في سنة 2014 صدر، عن دار الآداب، الأصل العربي لـ”بعيداً من الضوضاء، قريباً من السكات”، رواية الروائي والقاصّ والناقد المغربي محمد برادة. والعمل يقترح أربع شخصيات من أجيال متباينة تستعيد مسارها على خلفية أكثر من 50 سنة مرّت على استقلال المغرب. الراجي شاب مغربي يتخرج حديثاً من الجامعة ويتلقى أولى مهامه من أحد المؤرخين لتجميع آراء شرائح من المواطنين حول مستقبل المغرب، فينتهي به الأمر ــ وبعد مفاجآت شتى إزاء ما يقرأ من أفكار وحوارات ــ إلى صياغة عمل روائي. شخصياته الثلاث، التي تشكل فصول الرواية أيضاً، تتألف من محام محافظ ولد تحت الانتداب الفرنسي، وزميله المناضل الاشتراكي الذي ولد بعد الاستقلال، ومحللة نفسية ونسوية شابة عادت حديثاً من فرنسا لتدير صالوناً فلسفياً؛ وأمّا الفصل الرابع فيعقده الراجي لشخصيته هو نفسه. وعبر هذا التشابك في النفوس والخيارات والمواقف، يتوقف برادة مجدداً ــ وعلى منوال رواياته السابقة مثل “لعبة النسيان” و”الضوء الهارب” و”مثل صيف لن يتكرر” ــ عند تقاطعات الواقع والخيال في تاريخ المغرب ونماذجه البشرية.

هنا فقرة من ختام الرواية في الأصل العربي:
“على درب الرواية المسموعة، سأستطيع أن ألوّن صوتي وتعبيراتي بين الهمس والفحيح، بين التقمص المنفعل والسرد المحايد، بين الصمت والصراخ.
نعم، أحبّ أن أصرخ عبر مواقف الرواية صرخات تعانق ذلك المكبوت، المكتوم في شغاف القلب وثنايا الذاكرة.
الصرخة هي أكثر من تعبير.
هي تجسيد لما لا نتمكن من تدجينه داخل كلمات.
لا اعرف ما الذي يمكن أن أصرخ به؛ إنما أعرف أنّ الضوضاء الكثيفة من حولي، ستجعلني أصرخ ضدّها: ضدّ التكبيرات والتهليلات والابتهالات والولاءات المتدفقة في كلّ ساعة وحين. ضدّ الاستنجاد بمَن في السماء. ضدّ الآباء الذين لا لغة يلوكونها سوى ما ورثوه عن الأجداد.
هي ضوضاء تشلّ العقل والأحاسيس فتغدو أشبه بأجساد آلية مشحونة بأحاديث وأمثال ونصائح تنتمي إلى عصور خلت.
ضدّ كلّ ذلك سأصرخ لو قُدّر لي أن أكتب رواية مسموعة أمسرحها وأتلوها على مسامع اناس يتيهون في الطرقات والساحات، يتطلعون إلى ضوء يغسل الأدران والغبار.
بعد الصراخ، يحلّ فصل السكات حيث تنضج الأحلام، وتتوثق الخطى، ويبزغ الإصرار على معانقة الصمت الفعال”.
Actes Sud/ Sindbad, Paris 2019