أبعاد الرؤية النقدية الثقافية في كتاب «أسئلة النص وأسئلة الثقافة»

يعود الكاتب/الناقد إلى ذاته، إلى وعيه بمعنى أصح، ليمارس العمل على بعض ما تكرس في الذاكرة والكتابة، ولأنه يعي جيدا المراحل التي تؤثر في مساره النقدي، يحاول أن يقدم ذاته من خلال مرآة ما قدمه، وما يتطلع إلى أن يكون إضافة، إنها المادة التي يعتبرها، ولو بتواضع شديد، خصوصية تحاول أن تنقب في المنجز المعرفي والسردي العربي، لتنحت مفصلا في فهرست النقدية العربية المأمولة، وهو في هذا كله يرسم ملامح التفرد في إنتاج الدرس النقدي الخصوصي، بعد قراءات مهمة في إنتاجيات إدوارد سعيد، وهومي بابا، وعبد الله إبراهيم وعبد الله الغذامي وغياتري سبيفاك وغيرهم، فاتضح له «تهاوي المركزيات وأشكال المأسسة النقدية كافة، وعلامات الخروج قليلا عن ثقافة المركز وولاءاته»، بهذا يقدم الناقد الثقافي الجزائري قلولي بن ساعد رؤيته في مقدمة كتابه «أسئلة النص وأسئلة الثقافة/القراءة النصية والقراءة الثقافية».

القراءة النقدية/الاعتبار الموضوعي والتحول المرجعي

يتهيأ قلولي بن ساعد في القسم الأول من كتابه، إلى التعرض إلى الدراسات التي قاربت الإنتاجية النصية، بتعبير كريستيفا من وجهة نظر نقدية نصوصية، بادئا بالأكاديمي السعيد بوطاجين، المشتغل على السرديات، خصوصا السردية الجزائرية، انطلاقا من كتابه «السرد ووهم المرجع»، ويقف بن ساعد عند ما يراه بوطاجين من أن السرد الجزائري بدأ «يستقل شيئا فشيئا عن المفاهيم الغيرية، مكونا بذلك عالمه الخاص»، ومعنى وقوف الناقد عند رؤية بوطاجين، لا يفسره سوى تأكيد خصوصية ما تتعلق بالنص الجزائري، وكانت سببا في إثبات القارئ لــ»تفادي الأشكال السردية الوافدة المهيمنة على مخيال السارد الجزائري»، ويصل في نهاية قراءته إلى أن النص الجزائري تحول في مرجعيته من السبعينيات، حيث «النضال الأيديولوجي والصراع الطبقي والامتلاء بالآخرين وهمومهم»، إلى مرجع «الواقع السياسي والاقتصادي والأمني، الذي عرفته الجزائر بعد أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988». وهكذا تتجلى رؤية بن ساعد النقدية/النصية في تقدير المفاصل القرائية، وتحديد تطور النص الجزائري المتوافق مع تبدلات اللحظة الإنتاجية في مسار الحركة نحو فعل نقدي، يتمثل الاعتبار الموضوعي لقفزة النص، خلال وجودية اجتماعية وفكرية متحولة.

الشعرية ونمط القراءة

في قراءة بن ساعد للنص الشعري، ينفلت من النمط الخطي في تتبع مجريات القصيدة، مهتما بقصيدة النثر، فيصف قصائد نوارة لحرش في مجموعة «كمكان لا يعول عليه»: «في نصوص لا تتوانى في خروجها المتعمد عن الأنساق المكرسة في النص الشعري الجزائري عموما»، فالرؤية النقدية النصية تروم قراءة مقدار التحول في طبيعة الشعرية الجزائرية من حيث الشكل والنسق، ما يعني وفاء بن ساعد لنمط التحليل الثقافي للنصوص وإن طرح في الشكل محاولة القراءة النصية، وهو ما يغلب على هذا الناقد، فهو يعتبر عنوان المجموعة «جاء في سياق ثقافي ميز أجواء المجموعة»، فالمضمون الثقافي يتوافق وقراءة العتبات، حيث تعمق فيها، ومنها وقف عند ثقافية العنوان.
أما في القراءة الثقافية لديوان «الليل كله على طاولتي» لمحمد بن جلول، فيثبت ظاهرة ذاتية، تتعلق بالشاعر في تخليه عن «اسمه الشخصي وهويته المدنية» ليتقمص اسم والده الذي توفي، ولأول وهلة يبدو أن السلوك الممارس فعلا وفائيا لذاكرة الأب، لكن بن ساعد يحفر ثقافيا في الظاهرة الشعرية، متحفزا لقراءة تجلياتها المحيطة بالنص، وقوفا عند أسباب إنتاجياتها، ويقر بأن القراءة الثقافية «لا تعتبر أن فعل التسمية وحمل هوية أدبية جديدة مغايرة تماما لهوية الشاعر المدنية هو فعل محايد»، وبالتالي نصبح أمام ظاهرة نقدية تعتمل في أعماق حفرها النصي، أو الثقافي جذور الإحالات المستميتة لإنجاز معيارية معرفية، تقود النص إلى هوياته المستقرة في الوعي الكوني للظاهرة الثقافية المهتمة بالنصية.

لا يفلت بن ساعد اللحظة القرائية، بدون أن يطرح السؤال المؤرق للوعي النقدي العربي، «هل نملك مدرسة نقدية عربية؟».

المدينة بين عطالة المسار وعدمية الانبثاق:

تستمد كتابات بن ساعد نقديتها من ثقافية عريقة ورصينة، إذ يكرس المفهوم الذي يريد مناقشته عن طريق طرحه من خلال المقولات والمفاهيم، التي سبقها إليه المنظرون، ليصل إلى المعنى الذي يريده، وفي معالجته لموضع «الثقافة» و»المثقف»، يرسم الإطار الإشكالي لهذا الموضوع من خلال «المدينة»، باعتبارها بوتقة حاضنة للوعي والفكر العربيين، التي تتشكل في علاقة المثقف بها كليشيهات الرؤية الحافرة في العمق الأيديولوجي والاجتماعي والعمراني لشكلانية مدينة تتأسس لتستمر ضمن تاريخية معينة بالهوية والسياق، فـ»بالمعنى التاريخي هناك مدن عربية عريقة لا يمكن التغاضي عن إشعاعها الثقافي والعلمي»، إن بن ساعد وهو يثبث هوية المدينة التاريخية، إنما يحاول الوصول إلى فضاء يمكن من إنجاز بصمة كرست أنثربولوجية معينة للموضوع الثقافي، فحين يذكر «قسنطينة/تلمسان/الجزائر/ عنابة/ وهران»، فهو يحدد مجالا ثقافيا أثر في السيرورة الثقافية العالمية بمنظورات الخصوصية الحضارية، لكن ما يؤرقه وكل باحث عربي في أسطيطيقا الثقافة، هو عدم استمرارية هذه الفضاءات التاريخية، في إنتاج القيمة الثقافية إذ تحولت راهنا إلى مجرد «ظلال باهتة لم تعد موجودة إلا بين تجاويف كتب التاريخ والجغرافيا»، وفكرة الظلال المُدُنية، تكشف عمق الأزمة في تحرير الطلائع الثقافية، من خلال الواقع المعيش والتداخلات السوسيو/ثقافية المنتجة للرمز والدلالة المكثفين بالمنجَز والمنجِز، أي بالهويتين المعنوية والواقعية لأثر التفكيك لبنيات حاضرة في الوعي وفي التاريخ، تحملان صورة المثقف الحامل لهما كهوية للحضور. إن ما يغلب حاضرا، حسب رؤية بن ساعد هي «مدن أخرى انبثقت من العدم»، ولعله يكثف دلالة التاريخ والرمزانية المجللة بالعبق والعتاقة التاريخيين، المطلين من شرفات العراقة، حين يصف المدن الحداثية بالعدم، لأن وعي المدينة العربية الكولونيالية وما بعدها، ارتبطت ثقافيا وهندسيا بمكتسبات العمران الاستعماري، وبالضرورة أن هذا الفضاء يعبر عن ثقافته وحضوره الشكلاني والرمزي في التاريخ، وبالتالي يكون أي تماس بين المثقف والمدينة «العدم»، كما سماها بن ساعد هو تماس بين بنيتين متنافرتين، ويكون تبعا لذلك المنتَج هجينا هجنة «العدم» الذي هو تعبير عن ذاك الذي لا يشبه المثقف التاريخي العربي، في ارتباطه بتاريخية المدينة العريقة التي لم تستمر في إنتاجيتها الثقافية.

النقد العربي
وسؤال الإحراج:

لا يفلت بن ساعد اللحظة القرائية، بدون أن يطرح السؤال المؤرق للوعي النقدي العربي، «هل نملك مدرسة نقدية عربية؟». لا يرى «أي تصور لنقد محلي ذي خصوصية عربية»، ثم يعرض للعديد من الآراء، التي تصب في هذا الاتجاه، ومنهم سعيد يقطين وصلاح فضل، لكن السؤال أيضا الملّح الذي يفرض نفسه، هو كيف تتم إنتاجية النظرية النقدية؟ لست أغالي إن قلت إنها تتم عن طريق التراكم، وبالتالي يصبح نفي النظرية النقدية العربية نفيا للتراكم النقدي العربي، الذي يحمل بالضرورة بوادر النظرية، لكن، في ما يبدو لي أن غياب الوعي بالتراكم، هو ما يبتعد بالقراءات المتأملة في التراث النقدي رؤية الأثر النظري في الزخم النصي.
وليس بالسهل الوصول إلى ذلك. إن بن ساعد لا يبتعد عن حنينٍ إلى إثبات النظرية النقدية العربية، وإن كان الجزم الابتدائي يوحي بيأسه المعرفي من ذلك، لأنه يأمل في ظهور من «يعيد لتراثنا البلاغي العربي نبضه الحي»، ويرى أن هذه العملية لو تدور فقط حول «استخراج مضمرات العلامة وحدود فاعليتها الإنتاجية»، ولا أفهم من كلام بن ساعد سوى تلك المخزونات البلاغية، التي تسكن قعر التراث المعرفي النقدي العربي، التي لا تحتاج سوى إلى تحريك سكونها عن طريق وعي نقدي محدد الهدف مسبقا، وقاصدا المناطق المعرفية، التي يمكن أن تؤسس الجذر النقدي العربي السابق وجوده معرفيا ووعيا، لأن نصية العقل العربي تمخضت عن إرث معرفي يشكل هوامش الحركة البحثية، ويسند الإنتاجيات الرؤيوية الحداثية.

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية