منهل باريش: يتصاعد الخوف من عملية عسكرية للنظام السوري وحلفائه في إدلب لدى أكثر من أربعة ملايين سوري حشروا في إدلب مع استمرار العمليات العسكرية منذ توقيع اتفاق أستانة مطلع عام 2017.
وفي محاولة تهدأة الوضع، سعت تركيا إلى توحيد فصائل المعارضة المتمثلة بتشكيلات الجيش الحر والفصال الإسلامية القريبة منها، وشكلت «الجبهة الوطنية للتحرير» على مرحلتين تزامن آخرها مع انعقاد جولة أستانة 10 في مدينة سوتشي الروسية. وتأتي المحاولة التركية هذه في إطار عزل شبه نهائي بين الفصائل و«هيئة تحرير الشام» (النصرة)، واستعدادا لمتغيرات عسكرية وسياسية مرتقبة تطال شكل السيطرة في منطقة «خفض التصعيد» الأخيرة المتبقية، والتي تشكل أحد أهم أسباب التقارب التركي ـ الروسي.
من جهة أخرى، قال مصدر في وفد المعارضة إلى أستانة، إن المبعوث الرئاسي الروسي، ألكسندر لافرنتييف، «لم يتطرق إلى قيام النظام بعملية عسكرية، واقتصر الحديث على تهديد روسي متعلق بقضية الطائرات دون طيار التي تستهدف مطار حميميم». وأشار إلى أن «الجنرال الممثل لوزارة الدفاع قال: رصدنا المواقع التي تطلق منها الطائرات، وسنقوم بقصف المنطقة إذا استمرت الهجمات». وأضاف المصدر لـ «القدس العربي» أن «الروس يعلمون أن جبهة النصرة هي من تقوم بإطلاق تلك الطائرات وتكلموا عن ذلك صراحة».
في السياق، ترك لافرنتييف الباب موارباً حول عملية عسكرية في إدلب خلال مؤتمره الصحافي نهاية اجتماع سوتشي عندما تحدث عن عدم القيام بعملية عسكرية «واسعة في إدلب»، وهذا يعني أن الأولوية هي تأمين القاعدة الجوية الروسية في حميميم، ما يدفع إلى الاعتقاد بوجود عملية عسكرية في إدلب، لكنها ستبقى في حدود إبعاد الهجمات عن المطار الذي تتخذه موسكو قاعدة إطلاق لقواتها الفضائية في سوريا. كذلك فإن وقف الهجمات التي تشنها «تحرير الشام» سيحتم القيام بعملية عسكرية ضد المناطق الأقرب للمطار، وهي سهل الغاب وريف جسر الشغور الغربي والجنوبي في منطقة جبل الأكراد. هذا وتبذل «الجبهة الوطنية» جهدا من أجل اقناع «تحرير الشام» بوقف هجمات الطائرات الموجهة لتجنيب إدلب عملية كبرى.
كانت «جبهة النصرة» الذريعة الروسية في الحرب في عدة مناطق لعل أبرزها ما حصل نهاية عام 2016 في حلب الشرقية، حيث ساهمت «النصرة» بإعطاء ذريعة للروس لاجتياح حلب الشرقية ولم تتخذ خطوة خروج 200 مقاتل تابعين لها لتسحب بذلك حجة الروس. وبلغ الأمر حينها بالمبعوث الأممي أن صرح أنه جاهز للدخول إلى حلب وإخراجهم لو أرادوا الخروج. لكن التنظيم البراغماتي فضل أن يسهل سقوط المدينة.
في المقابل، سقطت مدينة دوما التي يسيطر عليها «جيش الإسلام» وهي من أشد أعداء النصرة ولم يكن فيها عنصر واحد يتبع التنظيم إلا في سجون «الجيش».
وفي حديث «النصرة» اليوم عن المقاومة، نرى أنها عقدت اتفاق صلح منفردا في القلمون الغربي وخرجت إلى إدلب ولم يكن من فصائل منافسة لها هناك، فلماذا ستقاتل في إدلب ولم تفعل عندما كانت تشكل ثقلاً هناك؟
وعن الدعوات لحل النصرة نفسها، رد عدد من قادة «تحرير الشام»، وعلى رأسهم القيادي البارز والشرعي السابق الدكتور مظهر الويس، الذي اعتبر أن سلاح «الهيئة» خط أحمر، وهدد بقطع اليد التي ستمتد إلى سلاحها، ونشر على حسابه الرسمي على تطبيق «تلغرام» التالي: «من يتحدث عن حل الهيئة فعليه أن يحل الأوهام والوساوس في عقله المريض، وقرار الهيئة بيد أبنائها الصادقين». كذلك أشار إلى أن «هيئة تحرير الشام هي رأس الحربة في الساحة، وهي مع الصادقين من المجاهدين شوكة أهل السنّة، لذلك لا يتوقف المغرضون عن الإشاعات التي تأتي في إطار الحرب النفسية، والغاية نزع إرادة القتال من المجاهدين وإضعاف معنوياتهم». وأعرب في نهاية كلامه أن الهيئة جاهزة للتعاون والتنسيق «بل حتى اندماج يحافظ على ثوابت الساحة، ويكون فيه قرار المجاهدين مستقلاً وليس إملاءات من هنا وهناك». حديث الويس رافقه تصريح للقيادي البارز ميسر الجبوري المعروف باسم «أبو ماريا القحطاني» قال فيه: «مدينة إدلب والشمال السوري، ليست كغيرها من المناطق». وحذر من أن «الحرب الإعلامية والنفسية التي يشنها الروس والمنهزمون لن ترهب من باع نفسه لله، فلا باصات خضراء بعد اليوم، وإن ظهرت الضفادع فالسيف لرقابهم والقادم أدهى وأمر».
واعتبر الشرعي المصري «أبو الفتح الفرغلي أن حل الهيئة يعني «تسليم إدلب على طبق من ذهب للروس والنظام تحت مسمى المصالحات».
ومن الواضح أن جهود «الجبهة الوطنية» لإقناع «تحرير الشام» ستؤول إلى الفشل، ان كان على مستوى إيقاف قصف مطار حميميم بالطائرات المسيرة، أو على مستوى حل نفسها، فتغيير الاسم وتشكيل كيانات يسيطر عليها «أبو محمد الجولاني» لم تعد تجدي نفعاً، بعد الفشل الذريع لكل التلوينات السابقة. وهذه لم تسلم منها حتى التشكيلات المدنية مثل «حكومة الإنقاذ» التي اعتبرت ذراعا مدنياً للنصرة، وعطلت أغلب الدعم عن المجالس المحلية بسبب السيطرة المباشرة منها وقاطع الداعمون الدوليين أغلب مشاريع التنمية في الشمال السوري. مع تعنت هيئة «تحرير الشام» ورفضها حل نفسها، وفشل الجهود التركية حتى اللحظة، يترتب على السوريين التحرك الشعبي لزيادة الضغط عليها، من واقع أن ضريبة بقائها وأسباب الدفاع عنها لم تعد تجدي نفعاً منذ بدء التدخل الروسي واختلال ميزان القوى بين المعارضة والنظام.
ختاما تدرك فصائل «الجبهة الوطنية للتحرير»، جميعها، أنها ركبت القطار الروسي للحل منذ اختارت مسار أستانة، ويبدو أن بعض القادة وعناصرهم يفضلون بقاء «تحرير الشام» من أجل خلط الأوراق على الروس والنظام في إدلب. ويبقى هذا التفكير بمثابة نكران للواقع الذي آلت اليه الأمور بدل مواجهته من أساسه والاعتراف بالهزيمة وتخفيف خسائرها القادمة. فتأجيل حل قضية «النصرة» سيراكم الخسائر التي بدأت من حلب، ودير الزور ولم تنته في الغوطة، ولن تنتهي إلا في إدلب.
11TAG