في الوقت الذي نسمع فيه تحريفا للحقائق التي يراها الناس بالعين المجردة في وضح النهار، وكتابة أساطير وخزعبلات لأشباه الكتاب، والترويح لها عبر وسائل الإعلام المختلفة ‘سيما الفضائيات والصحف ودور النشر’ والجعل من مجاهيل ومن وشاة ظاهرة اعلامية …نسمع خبر رحيل واحد من أعلام الجزائر في العصر الحديث- المؤرخ الدكتور أبو القاسم سعد الله. ربما منكم من لا يعرفه سيما من شباب ناس ملاح سيتي ودزاير ميوزيك ولذلك يمكن لأحدكم أن يستعين بمحركات البحث للإطلالة على سجله والدراسات والأبحاث التي قدمها والمجلدات التي كتبها سواء عن تاريخ الجزائر والحركة الوطنية أو عن الثقافة والشعر أو حتى ترجمات لكتاب مشاهير. كان الراحل أبو القاسم سعد الله رحمه الله يعمل بعيداعن وسائل الإعلام وترك من ورائه كتبا ومراجع ستتناقلها الأجيال الواعية وستذكره في المناسبات والمحافل بلا ريب. لقد رفض المسؤولية والاستوزار وفضل أن يبقى أستاذا في الجامعة ومؤرخا وباحثا لأن هدفه لم يكن الشهرة ولا البحث عن الأضواء والريع المنته، بل كان رجلا يحمل قضية وطنية ويعمل لها من خلال تربية النشء ، وهو موقن بأن ما يزرعه سيتم قطافه ولو بعد حين. كان يعلم أن المناصب زائلة وأن الماديات ربما سيتركها للورثة فيتشاجرون عنها فقرر أن يورث علما نافعا يذكره من بعده ويجده يوم لا ينفع مال ولا بنون. لقد خسرت الجزائر برحيله رجلا ليس ككل الرجال ومن الصعب تعويضه في هذا الوقت التعيس الذي طغت فيه المادة على المبدأ وأصبح كثير من الكتاب همهم بطونهم وفروجهم. لقد مات جسديا وسيوارى جثمانه في التراب ولكن أعماله ستبقى خالدة في ذاكرة الجزائريين، تشهد له مثلما شهدت لمن قبله من أعلام رجال الجزائر، ابن باديس، الابراهيمي، الميلي، الفضيل الورتلاني … نم قرير العين يا سعد الله فعملك محفوظ ورسالتك وصلت الى من كنت تخاطبهم، وسيحمل أعباءها من بعدك رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع وسيحققون حلمك وحلم من سبقوك، وستنعم الجزائر آجلا أو عاجلا بدولة العدل والحق والقانون وساعتها سيصل طلبتك الى مراكز القرار وتسود الثقافة الجزائرية الأصيلة في بيئة من التآخي والتسامح وسيطردون الرداءة ويؤسسون للأجيال القادمة أسس المروءة والوفاء والأصالة. نم قرير العين يا سعد الله فالجزائر التي أنجبت بن باديس وابن مهيدي لم تعقر بل لا تزال ولودا حتى ولو أصابها الرمد. ستمسح دموعها وستزهو يوما لامحالة، فدماء الشهداء وحبر العلماء وبكاء اليتامى وأنين المعذبين وآهات المساجين المظلومين لن تذهب سدى. تعازينا الخالصة لعائلتك الكريمة في وادي سوف وفي كل مكان والى أقاربك ومحبيك ولتحيا يا سعد الله ماحيت الجزائر. نورالدين خبابة