أن نتحدث عن السينما الفلسطينية وتاريخها النضالي والإبداعي فهذا شيء طبيعي، لكن أن تصادفنا حالة فنية سينمائية من هذا النوع فهو الإنجاز بذاته، «غزة ـ هوليود»، عنوان فيلم تسجيلي لصاحب الرؤية والسيناريو والإخراج سعود مهنا، المخرج الذي لم يشأ أن يقدم طرحا سياسيا أو أيديولوجيا، أو يؤكد على ما سبق طرحة من بطولات الشعب الفلسطيني وصموده وانتصاراته، حسب المعتاد، لكنه اختار زاوية بعيدة وغير مرئية لتكون ناصية إبداعه وفكره وإلهامه، لكل من يستصعب أمرا أو يستعظم نجاحا، وسط الحصار المضروب على غزة وسكانها ومبدعيها، هو لا يؤمن بالمستحيل ولا يقيم وزنا لفكرة الانهزام، ومن ثم يطلق لأحلامه العنان ويعانق الأماني فكلها ممكنة متى وجد الإصرار وكانت العزيمة.
هذه معطيات الفيلم الأساسية التي يضعها مهنا نواة لفكرته، إذ يراهن بالبطل المعاق حركيا محمد أبو عويضة، ليصبح هو النموذج الأمثل في الرياضة وفي السينما، فيفتش عن مكامن قوته الذهنية والنفسية والعضلية، ويرى فيه ما لم يره الآخرون، فالشاب الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، يهوى رياضة الرماية ويتفوق فيها ويحلم ببطولة العالم، بيد أن الواقع والظروف القسرية التي تعيشها بلاده لا تمنحه الفرصة، وتقف حائلا بينه وبين بطولة هي أقرب إليه من حبل الوريد، لو كان الحال غير الحال والحياة والمناخ ملائمين.
بالقياس على هذا النموذج البطولي تبدأ الرؤية السينمائية الفنية في استعراض دلائل الإعجاز في صناعة البطولات الموازية، ليتسنى للشاب الرياضي الطموح استيعاب الدرس في كيفية تحقيق الحلم، بأبسط الإمكانيات وفي أصعب الظروف، فها هو فريق عمل الفيلم يتحايل على الصعوبات فيغزل برجل حصان نسيج إبداعه ويصنع من العدم كيانا معتبرا لسينما تنطق بالحياة الفلسطينية، فيتطوع الجميع بفكرة ومجهوده ووقته، كي يولد الفيلم من رحم المعاناة، موصولا باليقين الذي يؤكد بقاء الموهبة، ويرفض كل دعاوى الفشل، أمام غلظة الواقع وقسوته.
لم يجد المخرج الذي افتقد كل وسائل الدعم لإنجاز فيلمه، غير لعبة التحايل والابتكار، ليتم مشروعه، فيستعيض عن فقدان المعدات والأدوات بتطويع الأشياء البدائية، فتحل عربة النظافة برافعتها الأوتوماتيكية محل الكرين ليتمكن من تصوير الأماكن بالارتفاع المطلوب، والتجريب عدة مرات للوصول إلى أحسن مستوى ممكن من التصوير، كذلك يستخدم الكرسي المتحرك بديلا عن الشاريو، كي يتمكن من تحريك الكاميرا في الاتجاهات المطلوبة. ليس هذا وحسب وإنما أمام معضلات التنفيذ وعوز الإمكانيات تزداد حالات الاضطرار فتتحول يد المكنسة البدائية إلى حاملة سماعة الصوت، وأيضا تتجلى العبقرية في تعويض النقص التقني بالأدوات البديلة المبتكرة في توظيف ورق الألمنيوم الفضي، كعاكس للإضاءة، وهنا يبرز المعنى المتضمن في المثل الشعبي الدارج «الحاجة أم الاختراع»!
وعلى الرغم من كل جوانب النقص وفقدان الأدوات الأساسية والمساعدة إلا أن شيئا من فقر التقنيات لم يظهر في الصورة أو الصوت أو الإضاءة أو غيرها من دلائل العجز المؤثرة، وإنما يتحقق الإعجاز بأبسط الأدوات وتتجلى معاني الحوار، ويبدو التميز واضحا في عفوية الكلمة وشهادات الأبطال إزاء محاولاتهم الجديدة في انتهاج واستحداث لغة غير تقليدية للتجاوب مع عشقهم للسينما، وإيمانهم بها كوسيط ثقافي يضمن وصول رسائلهم للعالم، عبر الشريط السحري الذي تظن هوليوود أنها قد احتكرته، فيما تدحض السينما الفلسطينية هذا الزعم، بإصرارها على التواجد والحضور القوي، كفن له خصوصيته في اللغة والموضوع والتأثير وعناصر الإبهار المختلفة، بما تمتلكه من طاقات التميز على المستوى الثقافي والتاريخي والحضاري، وآيات الصدق والتحدي، التي دلت عليها المشاهد وأكدتها الموسيقى العالمية والأغنية المختارة، لتجسيد الجمال الداخلي ووهج الروح التواقة للعدل والحرية والحقيقة.
٭ كاتب من مصر
كمال القاضي