آثار قصر البنات السورية: تاريخ حافل وحاضر مخجل

حسام محمد
حجم الخط
1

حظي الشمال السوري عبر التاريخ باهتمام منقطع النظير لدى الإمبراطوريات المتعاقبة، فرغم تقلب حقب التاريخ سلما وحربا والمتغيرات التي أحدثتها العوامل الطبيعية، إلا أن القرى الأثرية والمعالم التاريخية الحاضرة بجدرانها وتحفها وأقواسها وقلاعها تروي قصصا عن أمم سابقة تركت بصمتها في كتب الحياة رغم ما عانته هذه البقعة الجغرافية من حملات عسكرية مدمرة وتهجير حصار.
ففي الشمال الغربي السوري لوحده، تم إحصاء ما يقارب 70 معلما أثريا ما بين قلاع وحصون وقرى أثرية كاملة وغيرها من الآثار التي تعاني اليوم مع معاناة الإنسان السوري من ويلات الحروب والصراعات والإهمال. إلا أن الآثار في الحقب التاريخية السابقة وما نتج عنها، بقيت صامدة حتى يومنا هذا، حالها من حال الإنسان السوري الذي بقي صامدا يقارع مصاعب الحياة بحثا عن مستقبل لعله يكون أحسن مما هو عليه الحال هذه الأيام.
بيد أن منظمة يونسكو، أشارت في إحصائية لها، إلى أن القرى القديمة في شمال سوريا تشكل واحدة من أكثر المجموعات الأثرية استثنائية في العالم. إذ يوجد أكثر من 700 موقع من العصرين الروماني والبيزنطي تقع في منطقة شاسعة، تقع على سلسلة من هضاب الحجر الجيري المعروفة باسم كتلة الحجر الجيري.
وأشارت المنظمة إلى أن الاهتمام بهذه المواقع، ليس فقط بسبب عددها، ولكن أيضًا لأنها في حالة حفظ استثنائية. وأن التخلي عن هذه القرى التي تعود للقرن الثامن على كتلة الحجر الجيري، وصلابة المباني المصنوعة من هذا الحجر الجيري ضمنت الحفاظ عليها. تعتبر «المدن الميتة» أو القرى القديمة ذات أهمية استثنائية لأن مساحة 2000 كيلومتر مربع تقريبًا توفر صورة دقيقة لحالة الحياة الريفية في نهاية العصور القديمة، بينما، في هذه الحقبة، تنتمي معظم الآثار المحفوظة إلى المدن.
قصر البنات، هو إحدى تلك المعالم الأثرية البازغة بجمالها وهندستها الرائعة في شمال غربي سوريا في محافظة إدلب، ويعود تاريخ الموقع إلى القرن الخامس الميلادي، وهو ضمن إحدى أبرز المعالم الأثرية البيزنطية في سوريا والتي تعود إلى الحضارة المسيحية المتلاحقة.

ما هو قصر البنات؟

صنف قصر البنات في ريف محافظة إدلب ضمن قائمة المدن المنسية، أو المعروفة محليا باسم القرى الميتة، وهو عبارة عن كنيسة أثرية تعود للحقبة البيزنطية، فيما تم تسجيله على قائمة اليونسكو للتراث العالمي في عام 2011.
كما اندرج قصر البنات تحت مسمى القرية المنسية أو الميتة نتيجة للإهمال الذي تعرض له وحالات الخراب التي أصابته، ويضم القصر كنيسة وبرجا ومقبرة وأبنية، يصل ارتفاع بعضها إلى سبعة طوابق، موسومة بعبارات وكتابات يونانية وأخرى سريانية.
من المزايا التي جعل قصر البنات لامعا، وجود كنيسة بيزنطية ضخمة وهي من الكنائس الكبيرة في سوريا، حسب تقرير لموقع «الخبر» وكذلك برج مؤلف من عدة طوابق، كما يتميز الموقع بوجود ما يسمى بحجرة «قصر البنات» التي تضم كتابات يونانية، وتتألف من لوحتين حجريتين بالقرب من الطريق القديم الأثري بين حلب وأنطاكية.
وتعد مدينة الدانا التابعة لمحافظة إدلب، والتي يقع قصر البنات على تخومها من المدن السورية التاريخية العريقة والأثرية، إذ تحيط بها مجموعة من المناطق الأثرية مثل كفر حوار، قصر البنات، والبرد، وتضم كنائس ومدافن وأبراج أثرية ومعاصر وخزانات ومعاصر قديمة وفي وسط المدينة يوجد مدفن دانيال وهيلانة بأعمدته المميزة وتعود الآثار للعهد البيزنطي.
وقصر البنات يتألف من طابقين، وتوجد فيه أقبية على شكل خزانات عميقة للمياه، وهي أقبية محفورة ضمن الصخر القاسي، فيما تتواجد صالة أو غرفة صغيرة في الجهة الشرقية من القصر تتخللها نوافذ صغيرة على أضلعها، ونافذة أخرى على شكل صليب ضمن الواجهة المثلثية من السقف.
كما أن كنيسة القصر تعد وفق ذات المصدر، من أكبر الكنائس في سوريا، وهي مؤلفة من بهو أوسط وبهوين جانبيين يفصل بينهما سبعة أقواس مع أعمدتها، فيما وجد على تاج عمود قريب من الحنية مرمي على الأرض كتابة يونانية تذكارية ضمن قرص، كتب عليها: «أيها المسيح ساعد كيروس المعمار الذي بنى هذه الكنيسة تحقيقاً لنذر ومات وقبره في الحنية».
أما البرج، فيقع في الباحة شمال الكنيسة، ويتألف من سبع طبقات وهو أعلى بناء أثري في الشمال السوري، وما زالت ست طبقات من أحجاره قائمة، وتتألف كل طبقة من غرفة واسعة وغرفتين أصغر منها.

إدلب الخزان الأثري

لم يحظ قصر البنات في الشمال السوري وفق الناشط المهتم بالآثار صبحي البصاص بالرعاية المطلوبة من قبل النظام السوري، رغم وجود القصر والعشرات غيره من المعالم الأثرية في شمال سوريا، فالقصر يمتاز بضخامة أحجاره وصلابة بنيانه رغم التاريخ الطويل الذي امتد منذ تأسيسه حتى يومنا هذا.
فالمعلم الأثري، بقي صامدا ولم يتأثر بفعل التقلبات الجوية والزلزال وحتى الحروب، إلا أن النظام السوري وفق ما قاله المتحدث لـ «القدس العربي»: تجاهل قصر البنات الأثري، كما تجاهل العشرات من القرى الأثرية والمعالم التاريخية الممتدة على طول وعرض الشمال السوري.
وقال: محافظة إدلب، هي الخزان الأثري التاريخي لسوريا، نتيجة كثرة الآثار العظيمة فيها وخاصة في جبل الزاوية وما حوله، إلا أن حكومة دمشق تجاهلت قصر البنات وسواه سواء على صعيد الخدمات والرعاية الحضارية اللازمة لمنع تساقط أروقتها، أو مكافحة أعمال التهريب وتجارة الآثار، ولا حتى على الصعيد الإعلامي، فكانت المحافظة بكل ما تحتويه من حضارات تاريخية متروكة للإهمال والتغييب.
واستطرد متحدثا: «وصل الإهمال المتبع من قبل النظام السوري وحكومته إلى درجة قيام الوفود الأجنبية والسياح الغربيين بالاستعانة بدليل محلي ومترجم لمرافقتهم خلال جولاتهم السياحية في الشمال السوري ككل، وفي بعض الحالات كانوا يقومون بالاستعانة برعاة الأغنام حتى يصلوا إلى الآثار والخرائب الأثرية العريقة، وهو ما دفع بعض الجهات الغربية والسياح إلى إطلاق اسم الكتلة الكلسية أو المدن الميتة على هذه الآثار».
البصاص، أشار كذلك إلى تعرض قصر البنات لقصف عشوائي من قبل النظام والميليشيات خلال سنوات الحرب، كما نشطت أعمال الحفر والتنقيب عن الآثار بشكل عشوائي بدون أي رقابة من قبل أي جهة رسمية.
وحول إذا ما كان قصر البنات قد تأثر بالزلزال الذي ضرب تركيا والشمال السوري في شهر شباط/فبراير من العام الحالي، وألحق خسائر بشرية مروعة ونكبة في الأبنية العمرانية، قال بصاص لـ «القدس العربي»: «نعتقد أن قصر البنات ما زال صامدا بعد الزلزال، ولكن لا نملك معلومات دقيقة حول مصيره الحقيقي اليوم» مرجعا ذلك إلى سيطرة النظام والميليشيات الموالية له على المنطقة قبل 3 أعوام، وعدم توفر القدرة على الوصول إلى المعالم الأثرية أو الحضرية القائمة.

القرى القديمة شهادة استثنائية

تقدم القرى القديمة في شمال سوريا ومناظرها الطبيعية، وفق منظمة يونسكو، شهادة استثنائية على أنماط الحياة والتقاليد الثقافية للحضارات الريفية التي نشأت في الشرق الأوسط، في سياق مناخ البحر الأبيض المتوسط ​​في جبال الحجر الجيري المتوسطة الارتفاع من الشرق الأوسط، من القرن الأول إلى القرن السابع.
كما تقدم القرى الأثرية شهادة استثنائية على هندسة المنزل الريفي ومباني المجتمع المدني والديني في نهاية العصر الكلاسيكي وفي العصر البيزنطي. إن ارتباطهم بأشكال القرى وأماكن العبادة يرسم مناظر طبيعية مميزة للانتقال بين العالم الوثني القديم والمسيحية البيزنطية.
كما تعد مثالاً بارزًا على مستوطنة ريفية مستدامة من القرن الأول إلى القرن السابع، بناءً على الاستخدام الدقيق للتربة والمياه والحجر الجيري وإتقان الإنتاج من المحاصيل الزراعية القيمة. وتشهد على ذلك الوظيفة الاقتصادية للموئل، والهندسة الهيدروليكية، والجدران الواقية المنخفضة وخطة الأرض الزراعية الرومانية المنقوشة على المناظر الطبيعية الأثرية، وفق يونسكو.
فهي تقع في كتلة صخرية كبيرة من الحجر الجيري، في شمال غرب سوريا، وتوفر حوالي أربعين قرية قديمة نظرة متماسكة وواسعة بشكل استثنائي لأنماط الحياة الريفية والقرية في أواخر العصور القديمة والعصر البيزنطي. وتم التخلي عنهم في القرنين الثامن والعاشر، ولا يزالون يحتفظون بجزء كبير من آثارهم ومبانيهم الأصلية.

تضرر السياحة في الجوار السوري

لم يكن الشعب السوري وحده المتضرر من تداعيات استخدام النظام للخيار العسكري ضد الثورة الشعبية التي طالبت برحيله في ربيع عام 2011 بل أن الآثار السورية التاريخية انضمت إلى قائمة المدن الحضرية التي نالت حظها من الآلة العسكرية والصراع الدولي القائم في سوريا، كما تضررت السياحة الأثرية في العديد من دول الجوار السوري نتيجة الحرب التي تجاوزت العقد من الزمن.
وهو ما جعل من قصر البنات الواقع في المنطقة الفاصلة على الحدود السورية التركية، خاويًا على عروشه، محرومًا من زوّاره، جراء الحرب الدائرة في سوريا.
ووفق تقرير لوكالة «الأناضول» فقد كان باستطاعة المسافرين الذهاب إلى حلب أو العائدين منها إلى تركيا، من زيارة هذا المعلم التاريخي، غير أن الحرب الطاحنة في سوريا حالت دون ذلك.
رئيس جمعية السياحة في هطاي صباح الدين ناجي أوغلو، أشار خلال تصريحات أدلى بها للأناضول، إلى تراجع السياحة في هطاي جنوب تركيا، لأسباب تتعلق بالحرب السورية. وأضاف أن المعالم التاريخية بالمدينة أخذت نصيبها من تداعيات الأزمة.
وقال في هذا الإطار «خير دليل على هذا، قصر البنات الواقع على الخط الفاصل بين تركيا وسوريا، حيث غدا مهجورًا حاليًا».
وأردف: «القصر بني في العصر البيزنطي وكان يستخدم لتعليم النساء، ويتألف من برج للحراسة وخزان للمياه، و8 قبور عليها زخارف صليب مكتوبة باللاتينية».
ولفت ناجي أوغلو إلى أن سياحا أجانب ومحليين، كانوا يزورون المعلم التاريخي خلال رحلاتهم إلى حلب أو خلال عودتهم منها، واستدرك أن القصر فارغ من زوّاره بسبب الأوضاع بسوريا، محذرا في ذات الوقت من احتمال انهيار أعمدة القصر لافتقاره لأعمال الترميم والعناية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية