«آن تعيش حياتَها» لجان لوك غودار… الفيلم النموذج

حجم الخط
0

سليم البيك٭
لا يتوقف الحديث عن المخرج الفرنسي جان لوك غودار، بمناسبة وبدونها. إنما المناسبة الأكبر لهذا المخرج المشاغب، حتى وهو بعمر 89، هو البرنامج الاستعادي الشامل عنه في السينماتيك الفرنسية، وهذه كانت مناسبة للعودة (غير المنقطعة بكل الأحوال) إلى سينماه في الصحافة الفرنسية وغيرها، منها مقالة في مجلة «تيليراما» يسأل عنوانها، إن كان غودار لايزال مصدر وحي للسينمائيين الشباب، الإجابة طبعاً، في متن المقالة، ستكون شرح، لمَ هو فعلاً كذلك.
يمكن من هذا السؤال مقاربة عموم شغل غودار السينمائي، فأفلامه التي كانت تجريبية وأفانغاردية وثورية من حيث الأسلوب والشكل تحديداً، وكذلك الموضوع في حالات كثيرة، لاتزال محافظة على مكانتها المتقدمة هذه حتى اليوم، فهي لم تخسر ثوريتها (وشبابها) تلك بتحولها إلى كلاسيكية، فتوصيف الكلاسيكي لأفلام غودار يأتي بفعل الزمن وبفعل الجودة التي تعلو مع الزمن.


لوفرة إنتاج غودار، لكثرة الأفلام الروائية الطويلة التي أنجزها، يسهل إيجاد أمثلة على تلك الثورية، وهذه الثورية لم تخفت مع الزمن، أي ليست هي مرحلة تخطاها الرجل كأنه ينتقل من زمن الطيش والتمرد إلى زمن الحكمة والتكريس. فليست أي من هذه التوصيفات الأربعة تناسب غودار، الذي اختصرها كلها، أو دمجها كلها ليخرج بثوريته سينمائياً.
نعرف أن اهتمامات غودار تنوعت زمانياً، اهتمامه بقصص الحب الذي بدأ بها تجربته السينمائية، لحقه اهتمام اجتماعي وسياسي، لحقه اهتمام فني، لكنّ مراحله السينمائية جميعها، تشاركت في تجريبية الأسلوب، وهذا الأسلوب تنوع في النهاية، ضمن تغييرات لا قوانين لها.
طرحتُ في مقالة سابقة عناوين لأفلام يسهل (أكثر من غيرها) مشاهدتها أو التعرف على سينما غودار من خلالها، وهي أفلام تشكل معاً (ويشكل أحدها) إجابة وافية على سؤال آخر هو: لمَ لايزال غودار مصدر وحي للسينمائيين الشباب في فرنسا والعالم؟
لنتحدث بالتفصيل عن أحد تلك الأفلام، وهو فيلم الافتتاح للبرنامج الاستعادي حول غودار في السينماتيك الفرنسية في باريس، وقد عُرض بنسخة مرممة حديثاً: «آن تعيش حياتها» فيلم باثنتي عشرة لوحة»، أحد أفلام بدايات غودار السينمائية 1962، وهو أحد أفضل الأمثلة على فهم سينماه، وفهم عموم سينما «الموجة الجديدة» في فرنسا.

نقل غودار الحكاية بشكل روائي (كفصول متتابعة بأصوات متعددة) تتخلله لقطات أقرب للوثائقية نسمع فيها صوته (كفويس أوفر) يحكي عن الدعارة بشكل واقعي وواعٍ ومن وجهة نظر اجتماعية.

الفيلم، مع غيره لغودار وفرانسوا تروفو وآخرين، من الأفلام المؤسسة لـ«الموجة الجديدة» في فرنسا، وهو الفيلم الرابع لغودار، ويُعتبر مثالاً نموذجياً على هذا الأسلوب السينمائي، الذي أثر في تاريخ السينما العالمية كما لم يفعل غيره. فيلم يخلط بين الروائي والوثائقي، ينقسم إلى 12 فصلاً، والعنوان الفرعي للفيلم هو «فيلم بـ12 لوحة»، تتتابع اللوحات لتحكي كل منها فصلاً من حياة نينا (آنا كارينا، زوجة غودار وملهمته وشريكته في أفلامه الأولى) التي ستتحول إلى بائعة هوى، وبذلك اتخذ الفيلم لنفسه شكلاً أدبياً لنقلِ حكاية نينا التي تعتبر نفسها مسؤولة عن كل سلوك تتخذه، تتخذ قراراتها على هذا الأساس، وهذه نبرة فلسفية وجودية في الفيلم، وذلك يأتي في سياق الاقتباس عن مونتين، الذي بدأ به الفيلم: «يجب إعارة النفس للآخرين ومنحها للذات». نينا، عشرينية، تعمل في محل بيع اسطوانات في ضواحي باريس، التي وصلتها حديثاً، تعيش حياة فقيرة وصعبة، تنفصل عن زوجها وتترك ابنتها، ترغب في أن تعمل ممثلة. لا تستطيع أن تدفع أجرة سكنها فيطردها المالك، تتجول في شارع الشانزليزيه إلى أن يظنها أحدهم بائعة هوى، فتتجاوب تلقائياً وتمارس الجنس معه مقابل المال، ثم تجعلها نينا مهنتَها، وتعيش حياتها الجديدة من ذلك، تريد أن تُحِب وتُحَب لكنها في النهاية ستكون ضحية للنظام الاجتماعي.
نقل غودار الحكاية بشكل روائي (كفصول متتابعة بأصوات متعددة) تتخلله لقطات أقرب للوثائقية نسمع فيها صوته (كفويس أوفر) يحكي عن الدعارة بشكل واقعي وواعٍ ومن وجهة نظر اجتماعية. الفيلم مثال جيد على دراسة التطور لدى الشخصية، كون نينا هي مركز الفيلم وما دونها يُوظف في خدمة حكايتها التراجيدية، بما تعنيه الكلمة مسرحياً. وكانت هنا آنا كارينا في واحدة من أجمل صورها وأدائها. والفيلم غير مألوف بطبيعته، اليوم كما في حينها، من الدقيقة الأولى منه، الطريقة التي يقدم فيها الجينيريك، إلى المونتاج والانتقال بين المشاهد، إلى اللقطات والزوايا، وغيره مما ميز أفلام غودار، وبالتالي معظم أفلام «الموجة الجديدة».
نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا، لكنه، كالعديد من أفلام غودار، دخل تاريخ السينما كفيلم يفوق الجوائز أهمية. هنالك جوائز تمنح قيمة للفيلم وهنالك ما تستمد قيمتها من الفيلم، وهذه الأخيرة هي الحال مع غودار وأفلامه، وتحديداً هذا العمل.

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية