مثالبه، وليس إنجازاته. يضاف لذلك إدراك ترامب بأن قطاعا كبيرا من المواطنين الأمريكيين فقدوا الثقة في الإعلام الذي لا يركز على قضاياهم المعيشية، مثل فرص العمل والتأمين الصحي، وينشغل بقضايا لا تهمهم، مثل تأثير روسيا في الانتخابات الأمريكية. كما أن هذا المواطن فقد الثقة أيضا في النخبة الإعلامية ومقدمى البرامج التلفزيونية، الذين يحاولون فرض آرائهم على المواطن، وليس تقديم الخبر والمعلومة له. ولكن الجانب الآخر لهذه المعركة مع الإعلام يتمثل في التخوف من أن يؤدي الهجوم على الإعلام لتقويض أحد أسس الديمقراطية وهو الإعلام الحر، هناك أيضا التخوف من أن تتصاعد لهجة العداء والاتهامات للإعلام، مما قد يدفع بعض أنصار ترامب بأخذ الأمر بيده والاعتداء الفعلي، وليس فقط اللفظي على إعلاميين مناوئين للرئيس، أي فتح الباب لما يسمى بجرائم الكراهية. أما التخوف الثالث، فيتعلق بالتأثير الدولي لموقف ترامب وتصريحاته المعادية للإعلام، بمعنى إذا كان رئيس دولة ديمقراطية يأخذ هذا الموقف من الإعلام، فماذا سيكون موقف رئيس دولة أقل ديمقراطية، إذا اتخذ من ترامب نموذجًا له. باختصار: معركة ترامب ضد الإعلام تمثل مرحلة جديدة، وتعكس واقعا مختلفا لأسس العلاقة بين الإعلام والسياسة، وبالتأكيد سوف يمتد أثرها إلى خارج الولايات المتحدة».
تعديل الدستور
ومن الأخبار المهمة التي لم تحظ بالاهتمام كان التصريح الذي أدلى به رئيس لجنة الإعلام والثقافة والآثار في مجلس النواب أسامة هيكل، لأحمد عويس في «الشروق» عن احتمال إجراء تعديل في الدستور بحيث يمد فترة الرئاسة مع عدم المساس بالمدتين قال أسامة: «إن الحديث عن تعديل الدستور يجب أن يتم التعامل معه كوحدة واحدة، لا أن يتم اجتزاء بعضه دون الآخر مشيرا إلى أن فترة الـ4 سنوات الرئاسية قصيرة مع ضرورة عدم التنازل عن مسألة الدورتين الرئاسيتين كحدود قصوى يجب عدم تخطيها. وتابع أنه لا اقتراب من المبادئ العامة الأساسية في الدستور، وأن أي رغبة في تعديله نابعة من كونه مغرقا في «تفاصيل التفاصيل» للدرجة التي جعلته يهبط أحيانا لمستوى القانون واللوائح التنفيذية، وهو أمر ليس بالجيد، وأدى لوضع عقبات وصعوبات أمام متخذ القرار. وبسؤاله عن توقعه عما إذا كان البرلمان سيقود الدعوة لتعديل الدستور أجاب قائلا: «التوافق المجتمعى هو كلمة السر لا برلمان أو غيره يتولى ذلك بشكل منفرد وحال تمت الدعوة لتعديل الدستور فيجب أن تتخذ طابع الجماعية، بحيث تتضافر وتتوافق حولها العديد من المؤسسات والشخصيات، وليس كيانا منفردا، لأن الدستور والدعوة لتعديله ليست مرتبطة بشخص، وإنما بمصير شعوب ودول، وأي تغيير في الدستور يجب أن يحقق شرط الفائدة لهؤلاء الأفراد ومستقبل دولتهم».
أطفال الجمرك
وأثارت واقعة ضبط عدد من الاطفال على رصيف جمرك ميناء بورسعيد يهربون سلعا وإجراء حديث معهم ضجة كبيرة شهد في البداية موجات تعاطف، لكن واجهتها موجات استنكار لهذا التعاطف، ولأنه تشجيع على الانحراف ومخالفة القانون فقال في «الجمهورية» ناجي قمحة حولت بعض الفضائيات أطفال عصابة التهريب في بورسعيد إلى أبطال تستضيفهم حول موائد حواراتها وتستدعي لهم رجال أعمال يحاولون تجميل أفعالهم السابقة، بادعاء الإنسانية والشفقة، بينما القصة كلها تتمحور حول قلة فرص العمل التي دفعت البعض أطفالاً وشبابا رجالاً ونساءً مضطرين إلى سلوك غير قويم في البحث عن لقمة العيش وفرص العمل الشريفة التي حرمها عليهم هؤلاء، الذين يملكون خزائن الأرض ولا يتورعون عن ارتكاب الجرائم، من أجل المزيد من الثروات، ويتفننون باستثمار القليل منها في إقامة مصانع كثيفة العمالة يلتحق بها أمثال ضحايا التهريب في بورسعيد بدلاً من استخدامهم مساحيق لتجميل وجوه من شاركوا مع غيرهم خلال عقود الفساد والتخلف في تقويض دعائم النهضة الصناعية».
خارج عن القانون
«يقول الفلاسفةُ: «إن كنتَ تريد أن تعرفَ مقدار ثرائك، فأسقطْ دمعةً، ثم تأمل عددَ الأيادي التي امتدتْ لتمسح دمعتَك». هذا القول بدأت به فاطمة ناعوت مقالها في «المصري اليوم» «بوقُ نذير» مخيفٌ، أطلقه صبيٌّ جنوبيٌّ في وجوهنا جميعًا بعبارة صغيرة نحيلة موجزة موجعة. زلزلتنا العبارةُ القاسية: «أنتِ مَحَسْاشْ بينا!». صَدّعتْ أرواحَنا، وزعزعتْ يقينَنا الوهميَّ بأننا نحن- المصريين- مربوطةٌ قلوبُنا بحبل سريٍّ واحد. أو أننا لبعضنا البعض: «كالبنيان المرصوص يشُدُّ بعضُه بعضًا». أو أننا «مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسدِ بالسَّهر والحمّى». هكذا علّمتنا الأدبياتُ الدينية: «الْمُؤْمنُ للْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشدُّ بعْضُهُ بَعْضًا»، «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو، تَدَاعَى له سائر الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى. وغيرها من الأقوال التي يُردّدُها الشيوخُ على مسامعنا في الفضائيات، فلا تتجاوزُ حلوقَهم، ثم يعودُ واحدُهم إلى قصرِه المنيف بسيارتِه الفارهة، ناسيًا أن كلمات الله والرُّسل ما شُرعَت إلا لِتُنفَّذ، لا لِتُقال العبارة، قالَها صبيٌّ صغير خارجٌ عن القانون لمذيعة نسيت دورَها الإعلاميّ (الإخباريّ وفقط) وتحوّلت إلى مُحقّقٍ وقاضٍ وجلاّد، أصدرتِ الحكم على المتهم (البريء حتى تثبت إدانتُه)، ثم شرعت في القصاص والجلد والتنكيل المعنوي. الصبيُّ متهمٌ بتهريب الملابس غير خالصة الجمارك، حتى يعود إلى أمّه وشقيقاته ببعض الجنيهات تقيمُ أودَهن وتستر أجسادَهن. ولستُ هنا بصدد تبرئة مخطئ في حق وطن، أو إدانة مذيعة جاوزتها المهنيةُ في «الإعلام بخبر»، إنما يعنيني تأمُّل فكرة: «هل يشعرُ أحدُنا بالآخر، في هذا الوطن المأزوم بالأنامالية والأنانية وعدم الشعور بالمنعطف الدقيق الذي نمرُّ به للخروج من شرنقة التضخم والكساد والفجوات الطبقية الهائلة؟». المشهدُ بين شخصين. الأول: طفلٌ تسرّب من التعليم، ونزح من سوهاج إلى بور سعيد، فاستغلّه نفرٌ من الحيتان السُّمان ليزداد ثراءً، جعل الصبيَّ يمارس أعمالاً غير قانونية في تهريب الملابس حتى يعول أسرته، والثاني: مذيعةٌ وقعت على فريسة في مصيدة. وضعت صيدَها في خانة الأنا الدُنيا، واتخذت لنفسها دور الأنا العليا، فراحت تُمارس فيها ما يسميه علماء النفس: «التطّهر»، وهو أن نَغلُظ على المخطئ حتى نتبرأ من آثامنا الشخصية. سألتِ المذيعةُ الطفلَ: تقوم بالتهريب وتكسب مالا حرامًا، ولماذا لا تعمل في الاستثمار؟ وإحقاقًا للحق يجب أن نوضّح معنى المفردة الذي استفزّت المشاهدين: الاستثمار، وهي منطقة صناعية في مدينة بورسعيد تعمل في تصنيع الملابس وتصديرها، وليس المقصود بها المصطلح الاقتصادي المعروف، والعسير على إدراك طفل صغير. المحنةُ في هذه القصة أكبرُ من قضية مذيعة غير مهنية، أو أطفال يستغلون في التهريب. المحنةُ هي أن هذا الطفلَ أطلق في وجوهنا رصاصًا مُرّاً وسلَّط على عيوننا مرآة ميدوزا، لنرى قبحَنا وأدران مجتمعنا. نحن بصدد، أولا: أطفال يتسربون من التعليم، ويعولون آباءهم وأمهاتهم وشقيقاتهم، لأنهم في عُرف الصعيد رجالة، كما قال الطفلُ حرفيًّا: «إحنا مش رجالة ولّا إيه؟». هذا الطفلُ الذي يعرف ما يقول كان من الممكن لو تعلّم أن يغدو فيلسوفًا أو سياسيًّا مهمّاً أو شاعرًا، أو حتى مواطنًا صالحًا مفيدًا لمجتمعه، بدلا من أن ينتهي به الحال مهرّبًا خلف القضبان. وثانيًا، وهو ما يعنيني في هذا المقال، نحن بصدد فجوات طبقية تجعلُ أغنياءَ هذا الوطن جاهلين بحال فقرائه. «أنتِ محساش بالناس»، عبارة قالها طفلٌ لا لمذيعة تجلده، بل لمجتمع بأسره تسبب في خروجه عن القانون. هذا المقال موجّهٌ إلى وزير التعليم، ليصل بنا إلى أن نسبة التسرُّب من التعليم صفر، وموجّه إلى المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، ليبحث في ظاهرة الأطفال المعيلين؛ فيُعيد للطفولة إشراقَها ويُعيد الأطفالَ إلى حدائقهم ومدراسهم، وموجّه إلى الشرفاء من أثرياء هذا الوطن، ليتعلّموا الدرسَ الرفيع الذي أطلقه رجل الأعمال المهندس نجيب ساويرس، حين أرسل محاميًا ليُدافع عن طفولة الأطفال المُهرّبين، ثم وجد لهم وظائفَ محترمة. وفى الأخير، موجّهٌ إلى روح القانون التي تُعلّمنا أن نساعد المخطئ على ردّه عن خطئه، والبحث في أسباب خطئه، قبل أن نتلمّظَ في عقابه والتشفّى منه. شكرًا لكل يد شريفة تمسح دموعَ الباكين. ويا عزيزتي المذيعة، هذا الطفل ليس ناقمًا، كما تظنين، إنما هو باكٍ حزين، وبالطبع خارج عن القانون».
وفي «الوطن» قال الإعلامي وأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمود خليل: «حالة جدل كاشفة أثارها الفيديو الذي حمل حوار «طفل سوهاج» «محفوظ» المقبوض عليه في قضية تهريب مع عدد من المراهقين بدايةً أي شخص يشاهد الفيديو، لا بد أن يشعر بالعطف على أبطاله، وأسباب ذلك بديهية من بينها: السن ومسؤولية الطفل – كما أفصح- عن رعاية أم وشقيقات بنات «ثبت بعد ذلك كذب الطفل، من خلال حوار أُجرى مع عمه ونُشر على موقع فيتو». كما أن الكلام عموماً لمس حالة الوجع الاقتصادي العام الذي يعاني منه الكثيرون، لكن العطف شيء والتعاطف شيء آخر. العطف على الضعيف المنكسر المهزوم مسألة إنسانية، لكن التعاطف معه حين يقع في محظور أمر كاشف عن عدد من الأفكار الكارثية، التي تشكل جزءاً من ثقافة هذا المجتمع. دعنا نعالج منها ثلاثة أفكار «الكبار يسرقون ويمرون بسرقاتهم إذن من حق الصغار السرقة»، ربما كانت تلك حال بعض الكبار، لكن هل معنى ذلك أن نبرر السرقة للصغار؟ السرقة سرقة في النهاية كبيرة أم صغيرة، ولن يعتذر صغير وهو يحاسب عن سرقاته أمام الله، بأن الكبار كانوا يسرقون. هذا كلام ساذج، الصواب أن يوجه الصغار -وهم كثر- جهدهم إلى تصحيح الأوضاع وليس بإمكان فرد أن يهزم مجموع الاستناد إلى هذه المقولة الزائفة، يعنى حرصاً على استمرار الخلل الذي أصاب المجتمع».
إعلان وفاة
عباس الطرابيلي في «الوفد» يتساءل متى يعلن عن موت الصحافة؟: «قلبي مع صناعة الصحافة، وهل هي فعلاً في طريقها إلى النهاية.. وأن عالم الميديا وتسهيلات الحصول على الأخبار هو الذي سيقرر متى تعلن وفاة الصحافة.. الورقية؟ هناك مقدمات تؤكد ذلك.. أولها أرقام توزيع هذه الصحف وبعد أن كانت عندنا صحف يزيد توزيعها ـ وحدها ـ على المليون نسخة، نجد أن إجمالي توزيع «كل» الصحف اليومية لا يصل إلى 350 ألف نسخة! وبالطبع مع انهيار معدلات توزيع الصحف، انهارت أيضاً عائداتها من الإعلانات، لذلك كانت الصحف زمان تحرص على حجب رقم توزيعها الحقيقي. ثم أمامنا الصحف الأسبوعية، سواء المجلات الملونة، أو صحف المقاس «الاستاندرد» أي في حجم الجريدة اليومية.. وربما تصمد هذه «الجرائد» الأسبوعية بعض الشيء.. حزبية أو مستقلة، ولكن الكارثة هي في وفاة المجلات التي كانت في القمة، وكان لها تاريخها العريق في توجيه الرأي العام.. حتى أنني أتساءل: أين اختفت مجلات دار الهلال؟ من «الهلال» نفسها إلى روايات الهلال وكتاب الهلال.. والشيء نفسه تلك المجلات العريقة: «المصور» و«الكواكب»، و«حواء» وكانت مجلات دار الهلال هذه هي التي حملت الثقافة العربية والمصرية إلى دول الخليج، وكثيراً ما ذكر لي شيوخ الخليج أنهم كانوا ينتظرونها ويتلهفون عليها عند وصولها عبر السفن القديمة.
أبكي فعلاً على مجلات صنعت الوجدان العقلي المصري والعربي مثل، «روز اليوسف» وحتى «صباح الخير» التي كان أول رئيس لتحريرها هو الرائع أحمد بهاء الدين، وكانت أول مجلة «رافضة» في تاريخ الصحافة المصرية، بل كانت مجلات الأطفال التي قدمتها دار الهلال من «ميكى» و«سمير» وغيرهما، هي الوعاء والمنهل الذي صنع وجدان كل الأجيال الجديدة. وهنا لا ننسى مجلات دخلت كل بيت مصري مثل «المصور» التي صدرت عام 1924.. ومجلة «آخر ساعة» التي أصدرها أستاذ الأساتذة محمد التابعي في يوليو/تموز عام 1934 ثم اشترتها دار أخبار اليوم، ومجلة «الجيل الجديد» وكانت أول مجلة للشباب أصدرها مصطفى وعلي أمين، ومجلة «هي». أغلب الظن أن الفترة التي تبدأ من نهاية الحرب العالمية الثانية.. ومعها الفترة حتى يوليو/تموز 1952 كانت أو شهدت العصر الذهبي للصحافة المصرية مثل «المصري» التي أنشأها الثلاثى محمود أبو الفتح ومحمد التابعي وكريم ثابت، وكانت الأكثر توزيعاً.. ومعها «الجمهور المصري» و«الزمان» و«الأساس» و«المقطم» و«اللطائف» كل هذه وغيرها تحولت إلى تاريخ.. ولم يعد يذكرها إلا أساتذة تاريخ الصحافة. فهل ما حدث لهذه المجلات الأسبوعية سوف يحدث أيضاً للصحف اليومية التي تصارع من أجل البقاء، وهل ينتهي عصر الكلمة المطبوعة وكل هذه الصناعة التي كانت في مقدمة الحضارة التي بدأت من القرن 19 وازدهرت في القرن العشرين.. لتموت قبل أن تكمل القرن الثاني والعشرين؟».
حسنين كروم