لندن ـ ‘القدس العربي’: في سورية للجوع مستويات، ولكنه يؤدي إلى الموت في غالب الأحيان. ويقول عمال الإغاثة المدنية أن اللأجئين السوريين القادمين إلى شمال لبنان تظهر عليهم آثار الجوع والضعف الجسدي بسبب قلة التغذية التي يقولون إنها عامل من العوامل في حالات الوفاة المحدودة التي سجلت في المناطق المحاصرة من النظام أو التي تقع تحت سيطرة المعارضة.
ويحذر الخبراء أنه مع دخول الشتاء وفي حالة استمرار قلة الطعام فستكون أعداد الموتى بسبب الجوع والمرض أكبر ممن يموتون بسبب العنف اليومي.
ونقلت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ عن آن سبارو، المتخصصة في مجال طب الاطفال أن الوضع لم يصل بعد الى درجة خطرة بحيث يجعلنا نقول أن سورية أصبحت الصومال، ولكنه وضع حرج. وقد فحصت سبارو التي تعمل في مستشفى ‘ماونت سيناي'(جبل سيناء) أبناء المهاجرين السوريين في لبنان ولاحظت ان اوزانهم لا تتوافق مع طولهم وأعمارهم. وأضافت أن سورية التي يعتبر معظم سكانها من أصحاب الدخل المتوسط تتحول شيئا فشيئا إلى ما يشبه الصومال.
رنا عبيد
ومن الحالات الشهيرة التي سجلت فيها حالات وفاة بسبب الجوع حالة رنا عبيد ابنة بائع الألبان الذي اشتهر في منطقته قرب دمشق بصناعة أحسن الألبان البيتية، مما در على العائلة ارباحا وفرت لها حياة مريحة، وعندما توفيت رنا في عمر التاسعة عشرة بسبب الجوع والحصار نقص وزنها بدرجة أصبح فيها ذراعاها ورجلاها مثل عصا المكنسة.
ورنا حالة واحدة من الحالات التي سجلت فهناك عائلات تتناوب على تناول وجبة الطعام الوحيدة المتوفرة لها يوميا، فيما لجأت عائلات في ريف حلب لتناول الحشائش.
وفي الوقت الذي لا توجد فيه إحصائيات مؤكدة حول عدد الموتي بسبب الجوع إلا أن الأدلة تتضافر حول انتشار الفاقة، فيما تستخدم الحكومة الحصار والتجويع كأداة لتركيع المناطق التي دخلها المقاتلون.
وتشير الصحيفة إلى روايات عمال إغاثة ومواطنين عن قيام جنود الحكومة بمصادرة أكياس التسوق من سكان المناطق المحاصرة ويتعاملون مع إطعام المقاتلين كجريمة. ولجأ المقاتلون بالمقابل إلى المعاملة بالمثل حيث يعوقون الحركة حول المناطق التي تسيطر عليها الحكومة ويستهدفون قوافل الطعام المتوجهة إلى هذه المناطق.
وفي الوقت نفسه تعاني المناطق التي يطلق عليها بالآمنة من مشاكل تتعلق بالأمن الغذائي، فتزايد الأسعار، وزيادة معدلات التضخم، وفقدان القدرة على العمل، واستهداف المخابز التي توفر المواد الأساسية للوجبات اليومية مما أدى إلى إغلاق العديد منها، وتأثر الإنتاج الزراعي حيث تقوم المقاتلات الحربية باستهداف المناطق الزراعية الشاسعة التي خرجت عن سيطرة الحكومة.
ويقول برنامج الغذاء العالمي انه يوفر شهريا طعاما لحوالي ثلاثة ملايين سوري إلا أنه لا يستطيع التأكد من وصولها إلى المحتاجين، فقط يمكنه التأكد من وصولها الى المخازن الرئيسية في المدن السورية المختلفة.
ونقلت عن عامل إغاثة قوله مشاهدته لعدد من حالات فقر التغذية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة مما يقترح ان الأوضاع ستكون أسوأ في مناطق المعارضة. ويزيد النقص في الدواء والمياه الصحية وعدم خبرة المواطنين العاديين على تشخيص حالات سوء التغذية من تعقيد الوضع.
إركع أو جوع
وما يقلق بال عمال الإغاثة هي التقارير التي تشير إلى توقف بعض الأمهات عن إرضاع ابنائهن، خاصة ان الرضاعة هي الطريقة الوحيدة لتغذية الطفل والحفاظ على حياته. ويحذر عمال الإغاثة في الوقت نفسه من التقارير المبالغ فيها والتي قد تؤثر على جهودهم في فحص الوضع، حيث رفض مؤيدو النظام التقارير والصور عن الجوعى وقالوا أنها مجرد ‘دعاية’ من المعارضة، كما أن الذين خرجوا من بلدة المعضمية المحاصرة منذ أشهر، وإن بدت علبهم آثار الإعياء الا انهم لم يكونوا بحالة حرجة.
ويقول الخبراء أنه يجب أن لا يظهر كل الشعب بمظهر الجائع حتى نتحدث عن مجاعة لأن سوء التغذية تصيب الأطفال أكثر والمرضى ممن يعانون من الإسهال والمرضى المتعلقة به فهم بحاجة للتعويض عن السوائل التي خسروها.
ويرى عمال إغاثة أن قيام الجيش بمحاصرة المناطق ومنع السكان الذين هم بحاجة ماسة للمواد الغذائية من الحصول عليها يعتبر في حد ذاته إنتهاكا لحوق الإنسان. وينقل تقرير الصحيفة عن المتحدث باسم مجلس المعضمية قوله أن ‘ما يثير الحزن هو شعورك بأن الطعام لا يبعد عنك سوى مسافة خمس دقائق’.
ويقول عمال في الهلال الأحمر السوري ومواطنون من المعضمية ان الإشارات على مدخل بلدتهم تحمل ‘إركع او جوع’. وفي مناطق أخرى مثل الحجر الأسود تقول سوسن (33 عاما) أن ابنها الذي يعاني من مشاكل كلوية ويحتاج إلى غسيل اسبوعي لم تتم له فرصة لهذا منذ ستة اشهر، مشيرة إلى أنهم يتناوبون على الطعام يوميا بسبب قلته.
ويقول أبو حازم (43 عاما) أنه أطعم أولاده من ما تبقى لديه من مخزون العدس الذي يخلطه أحيانا بالحشائش وقام مرة بقتل كلب لأن الطيور لا تطير فوق المعضمية. وعانت هذه البلدة من نقص من الطعام والخبز بسبب اغلاق المخبز الوحيد فيها لقلة الوقود والطحين.
ولم ير السكان اللحم والبيض والحليب لأشهر. وأدى هذا الى وفاة أطفال مثل عمار مصطفى (8 أعوام) الذي كان من ذوي الإحتياجات الخاصة ويحتاج الى طعام خاص لم يتوفر بسبب الحصار، ثم إبراهيم خليل (4 أعوام)، وعماد صوان (5 أعوام)، ومنى راغب (30 عاما)، ورنا عبيد التي وصف والدها حالتها بأنها أصبحت مثل الشبح.
أمراض معدية
ويحمل الكثير من الهاربين إلى تركيا أمراضا معدية، ففي تقرير نشرته صحيفة ‘ الغارديان’ يوم السبت قالت فيه إن حالات انتشار أمراض التيفوئيد والإسهال منتشرة في المخيمات- جنوب تركيا.
ويحذر أطباء في مناطق الجنوب التركي وهي المحطة الأولى للاجئين من انتشار الحصبة وغيرها من الأمراض المعدية وأنهم بالمواد المتوفرة لديهم غير قادرين على احتواء الوضع. ونقل التقريرعن عائلات تدفع آلاف الليرات السورية للمهربين كي يتم تهرب إلى تركيا لمعالجة أبنائهم.
وتتزامن تحذيرات الأطباء في مخيمات السوريين في تركيا مع التحذيرات التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية حول انتشار حالات من مرض شلل الأطفال (بوليو) في مناطق دير الزور. ونقل التقرير عن رمضان كايا، عضو نقابة الأطباء في ماردين قوله إن الأمراض المعدية مثل التيفوئيد، والحصبة والسل بدأت تظهر في الجنوب التركي. وقال كايا المتخصص بالأمراض الباطنية في مستشفى نصيبين أن تحذيراتهم لم تلفت اهتمام المسؤولين في أنقرة. ويقول جنكيز غوناي، عضو نقابة الأطباء في ديار بكر أن الحدود التركية مع سورية تمتد على طول 850 كم وفي كل يوم يعبرالكثيرون من كلا الجانبين بدون تعرضهم لفحوص طبيةـ مهاجرون، مقاتلون أو مهربون، و’لا نعرف إن كان أحدهم مريضا أم لا وهناك إمكانية في سفر بعضهم الى أنقرة او اسطنبول ومن ثم إلى أوروبا. ودعا غوناي إلى اهتمام العالم بالدراما الإنسانية التي تتكشف. ويشير التقرير إلى أن المشكلة تبدو حادة في مناطق شمال- شرق حيث يتعرض سكانها الأكراد السوريون لهجمات يومية من المقاتلين الجهاديين.
ويقول كايا ان مدينة القامشلي في سورية تحولت الى مخيم مفتوح بسبب تدفق اللاجئين من مناطق اخرى حيث لا تتوفر النظافة ولم تعد المياه تعقم بالكلورين، فيما توقفت الخدمات البلدية من مثل جمع القمامة.
ومع أن سورية كما يقول كايا كانت معروفه بنظامها الصحي المتقدم إلا أنه تعرض للدمار بسبب الحرب. فقبل الحرب كانت سورية تنتج 90′ من أدويتها داخليا. وبعدها فقد انهارت الصناعة الدوائية بنسبة 70′ بالمئة، فيما أشار تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن ما نسبته 60′ بالمئة من القطاع الصحي- مستشفيات وعيادات قد تضرر بنسبة 60 ‘ وخسرت سورية آلافا من أحسن أطبائها. ويقول الأطباء الأتراك أن الوضع الصحي في شمال- شرق وكذا في أفرين وكومباني قد تفاقم بسبب تجاهل وإهمال الحكومة السورية لمناطق الأكراد. وتنقل الصحيفة عن محمد دمير، عضو نقابة الأطباء في أناضوليا قوله أن نظام الأسد أهمل المناطق الكردية التي استبعدت من الإستثمارات التطوير. وقال ان الأجهزة الطبية التي تستخدم في المستشفيات تعود إلى سنوات الخمسينات من القرن الماضي.
وقد زار دمير مدينة القامشلي قبل أسابيع ووصف الوضع فيها بأنه مزر حيث يعتمد الأطباء على الحظ في نجاح عملياتهم وليس الخبرة، وأنهم يقومون باجرائها بدون مخدر. وكانت كريستننا جورجيوف، المسؤولة عن الصحة في الإتحاد الأوروبي قد دعت المجتمع الدولي التأكيد على السماح للاطباء والمهنيين الصحيين بنفس الطريقة التي يسمح فيها لمفتشي الأسلحة الكيماوية للدخول إلى سورية.
وقالت ان الحرب الأهلية قد تركت آثارا مدمرة على القطاع الصحي. وتتهم جماعات مؤيدة للأكراد الحكومة التركية بأنها تتقصد منع وصول الأدوية والأطباء إلى مناطق الأكراد في سورية لأن الجماعات المقاتلة فيها مؤيدة لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي).
وفي العادة ما يحاول الأكراد السوريون الخروج من تركيا حالة دخولهم اليها وهذا يفسر الزيادة النسبية في عدد المهاجرين منهم في بلغاريا.
مدرسة شيوعية سابقة
فبحسب تقرير لصحيفة ‘إندبندنت أون صاندي’ فهؤلاء المهاجرون يعانون وضعا مماثلا لما عاشوه في المخيمات في تركيا أو في مناطقهم السورية. ولم يجد بانجين الهارب من سورية مع عائلته إلا غرفة متداعية في مدرسة قديمة جمعت فيها الحكومة البلغارية القادمين إليها من سورية.
وفي الوقت الذي يحمي بانجين خصوصية عائلته إلا أنه لم يكن قادرا على حمايتها من الرائحة الكريهة التي تتسلل من ممرات المدرسة. ويقوم اللاجئون على مدار الساعة بمسح الاروقة وتنظيف الغرف والحمامات إلا ان جهودهم عقيمة بسبب استمرار تدفق أعداد جديدة. فأطفال بانجين مثلا لا يمكنهم تجنب القذارة حولهم ولا الزجاج المكسور المبعثر في انحاء المكان.
وبسبب الرائحة الكريهة فإن بعضهم يضع قناعا على أنفه وفمه فيما يحتمي الاطفال بأمهاتهم اللاتي يحاولن حمايتهم من المرض وهو الدافع الذي دفعهن الى الهروب من سورية إلى أوروبا. وفيما نجحوا بابعادهم عن الحواجز والقصف والقناصة إلا أن الحظ ساقهم إلى أفقر بلد أوروبي ليس قادرا على توفير الدواء، الملابس، الطعام او حتى المسكن الملائم.
ويقول بانجين الذي عمل سائق سيارة قبل هروبه الى تركيا مع زوجته وأولاده الثلاثة ‘لقد وضعونا هنا بدون نقود، كل الاولاد مرضى، هنا الكثير من الغبار وتعيش في الغرفة الواحدة عشر عائلات’.
ويقدر عدد السوريين الذين وصلوا الى بلغاريا بحوالي 8 آلاف شخص وهو عدد أكبر من ألفين وصلوا العام الماضي. فالمدرسة ‘فيونا رامبا’ لم تبن كي تستوعب 800 لاجئ بل كانت معهدا للأعمال اليدوية يعود إلى الفترة الشيوعية.
كما أن قدرة بلغاريا على استيعاب لاجئين لا تتعدى استقبال 5 آلاف. ومن هنا فعندما امتلأ مركز استيعاب اللاجئين بحثت الحكومة عن أماكن أخرى. ولم يكن هناك وقت لاصلاح المبنى قبل وصول اللاجئين، حيث عانى السكان من نقص في المياه الدافئة والتي تم اصلاحها، فيما لم يتم بعد تنظيف المكان من الزجاج المهشم في المنطقة التي يلعب فيها الأطفال ولا إصلاح النوافذ المكسرة.
سياسة جديدة لدول الخليج
في سياق مختلف ذكرت صحيفة ‘واشنطن بوست’ الأمريكية أن دول الخليج بقيادة السعودية تتجه نحو تقوية المعارضة السورية المسلحة وتطوير سياسة مستقلة عن تلك التي تتبعها الولايات المتحدة في التعامل مع الأزمة السورية في ضوء ما تراه القيادة الخليجية فشلا للرئيس الأمريكي باراك أوباما في شن هجوم على النظام السوري.
وعلى الرغم من دعم السعودية ودول الخليج الأخرى للمعارضة السورية المسلحة منذ بدايتها وتعاونها مع برامج التدريب التي أشرفت عليها الإستخبارات الأمريكية ‘سي أي إيه’ إلا أن المسؤولين الخليجيين يقولون أنهم لم يعودوا يثقوا بقيادة الولايات المتحدة للأزمة السورية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين خليجيين قولهم أن السعودية ستوسع من برامج التدريب للمقاتلين في الأردن وستزيد من دعمها العسكري للجماعات السورية التي تقاتل الجماعات الجهادية والحكومة السورية. ويصف المسؤولون الخطط السعودية بأنها موازية ومستقلة عن الجهود الأمريكية يناقشها السعوديون مع دول المنطقة ذات العلاقة بالمسألة السورية. وتقول الصحيفة أن عدم الرضا عن الموقف الأمريكي من سورية هو جزء من خيبة أمل من الإدارة وسياستها الخارجية في الشرق الأوسط خاصة تقاربها مع الحكومة الإيرانية ونقدها للحكومة المدعومة من العسكر في مصر.
ومن هنا يفهم الزيارة السريعة التي يقوم بها جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي لكل من السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ومصر، وتشمل الرحلة التي تمتد على 11 يوما كلا من بولندا والمغرب والجزائر والضفة الغربية.