انطلاقاً من مبدأ احترام وتثمين آراء المثقفين العرب قراء ‘القدس العربي’ من مفكرين وأساتذة جامعات وبحاثة وإعلاميين وصحافيين وطلبة وغيرهم ممن يتفضلون على العبد الفقير إلى الله بردودهم الثرَّة والثرية والإثرائية لحسن ظنهم بي، فقد ارتأيت أن أعرض لبعض آرائهم في مقال سابق عن ‘لماذا لم يصل مناضلٌ عربي واحد إلى مرتبة العالمية’، سائلاً الله أن أكون دائماً وأبداً عند حسن ظنهم بما أطرح من أفكار. لقد تعلمت الكثير من طروحاتهم الفكرية التي خصصوا لي من أوقاتهم القيمة الكثير لكي يرسلوها إلى الصحيفة أو لصفحتي على المغرد أو ‘تويتر’ فجزاهم الله كل خير.
كشعوب عربية وإسلامية أفراداً في – الحد الأدنى – لا أجِدني أُماري أو أشك لبرهة من الوقت في أنهم يعترفون بأبطالهم ويجلُّونهم وهو الأهم. أما حكوماتهم ـ مجازاً نقول حكوماتهم ـ لا ولم ولن إخالها ستعترف بعظمة أبطال العرب والمسلمين، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولأن أبطال الأمة يشعرونهم بمركبات النقص الهائلة فيهم وبمدى تفاهاتهم وخياناتهم للأمة بنسب متفاوتة. أما رأي الغرب كحكومات، ربما أكثر من الشعوب، ليس مهما ولا ينبغي أن يستفزَّ أحداً أنهم يعترفون ويجلون أبطالاً غيرعرب ومسلمين من أمثال مانديلا وغاندي وغيرهما، إذ يرون فيهما وفي غيرهما معايير إنسانية عالمية لا يجدونها أو لا يرغبون في أن يجدوها في أبطالنا، فهذا الغرب المنافق ـ كما ذكرت قارئة من فلسطين اسمها وفاء – لا يعرف عمر ولا خالداً ولا حتى صلاح الدين، وهو لا يرى في محمد الفاتح إلا غازياً إرهابياً. إن أنظمة تدَّعي العروبة والإسلام لا تجل بطلا بحجم يحيى عياش وسواه من أبطال المقاومة، لهي أمة ضالة متفرنجة متصهينة إن لم تكن صهيونية بالفعل والممارسة، لا تستحق أبطالها ولا تستحق أن يحترمها الناس.
العالم العربي والإسلامي إلى درجة كبيرة يعيش في زمن الضعف والتخلف، بسبب أنظمة بالية في المقام الأول وكل الأسباب الأخرى هي نتيجة للسبب الأول، وأعداؤنا كثيرون في الداخل والخارج. ولكن ـ كما قال قارئ اسمه الصميدي -لدينا البخاري ومسلم و..و..و.. وابن الجوزي وابن تيمية وابن القيم الجوزية وابن كثير و..و..و هذا ما لا يملكه إلى الآن لا الغرب ولا الشرق ولا الشمال ولا الجنوب، كتب هؤلاء تعجز الحمير والبغال والجمال عن حملها، كما عجزت وتعجز الأمم الأخرى عن إنتاج أمثال هؤلاء وليفعلوا إن استطاعوا، والغرب يمجد في الشاذ جنسيا ويطبِّع الزواج المثلي ومنذ السادسة عشرة من عمره ليوناردو دافنشي مثلا عبر عن ذلك في لوحاته وحياته. وأكثر من ذلك يحاول الغرب تصدير ذلك لنا ويجعله شرطا لاستضافتنا أحداثاً رياضية أو ثقافية عالمية كبرى، ويجعله معياراً أساسيا للتحضر، وكثير منا يستجيب، لاسيما على مستوى الحكومات .
ويسوق القارئ الكريم أسباباً أُخرى لعدم حصول أبطال العرب والمسلمين على مرتبة العالمية منها:
1 ـ الراحل نيلسون مانديلا حقق لشعبه ما لم يحققه كثير من الحكام العرب، وإن نظرت بعض الشعوب العربية إليهم او إلى بعضهم على أنهم أبطال قوميون.
2 ـ الراحل نيلسون مانديلا وقف شعبه معه (على الأقل).
3ـ الملك فيصل رحمة الله عليه قتله بنو قومه وكذلك صدام وإن كان بإيعاز وتنفيذ ربما من الأمريكيين والصهاينة لا فرق بينهما.
4ـ الأولى تحقيق إنجاز داخل البلاد قبل الذهاب بالفكر للعالمية.
5 ـ العرب قوم صعبو المراس وهم الذين أخرجوا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام من مكة وحاربوه كثيرا، خاصة في بدر وأحد والخندق على سبيل المثال لا الحصر، واتهموه في عرضه وكذبوه و..و.. وعقب إعلان وفاته صلى الله عليه وسلم ارتد الكثيرون منهم عن دين الله. تفاتن العرب في ما بينهم شر تفاتن وقتلوا الكثيرين من الصحابة الكرام ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقتلوا عليا وابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين، والعرب انقسموا إلى من يمجد في الحجاج وإلى من يبغضه مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه: ‘يخرج من ثقيف كذابان الأول شر من الآخر’ (الأول هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، والآخر هو الحجاج بن يوسف الثقفي). وفي حديث آخر: ‘يخرج من ثقيف كذاب ومبير (والمبير المهلك المكثر في القتل) .
6 ـ لا تنس أن المصنِّفين للعالمية غالبيتهم من الصهاينة أنفسهم أعداؤنا فلا تنتظر منهم أي إنصاف أو أية حيادية.
7ـ غالبية العرب يختلفون على أتفه الأمور، حتى على كمية الملح التي في الطبخة، ولا تنس داحس والغبراء، وما يجري اليوم في الساحة، وإذا حصل اختلاف بين العرب يمتد هذا الاختلاف قرونا طويلة، هذا إن لم يكن إلى يوم القيامة.
8 ـ الإنصاف والحيادية شبه معدومين عند غالبية العرب.
9 ـ العقلية القبلية السائدة في عقول غالبية العرب.
10ـ سهولة بيع العرب بعضهم بعضا والتآمر على بعضهم بعضا وخيانتهم لبعضهم بعضا ‘لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال’ حديث شريف.
11ـ ويطلب القارئ أن يعود العرب إلى كتاب الله وقراءة السور المكية وسيجدون وصفا دقيقا لعقلية العرب وحنكتهم في التآمر وطبخ الفتن والويلات بعضهم بعضا، فغالبية أهل مكة كانوا عربا إلا بعض التجار والعبيد وهــــؤلاء كانوا لا يهشون ولا ينشون، ثم زد عليها السور المدنية التي تتحدث آياتها عن المنافقين العرب وليس المقصود فيها بالمنافقين من أهل الكتاب وغيرهم من باقي الأمم، كون هؤلاء أمرهم واضحا .
12ـ أيضا هناك أمر آخر وهو رضى ومحبة غالبية العرب في أن يحكمهم غير عربي، وهذا نراه الآن في الساحة في أبسط الأمور فبعض البلاد العربية مثلا فيها قواعد عسكرية أجنبية ويدخلها الأوروبي والأمريكي بلا تأشيرة دخول مسبقة، بينما العربي عليه أن يقدم 5 كيلوات من الأوراق .
ورغم ذلك كله يدعو قارئَنا الكريم هشام توفيق إلى عدم احتقار الذات، فالخلافات بين الشعوب الأوروبية هي أشد وأعمق كثيرا لانها تمتد الى سنين وما زالت تؤثر على ساسه تلك الدول الى الان. أُسكتلندا ترغب في الانفصال عن بريطانيا، وكاتلونيا عن اسبانيا، وتوقفت الحياة الســــياسية تقريبا بسبب خلافات بين القسم الناطق بالفرنسية والقسم الاخر الناطق بالفلامنكية، وحدثت مشادات حادة بسبب قصة حب بين سياسة وسياســــية من حــــزبين مختلفين منذ مدة. والخلافات بين الدول الافريقية التي وصلت الى ارتكاب مجازر بشــرية أثناء النزاعات الحربية، وأمريكا اللاتينية هة مثـــال آخر.
قطعاً الحرية والتقدم يلزم دفع الثمن لها وهي الصراحة وقول الحق وتحمل تبعات قول الحق ودفع الأوروبيين ثمن ذلك داخل بلادهم ولن يتنازل ظالم أو فاسد عما يملكه بسهولة.
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري