«أبعدُ من المسافة وصل»: معرض مشترك في عمّان لثلاثة رسَّامين عرب وثلاث قارَّات بانتظارهم

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

رغم أهمية المعارض الشخصية في رصيد أي فنان تشكيلي إلاَّ ان المعارض المشتركة التي تجمع عددا من الفنانين كل واحد منهم له مساره الخاص في فهم التجربة الفنية، عادة ما يتهيأ فيها مناخ مختلف وجديد لإثارة المقاربات النقدية، كما انها توفر قنوات مهمة للتواصل والحوار بين الفنانين المشاركين، إضافة إلى ان متذوقي الفن التشكيلي سيكونون على موعد خاص ينفتح فيه التلقي على عناصر فنية تستمد حضورها من روافد متنوعة، بالتالي ستضاف إلى المشهد تجارب مختلفة في الرؤى والتقنيات، خاصة إذا ما كان المشاركون يستندون إلى تجربة قائمة على البحث والتجريب والتحرك في منطقة فنية هاجسها القلق والتحول وعدم الارتكان إلى الثبات.

عمَّان أولى المحطات

في هذا السياق افتتح في العاصمة الأردنية عمان يوم الأربعاء التاسع من شباط (فبراير) 2022 على قاعة غاليري بنك القاهرة – عمان فعالية فنية، هي الأولى من نوعها، باعتبارها المحطة الأولى للمعرض المتجول المشترك لثلاثة فنانين عرب: سلمان المالك (قطر)، محمد الجالوس (الأردن)، قاسم الساعدي (العراق /هولندا)، وستكون العاصمة القطرية، الدوحة هي المحطة المقبلة لهذا المعرض ومنها سينتقل إلى مدينتين في هولندا، ومن بعدها إلى مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا ومن ثم إلى المغرب.

مواجهة العزلة

فرادة التجربة في هذا اللقاء الفني المفتوح على ناصية التناغم مع ما تطرحه مضادات الحداثة وما بعدها من أساليب في فهم اللوحة والتجربة الفنية بشكل عام، لابد ان تطرح سؤالا أساسيا: ما الذي جمع ثلاثة فنانين من دول مختلفة في هذه الفعالية؟ ربما الإجابة للوهلة الأولى قد لا تحتاج إلى تفكير طويل إذا ما توقفنا ازاء ما وفَّرته وسائل الاتصال الرقمية من رصيد واسع لاختزال المسافات التي تفصلنا عن بعضنا، ومن هنا وجدنا ان الثلاثة كانوا في زمن العزلة التي فرضتها جائحة كورونا في حالة حوار مفتوح، فكانت مناسبة للانفتاح على الذات والعمل على إعادة صياغة أسئلة جديدة حول التجربة الفنية لكل واحد منهم، بالتالي تم الاتفاق على رسم مشاريع جديدة يلتقون فيها تحت مظلة معارض مشتركة تمردا على العزلة المفروضة، ومن هنا بدأوا مع مطلع هذا العام عازمين على القيام برحلة طويلة الأمد لتقديم عروض فنية تتوزع على ثلاثة غاليريات وفي ثلاثة بلدان: غاليري «CAB» بنك القاهرة -عمان في الأردن، وغاليري «المرخية» في قطر، وغاليري «فرانك فيلكنهاوزن» في هولندا، وفي أجندة الرحلة أيضا، سينتقل المعرض إلى بلدان أخرى في شمال وجنوب أفريقيا. أما عن نقطة انطلاق المشروع فقد كانت قبل أكثر من سنتين، وذلك عندما التقى الثلاثة في السمبوزيوم الذي سبق ان نظمه غاليري «CAB».
في حوارنا مع الفنانين المشاركين وسؤالنا عن الأسباب التي دعت إلى انطلاق هذه التجربة، فقد اتفق الثلاثة وحسب إجابة الفنان قاسم الساعدي على انهم يسعون إلى إعادة ربط خطوط العمل المشترك التي تقطعت بسبب جائحة كورونا، وتحدي تداعيات العزلات المختلفة التي يعيشونها في أماكن متفرقة من العالم.

قوّة الفن

وقد بدا واضحا ان مراهنتهم على الفن تأتي من اعتباره قوة ليس لها حدود في التفاعل والتواصل الإنساني، وبأن للجمال بسالة تغذيها الرؤى الجديدة في تناول الموضوعات، كما للأمل قدرة هائلة على الوقوف بوجه بشاعات الحاضر ومصاعبه. وتأكيداً على فاعلية هذا الهاجس لديهم لفت انتباهنا جملة تصدرت الكتاب الأنيق الذي أصدره غاليري «CAB» بمناسبة إقامة المعرض، تقول: «لم تقف المسافة حائلا دون التواصل». ثم تلتها جملة أخرى لغاليري «المرخية» المساهم في هذا النشاط تقول: «تصدى الفنانون للوحدة بشجاعة، وكثيرا ما خففوا وطأة العزلة والحجر على الآخرين» وبنفس السياق الداعم والمتفائل جاءت جملة ثالثة لغاليري «فرانك فيلكنهاوزن» مؤكدة على أن «الفن لغة عالمية، لغة بلا حواجز، ولكنها مليئة بالتصور والبراعة، هي لغة التقدم والمجتمع والتعاون والصداقة بين الثقافات والناس».

أحلام لها أجنحة

أما الفنانون الثلاثة فقد دونوا كلمة موحدة حول هذا المعرض جاء فيها: «لأن الفن يجمع البصر والبصيرة، بما تدركه الحواس من تجليات الزمان والمكان وما يختلج في الروح من صبوات، فإنَّ له ان يربط بخيوط من ضوء أفق العمل، لكي يمنح الأمل ما يستحق من البهاء. ولأن الفن هو الأكثر إخلاصا للحياة، فإنه يهب البديل الآسر لما تكسَّر من أحلام، وأجنحة جديدة لتلك التي انهكتها الرياح والأنواء، وقد يكون الفنان أكثر عُزلة من ناسكٍ، لكنه وفي كل تأمل وعمل فني جديد يمنح العالم فرصة للدهشة لإعادة اكتشاف العالم، وبشارة لفجر جديد للإنسانية يليق بها وبتطلعاتها نحو الأجمل والأسمى، نحو عالم دونما شقاء». ويضيف الفنانون في كلمتهم «لم يتوقف حلم الإنسان يوما في تحدي المستحيل، وفي بناء أشكال ومضامين جديدة للحضارة، لكن المؤكد هنا؛ ان شرق المتوسط يحفل بتجارب فنية باهرة، تعمل بصبر وأناة، ازاء عزلات أخرى لم تخترها، بل انها تجهد لكي تؤكد ذاتها وقوة حلمها، لتأكيد تلك الحقيقة البسيطة؛ ان الإخلاص لجماليات المكان الأول، سيقود الخطى إلى أماكن أخرى، تتوق هي أيضا إلى معرفة الآخر». ويختتم الفنانون المشاركون كلمتهم مؤكدين على أن «قوة الأمل، هي إحدى الفضائل العظيمة للوحة، وأيضا تحريضها المستمر على إعادة النظر المستمرة في معنى الخير والشر، اليسر والعسر، الشقاء والقسوة، ولأن الرؤية هي شرط الفن المبدع، فإن مجد اللوحة يكمن في قدرتها العظيمة على اكتشاف قارات جديدة للبهجة والجمال. فنانون ثلاثة خبروا أدواتهم الفنية جيدا، وأيضا: أمسى المكان الذي آل إليهم، ارتهانات يومهم، ومنعطف زمانهم، الذي يدركون تحدياته ويرجون اختلافه مع ما سبق».

أسئلة أكثر عمقا

في اللحظات التي سبقت الافتتاح التقينا بالفنان التشكيلي العراقي قاسم الساعدي صاحب التجربة الواسعة في إقامة المعارض الشخصية والمشتركة في أوروبا من بعد ان اختار هولندا مقرا دائما لإقامته قبل أكثر من ثلاثين عاما، وفي معرض إجابته حول آفاق هذه التجربة أشار الساعدي بأن «هذه الفعاليات وحتى في أفضل حالات نجاحها، تظل بحاجة دائمة إلى الجدل، لإعادة اكتشاف نفسها»، وأضاف قائلا بأن «ليس أفضل من ورشة العمل المشترك للوصول إلى أسئلة أكثر عمقا لأجوبة تتعلق بطبيعة فهم التجربة الفنية، وهي ذاتها لم تكف عن إنتاج أسئلة جديدة طالما الفنان مستمر بالعمل والإنتاج وعدم الانكفاء على ما توصل إليه من أساليب، وان عزلة الفنان المقدسة بحاجة مُلحة إلى نوافذ لاستقبال المزيد من الهواء والضوء». جدير بالإشارة ان تجربة الساعدي زاخرة بالتنوع وهذا يعود إلى انه حط الرحال في بلدان مختلفة الثقافات توزعت على ثلاث قارات، ورغم انه كان يجد مشقة في الترحال لانه كان دائما ما يبدأ من الصفر، إلاَّ ان ذلك جعله في حالة تجاوز دائم لذاته الفنية.

حوار متواصل

بالعودة للحديث عن المعرض والأسباب التي دعته إلى ان يلتقي بالفنانين محمد الجالوس وسلمان المالك، أشار الساعدي إلى انه التقى بالفنان الأردني الجالوس منذ ما يقرب الثلاثين عاما، وقد تخلل ذلك الكثير من العمل في ورشات مشتركة، والأهم من ذلك التواصل معه بحوار مستمر لم ينقطع أبدا، وبقدر ما كانا يختلفان في الكثير من القناعات بقدر ما كانت لديهما نقاط مشتركة خاصة في ما يتعلق بالمشاريع المستقبلية التي يتطلعان إلى إنجازها، وذات الأمر وجده مع الفنان القَطري سلمان المالك، عندما التقيا أثناء سمبوزيوم الرسم الذي نظمه غاليري «CAB» في العاصمة الأردنية عمان منذ عدة سنوات؛ وكان من نتيجة ذلك اللقاء انه وفر لكليهما أرضية مشتركة للعمل على رسم خطوات أبعد ثم أبعد، و«معرضنا اليوم في عمان بعض من تجليات عملنا المشترك الذي اتفقنا عليه. ولابد لي من الإشارة إلى ان كل واحد منا قدم في هذا المعرض ما يصل إلى عشرين عملا وسننتقل بعد عمان إلى بلدان أخرى في قارات، آسيا وآفريقيا وأوروبا».

مصادر الإلهام

المعرض جاء تحت عنوان «أبعد من المسافة وصل» وهذا يعني ان المشاركين قد اتفقوا على فكرة محددة ينبغي الاشتغال عليها أثناء فترة التحضير، إلاَّ أن الساعدي استبعد هذا التأويل وأوضح لنا بأن «الحوار المفتوح والعمل المشترك، قد فتح نوافذ مراسلنا على بعضها، إضافة إلى السفر واكتشاف جماليات الأماكن والضوء والإيقاع البصري لهذا المكان أو ذاك، لأن الإلهام الفني يأتي من مصادر كثيرة جدا ومختلفة؛ حجرٌ هنا، ظلُّ نخلةٍ هناك، مقامات بصرية ترشح من ذاكرة الأماكن والناس»، ثم استدرك قائلا «كنا اليوم نتجول في فضاء قلعة عمَّان والتي زرتها لأول مرة، وكذلك زميلاي من قطر وهولندا، حقيقة وجدته مشهدا بانوراميا هائلا، متعدد الزوايا والمنحنيات؛ ما بين حجر وآخر يُلقي أولاد وبنات كانوا يقومون برحلات مدرسية، بعضا من أصواتهم وأحلامهم ودهشاتهم الصغيرة، ما بين أعمدة رومانية تشهق في السماء، وتمدُّ بظلها ما بين العصور، كل ذلك منحنا فرصة عظيمة لاستشفاف المكان، والتعرف على العناصر التي تتنفس خلالها أعمال صديقنا الأردني الفنان الجالوس؛ الذي هو ابن المكان والمعبِّر عن جمالياته، ومن ذلك نستطيع ان نفهم الفن والفنان والناس، وان نحمل معنا بعد ذلك بعضا مما اكتشفناه من جماليات المكان، أليس ذلك بعضا من جواهر الفن التي تتوارى خلف مفردات العمل الفني؟».
إن أي لقاء فني يجمع عددا محدودا من الفنانين تحت ظل عنوان مشترك مثل هذا المعرض لابد من ان تكون له مسوغات فنية وفكرية تدعمه، وعن هذا التساؤل يجيب الساعدي بأن «هذا يعود إلى إننا التقينا وتحدثنا كثيرا باعتبارنا شركاء حلم وعمل وبإطار مفتوح، ولكل منا حرية اقتراح فنان آخر نعتقد بانه سيدفع بالحوار وبروحية العمل المشترك لمسافة أبعد وأكثر عمقًا، وهذا يعني ان المجموعة ستستضيف أو تضيف إلى نفسها فنانا من المكان الجديد الذي ستتوجه إليه في الخطوات اللاحقة، ويمكن لأي منا ان يفتح نوافذ للعمل مع فنانين آخرين في أماكن أخرى، ورشة أخرى وأخرى وهكذا»، ويضيف الساعدي بهذا الإطار «ثمة قارات للجمال لم تكتشف بعد، فنحن نعتقد بأن روحية ورشة العمل، وتبادل زوايا النظر للأشياء، ستتيح لنا ان نمد البصر أعلى وأبعد، ونحو الذي هو أكثر عمقا، وفي كل ذلك ثمة متعة عظيمة، أليس كذلك؟ فالرسم من وجهة نظرنا ليس مواد توضع إلى جنب بعضها حسب مواصفات طبخة سرية، والفن عموما وليس الرسم فقط، ابن الحياة المخلص لأسئلتها العظيمة، والإخلاص للحياة هو اليقين المفضي إلى أكثر الاكتشافات الإنسانية جمالا، وهنا تبدأ الطريق من المرسم وإليه».
قبل ان نغادر المعرض أكَّد لنا الساعدي بأن الفنانين الثلاثة يعتمدون على امكانياتهم الخاصة، وعلى شراكة عمل مع ثلاثة غاليريات: غاليري»CAB» عمان/الأردن، غاليري «المرخية» الدوحة/قطر، غاليري «فرانك فيلكنهاوزن» في مدينتي زيست وايندهوفن في هولندا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية