حمور زيادة قاصّ وروائي وناشط حقوقي سوداني ولد في أم درمان سنة 1969 واضطر إلى مغادرة بلده بسبب مواقفه المؤيدة للحقوق المدنية التي استعدت عليه التيارات المحافظة وكلّفته اقتحام بيته وحرقه في سنة 2009. «الغرق ـ حكايات القهر والونس»، عنوانها في الأصل العربي («دار العين، القاهرة 2018)، هي روايته الثالثة بعد «الكونج»، 2010؛ و«شوق الدرويش»، 2014، الحائزة على جائزة نجيب محفوظ للرواية سنة صدورها. نشر زيادة أيضاً مجموعة قصصية أولى بعنوان «سيرة أم درمانية»، صدرت سنة 2008 وكانت باكورة أعماله؛ ومجموعة ثانية بعنوان «النوم عند قدمي الجبل»، 2014.
وعلى منوال الاتجاه السائد لدى زيادة، تتناول «الغرق» حقبة في تاريخ السودان خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مهادها قرية «حجر نارتي» التي تنقلب إلى مساحة بشرية وإثنولوجية واقعية، وأخرى مجازية ورمزية، وفي مناطق التقاطع بين المساحتين ثمة الكثير من الاشتغال على نماذج بشرية مختلفة وتعددية تتولى تحويل الغرق من معنى مادي مباشر إلى سلسلة استعارات تختزل مشكلات الرقّ والتناحرات الاجتماعية وسطوة الطبيعة، من دون النأي عن الخلفيات الطبقية والسياسية التي تحكم صراعات هذه القرية/ البيئة، على تماسّ مستدام مع النيل «نهر الجنّة». وإذْ يصون زيادة حقوق الفنّ الروائي لجهة السرد ورسم الشخصيات وتنمية أحدوثات فرعية هنا وهناك (تذكّر، أيضاً، بأنه قاصّ متمرس)؛ فإنه يرخي العنان، بسخاء مفرط أحياناً، للغة عالية التدليل وشعرية الإيحاء تقترب بعض نماذجها من شكل الكتلة في قصيدة النثر.
هنا فقرات من مستهلّ الرواية:
«تبدو البلاد كما لو صُنعت في صدفة ما.
بلا خطة واضحة، وعلى عجل.
ولمحبة مجهولة، أو اختبار ما، منحتها السماء نهراً من الجنة. أسمته النيل.
يجري هارباً من أعالي الجنوب، هابطاً إلى قاع الشمال.
على جانبيه جاءت الخضرة، ثم الصحراء. غزاة، ومحتلون، وفاتحون، ومنهزمون، ورحالة، وتجار، وجيوش دخلت ولم يعرف أحد أين ذهبت.
مرّ وقت طويل.
تغير السكان، تغيرت حياتهم. والنيل ما تغير.
حمل نهر الجنة مراكب الخشب، وبوارج الغزاة، وجثث الغرقى، وضحايا المذابح. غاص فيه المتزوجون، والأطفال بعد الختان، والنسوة المنجبات بعد النفاس.
فاض نهر الجثة كثيراً؛ فقتل.
أجدب نهر الجنة كثيراً؛ فأهلك.
وكما كان، يعود في كل مرة. نهر وديع قادم من الجنة
ماذا يفعل هنا؟
لا شيء. إنه يسري متسكعاً جوار قرية حجر نارتي، التي لا يذكرها أحد.
يحتضنها حبيبة غائبة. يشد قبضته عليها هاربة لن يفلتها.
تنحدر حجر نارتي من الصحراء القاحلة شرقها، فيحتجزها بحر النيل غرباً ليمنعها من الهرب.
يحنو عليها، لكنه قاسٍ.
ويقسو عليها، لكنه حنون».
Sindbad/ Actes Sud, Paris 2022