Category: شعر

  • الغُموضُ الحُرّ

    الغُموضُ الحُرّ

    إلى ريام الحاج

    كالمرآةِ المُنفصِمَةِ بينَ سِلسَلةِ نوافذَ تُطِلُّ مُباشَرَةً على الله
    أنا معكِ لستُ أنا..

    ٭ ٭ ٭

    ولا أُريدُ أنْ أكونَ أنا.

    ٭ ٭ ٭

    قد أُشبِهُ غابةً
    تكتبُ على الرِّيحِ
    أجمَلَ دواوينِ الرَّبيعِ تغزُّلاً بأشجارِها
    حينَما تخونُها بالتَّتابُعِ
    وتهرُبُ طليقةً برفقةِ العصافير.

    ٭ ٭ ٭

    أو على الأقلّ؛
    قد أكونُ تحتَ قوسِ قُزَحِ نهديكِ
    بُحيرةً تتقلَّبُ على جنبيْها
    ولا تقدُرُ أنْ تغفو.

    ٭ ٭ ٭

    أستطيعُ، الآنَ، تنقيةَ الدَّربِ من الخُطَى الخَجولةِ
    ويستطيعُ النَّهرُ أنْ يستبدِلَ بضفافِهِ
    شفتيكِ.

    ٭ ٭ ٭

    للقلبِ زمنَ المُستحيلِ مَدارُهُ الزَّائِغُ
    أنْ نقبِضَ على الفَجَواتِ،
    ونُغلِقَ الأبوابَ،
    أمرٌ لا يطلبُهُ الهائِمونَ في الغِيابِ:
    (لم تَرمِ حركةٌ إلى تَشهيرٍ بتَعَبٍ مُحدِقٍ
    ولا انحازَ يَنبوعٌ إلى شُهرةِ بئرٍ مُسوَّرة)

    ٭ ٭ ٭

    الوعدُ ألا يَمنَحَ المُسافِرُ
    ـ لا البدايةَ ولا النِّهاية ـ غَنائِمَ،
    والجائِزةُ لنْ تكونَ في محطَّةٍ هُنا أو هُناكَ؛
    حَسْبُ النّايِ أنْ يُطلِقَ أنغامَهُ سِهامَ وردٍ نحْوَ المَجهولِ
    ولا ينتظِرَ مُقابِلاً لجُهْدِ الأجنحةِ.

    ٭ ٭ ٭

    الكنزُ لم يكُنْ يوماً واحةً في صحراءَ
    الصَّحراءُ نفسُها تغدو هالةً غيرَ مُتوقَّعةٍ في العِناقِ
    هذا هوَ الشَّغَفُ تحتَ مُستوى القُبْلةِ
    وفوقَ مُستوى الغاراتِ الفتّاكةِ
    فكيفَ إذا قلَبْنا عدسةَ الكاميرا
    وصوَّرنا رحيقَ العِظامِ.

    ٭ ٭ ٭

    ثمَّةَ ذراعٌ غيرُ مَرئيَّةٍ للرَّغبةِ العسليّة
    أنْ يَشِمَنا الهَذيانُ بماءِ الحَنينِ على الشَّمسِ
    فلا يحترِقُ الشَّوقُ، ويَنجلي كدُخانٍ
    ولا تنطفِئُ اللَّمساتُ، وتَنتمي إلى يقينٍ.

    ٭ ٭ ٭

    شَعرُكِ يستدرِجُ الخُيولَ ساهيَةً إلى المَرجِ
    وصَهيلاً بعدَ صَهيلٍ
    تأخُذُها رحلةُ الارتماءِ
    إلى أسرارِ ما خلفَ الجبالِ
    فلا تعودُ..
    وإذا حدَثَ، وعادتْ خطَأً:
    لا تشرَحُ ريفاً،
    ولا تَصِفُ مدينةً
    ولا تضَعُ إعجاباً،
    أو تعليقاً على فيسبوك العقل.

    ٭ ٭ ٭

    عنُقُكِ كُلَّما تمايَلَ في دَنِّ النِّداءِ
    ارتجِفَتِ الأحلامُ مَذعورةً من ظِلالِها
    وغادَرَتِ المُخيِّلَةُ قاعاتِ الكونِ المفتوحةَ
    خشيةَ أنْ تلتقيَ بنفسِها على درَجِ المَعنى ولَو مُصادَفةً.

    ٭ ٭ ٭

    أصابِعُ قدميْكِ الصَّغيرةُ
    تُهاجِرُ، توَّاً،
    سُنونواتٍ سُنونواتٍ على أرصفتِي
    وفي حقائِبِها ابتساماتٌ مُرجأةٌ
    كقَفلةِ روايةٍ تُحيِّرُ كاتِبَها
    مُعتزِلاً على مَقعدٍ في حديقةِ السَّردِ المَنسيِّ
    إلى حينِ قَذْفِ الحبكةِ سَوائِلَ الإغواءِ
    فُستاناً قصيراً، ورقصةَ صَيفٍ سَريعٍ
    يُوقِظانِ وادي الصَّمتِ،
    ليصرُخَ إلى أبَدِ الآبدين:
    حميمٌ أيُّها الاحتمالُ، فاضِحَةٌ أيَّتُها الأجوِبة.

    ٭ ٭ ٭

    هل هذا عدلٌ يا مَرْسَمَ اللُّعابِ؟
    أنْ يُحاوِرَ طلاءُ أظافرِكِ مجدَ الألوانِ بضَراوةٍ
    فلا لقاءَ ينتهي، ولا وداعَ يبدأُ
    كالضَّوءِ الطّائِشِ على شُرفَةِ الغَرابةِ
    تنمو سُلالاتُ الغَرامِ بيْنَ بيْن
    كأنَّ تِرياقَ المَجازِ
    يَنفُضُ عن سجّادةِ الدَّلالاتِ كُلَّ هرَمٍ.

    ٭ ٭ ٭

    هل هذا تفسيرٌ مُقنِعٌ حتَّى ليَعسوبٍ في برِّيَّةِ القَمَرِ:
    أنَّ المُساواةَ مُمكِنةٌ في مَملكةِ الغَرامِ؟
    الاختلافُ ضَرورةُ الاستحمامِ في الجَمالِ
    وما يصنَعُ الفارِقَ في هذا الصَّخَبِ الشَّهيِّ
    اكتشافُ الملائِكَةِ والشَّياطينِ في آنٍ معاً
    أنَّ جُذورَ هاتيْن العينيْن
    لا تشتعلانِ في قعرِ الرُّوحِ وحدَها
    إنَّما في قعرِ الجنَّةِ
    التي لم يُبشِّرْ بها بعدُ
    أيُّ كتابٍ مُقدَّسٍ.

    ٭ ٭ ٭

    هوَ أرَقُ الحُبِّ إذنْ؛
    أو هوَ الغُموضُ الحُرُّ لأنامِلِكِ
    تُلوِّحُ هُناكَ على ظَهْرِ سَفينةٍ
    ما أنْ انكشَفَ شاطئُ الأمانِ لها بعدَ طُولِ خطَرٍ
    حتَّى عادتْ إلى عُرْضِ البَحرِ
    وسلَّمَتْ نفسَها
    بوداعةٍ يحسُدُها عليها الوجودُ نفسُهُ
    لقراصِنَةِ العاصِفَةِ المَجنونة.

    ٭ ٭ ٭

    على الرَّغمِ من جَفافِ العالَمِ المُزمِنِ
    لي صِلَةٌ وثيقةٌ بالغُيومِ
    المطَرُ لا يهطِلُ عليَّ
    مُنفصِلاً عن عُمقِ السَّماءِ السّابِعَةِ أبداً
    هوَ، حتماً، كفراشاتٍ تلثِمُ جسَدَكِ
    قطْرةً قطْرةً
    ولا ترتوي

    شاعر وناقد سوري

  • عُبُور… إِلى ضِفافٍ مُنتهِيةِ الصَّلاحِيَّة

    عُبُور… إِلى ضِفافٍ مُنتهِيةِ الصَّلاحِيَّة

    يَا للغَرابَة منْ دَوائِر أوْقاتٍ مَاكرَة
    حِينَ ألتهِمُ بَقايا جَسدي المُهْترِئ
    فِي ذاكرةِ اليُتمِ…
    عَارٍ أنا، مِنْ آثام خَطايا عَالمٍ
    ارْتكبَتنِي عندَ الوِلادة،
    كانَ عليَّ أنْ أضْحكَ،
    أضْحكَ كثيراً …
    قبْلَ صَرختِي الأولى
    بِإرادَتي…
    أعْلِنُ عنْ مَولدِي
    كوافِدٍ جَديدٍ بِلا تأشيرَة،
    أتحَسَّسُ أطرافِي الهَشَّة
    إِنْ كانتْ قادِرة عَلى البقاءِ طويلاً
    أوْ سَريعا مَا تَنقرِض،
    كعَلامَة
    تِجارِية
    فاشِلة…

    ٭ ٭ ٭

    ثمَّة جَسدٌ لوجودِنا رُبَّما،
    فِي عالمٍ مَا
    وَنحنُ الظل.
    ثمَّة مَكانٌ لأعْيُننا النافِقة
    فِي مَحاجرَ صَخْرِ شاطئٍ مُهْمل
    وَنحْنُ جَراد بَحرٍ
    منْ قِشرةِ الوَهْم.
    ثمَّة كِتابُ أسْفارٍ قدِيم،
    يَحكي اغْترابَ وُجوهُ الذينَ رَحَلوا تِباعاً
    بِقلبٍ فارِغٍ منْ هَواءِ الحُلم
    وَنحْنُ حقائبَ قشٍ،
    مُدْمِنة
    لِكلِّ
    وُجْهاتِ
    اليَأس.

    ٭ ٭ ٭

    وَذاكَ الصَّوتُ الآتي
    مِنْ فِجاجِ الحَيرةِ
    صَوتي وإِنْ لمْ أرَهْ.
    يَعبُرُ بِي ضِفافَ
    أنْهَار ضَجرِ النَّوايا.
    أحَقاً لِلأمكِنةِ أسْمَاء… ذاكِرَة…
    نَوافِذ مَفتوحَة لِلسَّماءْ.
    أقولُ حِين يَنتابُني
    هَلعُ فَقْدِ أشْيائِي الصَّغيرَة..
    سَاعة جُدْران بَيْتي المُقفِر
    مِكنَسة أحْزاني الخَشبيَّة
    عُكازَة جَدِّي الأثرِيَّة
    وِسادَة أرَقِي المُزْمِن.
    فأيُّ مَكانٍ سَتلتقي أطرَافي المُعلقة فِي مَشانِق الجِهاتْ؟
    وَحينَ أستعيدُ لِلرُّوحِ
    قَسْوةَ السُّؤالْ،
    يُدَحْرجُ صَهيلُ العَرباتِ الفارِغة جَسدِي،
    يُدحْرِجُهُ عَميقاً…
    فِي
    جَوْفِ
    البُهْتان.

    كاتب من المغرب

  • سفيرة الحلم

    سفيرة الحلم

    (الى المناضلة اليابانية الفلسطينية فوساكو شيغينوبو)

    وحدها كانت تداعب وجه البحر
    سجينة في شرنقة الأحزان
    وشهيدة في شرفة الوجدان
    ترسم بسمتها المسلوبة في ملكوت الموت
    من قلب ظلام الأبدية
    عبرت فوساكو لغة الحلم
    تتوشح بالكوفية وخيوط الأسرار الكونية
    تتجلى راياتٍ حمراء على سارية المجد
    تتوارى في الظّل
    في أضلاع المأساة
    لتضيء بأنوار حقيقتها صفحات التاريخ
    جاءت من أقصى بلدان الغربة
    تحمل أوجاع الإنسانية
    تحمل رايات الحرية
    وتحمل أسرار الكون
    تعانق مهجتها
    وتقاوم، وتقاوم ليل الحزن
    وليل الغربة
    لتبشرنا بالفجر القادم.
    هي أغنية ثائرة
    سافرت في أرواحنا مثل غيمةٍ ماطرة
    لأجل نشيد الفرح
    صرخت في القفص الفولاذيّ
    في غربة أرواحنا المعذبة
    وقالت لا للموت في كل المراحل
    في خضرة عينيها نبتت سفني
    حيث تداعت نجماتي تحرس غرتها
    وأنثر ورد الشهداء على شرفتها
    فملح الليل على سرتها
    يتجلى ذكرى
    ميلاد بطولة
    شربت من دمك سجون القهر
    وبقيت كما أنت رفيقة خطو الأحرار
    دافئة كالشمس
    وحانية كالوردة
    ومثل هديل حمامة تحطين على نافذتي
    تهديني سيف الصبر
    وتهديني أنشودة قلبٍ يتطلع للحرية

    شاعر فلسطيني

  • أداجيو

    أداجيو

    لا شيء في قبَّعة السَّاحر

    أو خلف تلك الأبواب المتروكة على عجل

    لا شيء في حياتك بين البشر

    مغطَّى بالغبار والضَّجيج والوحشة

    لا شيء بين عمارات السَّأم

     والصَّمت الذي يصبح ملموساً

    حين نعبر الغرابة متوجِّسَين

    لا شيء بين أصابعي يزهر

    أو يموت في الصَّفحات التي تتلى بالنَّظرة العرجاء نفسها

    لا شيء.. لا شيء أبداً

     إلا أرنباً أليفاً وكلمة تشبه الحبَّ وغيابك في كلِّ مرَّة

    يتبادلون مع بعضهم الأدوار

     في رأسي

    *** 

    كان لديَّ كلُّ الوقت

    للحلم بأنَّني واحدة من الأسماك التي تسبح

    تحت المياه الغامضة

    للإصغاء إلى ملاك يخطئ كثيراً

    ولا يخسر ألفته للأشياء التي تُحبُّ في زوالها

    كان لديَّ كلُّ الوقت

    للمشي الذي أجهل مصيره

     وتأمُّل تلك النُّجوم التي لا تتعثَّر في عزلتها

    ولا تخبو

    كان لديَّ كلُّ الوقت

    للحياة الذي كل ما رأيته فيها لن أراه ثانية

    للحبِّ الذي يحفُّ جسده بالهزائم قبل أن أمحى

    للموت الذي يشقُّ حنجرة السَّماء بلا عزاء لأحد

    صرت صفيحاً بارداً

     وقوفاً طويلاً مع الازدراء

    يسحقني هذا الانتشار الأبله

    للدُّخان الكثيف والمعتم

    وحجارة تبدأ من عينيَّ

    سقوطها

    ***

    الآن

    لا أعلم

    ماذا أقول؟ أين أخبئ الخوف؟

    موتك يموت في حياتي

    مرَّات ومرَّات

    سمعت تلك التُّرهات

    عن الأموات الأحياء

    الذين يعبرون خفافاً

    مع الضَّوء الذي يتدحرج على الأشجار

    ويعطي النَّهر فضَّته

    عن الأبديَّة الطافية على الغمر

     وبقيَّة الأرض في رماد

    لكنَّني هنا

    أنظر إلى وجهي ولا أرى شيئاً

    يحرقني الفراغ

    وكالمجانين

    لا أصدِّق هذا العالم الذي لن تنتظره أبداً

     ***

    أداجيو

    بحركة لولبيَّة

    ينزلق اللَّحن على فنجان القهوة

    على السَّتائر المبقَّعة بشمس تتضاءل

    على ركبتيَّ اللَّصيقتين بقلبي

    ندرك كلَّ شيء حين نعلم

    أنَّ الرَّغبة لا تتغيَّر

    حتى تحت هذا الجلد المعتم والسَّميك

    للانتظار وصمت الموتى

    كلُّ ما تبقى من صور الذَّاكرة

    يصطدم هنا

    حيث يمكنك أن تسمع تداخل الوتريَّات

    مع النَّفير الحاد لشهقة الأوبوا

    وتجري حوارات غير مألوفة

    مع ورقة تزدريها الرِّيح

    مع خطوط متعرِّجة على الإسفلت

    مع سماء وبحيرة تعتمان سوياً

    مع نظرة من رحلوا

    أو قبضة الباب

    كلُّ ذلك

    لتقوم بخطوة تمسك الأرض

    كلُّ ذلك

    لمجرَّد رغبتك

    في أن تسحب الظِّلَّ من الكلام

    يتراخى الوقت

    اللَّحن واقعيٌّ تماماً

    إلَّا أنَّ حزنك يبدو هامشيَّاً

    مثل روزنامة على جدار

    ” كلُّ حقيقة تميل للفراغ”

    ترفرف أمام عينيَّ هذه الكلمات التَّائهة

     

    شاعرة سورية

     

  • فراغ

    فراغ

    الصّمْتُ أبلغُ من فراغ الثرثرة
    والصوتُ أخفتُ من سكون المَقبرة
    والوقتُ يتلوْ لليالي سِفْرَهُ
    ويضيق بالمعنى خيالُ المحبرة
    وأنا أحشِّدُ في الفراغ جيوشَهُ
    ضاق الفراغُ بحشدِهِ يا عنترة
    أُزجي المعاني في حروفٍ أُبْهِمتْ
    كالحُلْمُ أعيا الليلَ لمّا فسَّره
    وأُذيبُ بحري في أماني مِلْحِهِ
    والنهرُ يسرقُ من عروقي سُكّرَه
    يا كلَّ هذا الصَّمت يا هذا الصَّدى
    قلْ للصباح الحلو ماذا أخّره

    كاتب وشاعر يمني

  • تيريزا

    تيريزا

    تيريزا تنهضُ مِن نومِها تمام الثامنة
    تفتحُ شُبّاكَ غرفتِها
    تطلُّ على حديقةِ جارتِها
    الدّجاجات ينقرنَ حبوبَ القمحِ.
    جارتُها تنهضُ منذُ الفجرِ
    تمسحُ تيريزا بنظرةٍ خاطفة
    التّلالَ البعيدةَ المطلّة على قريتها
    شمسُ الصّباحِ مُشرقةٌ
    العصافيرُ تبدأُ زقزقتَها حينَ تفتحُ شبّاكها.

    صوتُ جارتِها ونقيقُ الدّجاجات
    يُضحكُها كلّ صباح.
    تعدلُّ خصلات شعرِها
    تنضو قميص النّومِ على مهلِها
    وتنظرُ في مرآةِ خِزانتها المصنوع مِن خشبِ الجوز
    تقول لنفسِها :
    ماذا لو جاورني البحر؟
    وتمضي تعدُّ قهوتَها .
    يعودُ البحرُ.. تعودُ أمواجُه
    الماءُ يترقرقُ بين الصّخورِ
    السّاحلُ مهجورٌ في هذا الصّباح
    صوتُ النّوارسِ يأتي مِن سماءٍ صافية
    هل قضينا المساء هنا ذات يوم؟
    هل مضينا متشابكينِ كأغصانِ الياسمين
    إلى سريرنا العابرِ في فُندق
    والبحرُ يطلُّ على نافذةِ غرفتِنا؟
    ما أرقَّ الذّكريات حين تصير سراباً.

    ذات مساء خريفي
    سربُ أوزٍ مهاجرٍ بعثَ القشعريرة
    في جسدينِ متعانقينِ، فقالت لي أُحبُّك
    تركنا البحر وراءنا يستقبلُ الشّمسَ
    في خشوعِ مساءٍ أخير،
    وتبادلنا القُبل حتى الحديقة
    وكان الورد يغلقُ أجفانه على إيقاعِ الغروب .

    لتيريزا عينانِ مِن قلبِ آسيا
    وأنفٌ مِن قرون أوروبا الوسيطة،
    شفتاها مِن سواحلِ افريقيا
    حمراوتان، ما زال ملح البحرِ فيها
    خصلات شعرِها تذّكرني بروبنز
    في لوحة اختطاف النّساء السّبيات..
    حين تنامُ أسمعُ رنينَ ساعةِ قلبها
    وعطر النّومِ على شفتيها،
    ويبقى البحر يذكر عطر الأبنوس في جسدينا
    طوال اللّيل..

    تيريزا، لا تقولي أحبُّكَ في كلِّ قُبلة
    اتركي أسرارنا تنتظرُ على جمرةِ العشقِ.
    بعد قليلٍ سينهمرُ الماءُ منّا
    مِن الماءِ حياتنا
    مع الماءِ تعلو شهقاتنا حتى السّماء
    حينها قولي أُحبُّكَ
    كي نبدأ فصلاً جديداً مِنَ العشقِ
    ونبشِّر أحلامنا بسعادةِ اللّيل
    ونهبُ البحرَ ما يستحقُّ مِن صلواتنا
    وأنينا الدّريّ وذرّات النّعاس على أجفاننا.

    حين تنهض تيريزا
    أرى ظلّها على الأشجار، على بتلاتِ الزّهور
    وعلى جسدي دوائر مِن نورٍ بهيّ
    أنتظرُ الشّاي، أنتظرُ القُبلة
    وطعمُ الهيلِ في فمِها
    فتهبطُ مِن سلّم حجري متمايلة
    خُذي ما تريدينَ تيريزا إلا اشتياقي
    خُذي منّي سنيناً
    واحتفظي بيومِ لقائنا
    بقُبلتِنا الأولى على ناصيةِ الطّريق
    وأربعين قرنفلة بأكليل هي سنوات عمري
    خُذي اللّوز والجوز والسّكر الأسمر مِن شفاهي
    واتركي لي صباحاً واحداً
    أتذكرين؟
    كانَ يوم اثنين وفي الصّباح التقينا،
    وفي المساء تزوّجنا ونمنا مثل أميرة وأمير
    وظلّ البحرُ وراءنا
    موجة إثر موجة يردّدُ أسماءنا
    بعد هذا الزّمان الطّويل.

    شاعر عراقي

  • شمعة قطر الندى

    شمعة قطر الندى

    تلك أبوابهم
    من هنا دخلوا
    تستطيع إذن أن تعد الفراشات في عشها الأبدي
    تستطيع سماء عابرة هناك
    أن تضيء لأسلاف تلك النجوم
    وإذا ما نزوت في أقاصي الغياب…
    أن تعود إذن من جديد
    في طيور مهاجرة.. ربما..
    في يدي ربما.. في غدي ربما
    في الماضي البعيد..
    في المضيء المضيء على سوره
    ورد أشواكهم ربما..
    وعبير ليال هنا.. ها هنا.. تركوه معي
    غافل أنت إذ تمتطي عين بدر بتلك المحطات
    غافل أنت عن نورها المتسلل في طرقات الندم
    امض لا تلتفت، امض للريح في سفن الغرباء..
    وانشغل عن ضياء البدور التي جرحت
    نور قلبك لما تركته في كل زاوية
    سال في دربهم.. سال في أعين غافلة ومنسية
    سال في سهم عصفور شارد
    عاشق للجراح
    امض لا تلتفت.. قد ختمت طريقي إذن..
    قال مرتحلا
    بصمتي جرحك ساطع شوكك سهمك الطائش الجارح..
    مزهر كالثلوج
    بصمتي شوكة مزهرة..
    قد ختمت سبيلك في صدفة للأبد
    زارني طيف نحل وأدمى الرحيل
    ربما كان يؤلمني في الغد..
    ربما هو من سيضيئ المكان
    أمس كان هنا.. أمس كان هناك..

    شاعر مغربي

  • مرثيةُ الطـائرِ البابليّ

    مرثيةُ الطـائرِ البابليّ

    إلى سعدي يوسف

    طـائرٌ هبّ من عَـتْمةِ الشجرةْ
    صاعداً صوب مملكةٍ لا يراها..
    جنـاحانِ يلتطمان ببعضهما:
    لا طريقَ إلى الضوءِ
    ِ لا قشرةُ الأرض ريّانةٌ..
    لا نخيلُ السمـاواتِ يشبهُ نخلَ السمـاوةِ..
    بل جنّةٌ من شـقاقٍ ومن نائحينْ
    لا شكوكٌ مؤكـدةٌ
    لا يقـينْ..

    ٭ ٭ ٭

    كان سعدي ينقّـحُ آخـر خيباتِهِ
    حينما مـرّتِ امرأةٌ لم تجـدْ غير موقدِهِ مطفأً
    والحماماتُ يمْسحْنَ بالدمع ريش قصائدِهِ..
    لم تجدْ غيـرَ أحلامِهِ
    تتكسّرُ كالمطرِ الرّخْوِ..
    بورك موتُكَ
    غربتك الأزليّةُ، فوضاكَ
    تصعدُ من حلُمٍ صوب آخرَ
    من هفـوةٍ صوب أخرى
    فلا جنةً قد عرفتَ ولا جنةٌ
    قد وعِـدْتَ بها..

    ٭ ٭ ٭

    ما الذي قد تركتَ وراءكَ؟
    أسرفْتَ في الوهمِ، أسرفْت في الشعرِ..
    بالغْتَ في الخطـأ المرِّ، والخطـأ العذبِ
    بالغْتَ في اللا يقينْ..
    ليس إلا القصيدةُ خضراءَ
    إلا التلفّتُ صوب السماوةِ
    إلا السماواتُ حمراءَ
    إلا النبيُّ الذي كنته ذاتَ يومٍ
    وما تحت جبتكَ الصوفِ
    غيرُ الحنينْ..

    ٭ ٭ ٭

    إنه الموتُ، صاحبُك الأبـديُّ
    قرينُك، ذاك الذي لم تفـارقْهُ..
    كنتَ تُمدِّدُهُ فـوق نـارٍ معتّقةٍ
    مثلما تتمدّدُ هـذي البـلادُ
    على نارها..
    ما رأيتك إلا وحيداً..
    وما كنتَ إلا طريدَ القبـائلِ
    تبكي عليكَ
    ومنكَ..
    وها أنت تخرج من بينها..
    يائساً من هتافاتِ حزبكَ
    مستوحَشاً من فضاءاتِ ربكَ
    يا أيّها الطائرُالبابلِيُّ
    الذي
    لا
    يلينْ..

    شاعر عراقي

  • غيمة الياسمين

    غيمة الياسمين

    لروح الشهيدة شيرين أبوعاقلة

    يراعكِ الذي تكتب به الملائكة
    ينزف ورداً
    ينزف وجعاً
    يروي نكبة..
    أشيرين التي إذا ما مشت فوق الصحراء تعشب..
    أشيرين التي إذا ما مات الكلام بصوتها
    حروف اللغات تنتعش..
    أشيرين الغيمة التي أمطرتنا ياسمينا..
    ظلّك النّازف المرابط تحت الشّجرة..
    تارة كان قمرا للحقيقة
    تارة كان للضوء حديقة
    تارة كان علماً..
    أيا ظلّ الألم
    لم غادرتِ و تركت سحائب شعركِ
    وصورتك النابضة في الفراديس
    و ابتسامة الرجاء معلّقة على صدر مخيم جنين ؟
    لم غادرتِ وجعلت من جيدك البض متراسا للرصاص
    وتركت الأخبار العاجلة تمر بسلاسة الجداول تحت قدميك؟
    هناك حيث كنتِ
    هناك حيث نعقت الغربان
    انكسف وجهك الوضاء على أجراس القيامة
    على قبة الصخرة.
    و قوافل الندى ترسم وجوه الشهداء على امتداد اللجوء..
    تمرّ أمام الأعين البيضاء
    تصرخ في الآذان الصماء.
    كنت هناك باسمة
    والموت على مرمى خبر.

    شاعر فلسطيني