أثر التفكير الديناصوري على المستقبل السياسي لمصر!

الحياة على ‘الكوكب المصري’ لا تختلف كثيرا عما يدور في الفضاء العربي الإسلامي؛ حياة بلا قانون يضبط قواعدها الاجتماعية والسياسية والإنسانية والأخلاقية، فعادت لبدائيتها الأولى في فجر التاريخ، وأخطر ما في اللاقانون هو الفوضى وزيادة معدل الاستبداد والفساد والتبعية، وقد أضيف إلى هذه المنظومة الثلاثية عنصر رابع هو التسول والاستجداء، والعمل بمبدأ مد اليد لكل من هب ودب، في مشهد لأكبر عملية تفريط مرت بمصر؛ تفريط في المبادئ والشعب والتاريخ والثقافة والتراث والأرض والماء والهواء.
والمتحكمون في ‘الكوكب المصري’ في صدام مستمر ومتصل مع البشر والحجر والتاريخ، وأسلحتهم مصوبة لكل الجبهات، وما نجم عن ذلك الصدام حال دون التفكير خارج ‘صندوق’ الطائفة والمذهب، فتصرفوا مثل ‘ديناصور بدائي’ برأس صغيرة وجسم ضخم، فالرأس الصغيرة لا تسعف بطاقة ذهنية وعقلية تكفي لتحريك جسد ضخم وتمده بقوة لازمة للمقاومة والبقاء، وذلك أعجزه عن التكيف وحد من قدرته على البقاء، إلى أن انقرض ذلك المخلوق، ولم يترك إلا بقايا هياكل عظمية وحجرية؛ معلنة عن وجوده البدائي على الأرض؛ يراها الناس في المتاحف، ويبحث عنها العلماء في الحفريات.
ولأن ذلك المخلوق البدائي لم يكن قادرا على التكيف وغير مؤهل للتغلب على التحديات، اصطدم بكل ما يحيطه ويحتك به؛ فأدمى جسده وأضحى غير قادر على الاستمرار، وصار أثرا بعد عين. والسياسة على سطح ‘الكوكب المصري’ تخضع لأنماط ديناصورية عاجزة عن إنتاج أفكار وقواعد ومخططات تستجيب للطموحات المشروعة، وتلبي الحاجات الطبيعية، وحكام هذا العصر البدائي عادوا بالدولة إلى ما قبل الوحدة الجغرافية والسياسية، ففصموا عراها وشقوها، وإلى حقبة ما قبل التوحيد الديني، فأعادوا الناس إلى عبادة الفرعون، وتقديس كهنته، وما عداهم هم في منزلة بين العبيد والشياطين، وبين مطرقة الفرعون وتقديس الكهنة، وسندان العبيد والشياطين غابت العلاقة السوية بين الحاكم والمحكوم، فاصطدم الحكم الديناصوري بالجميع وبدأ يفقد قدرته وطاقته التي تمده بأسباب الحياة.
ومن سمات كوكب من هذا النوع مقاومته العبثية لمقومات الحياة السليمة؛ المشروطة بالتعاون على ‘البر والتقوى’، وليس التعاون على ‘الإثم والعدوان’، والحياة الحقة تصان وتبقى بالتعاون من أجل تلبية الاحتياجات وتوفير الأمن والأمان، على قواعد العدل والمساواة، وهي سمات شاذة؛ لا علاقة لها بمصلحة أو منطق أو دين. ففي معركة كسر القضاء وإسقاط هيبة القضاة؛ الجارية تحت ذريعة ‘التطهير’ تم ربط الفساد بالسن، وليس بالجرم أو بسلامة التقاضي من عدمه، ومدى مطابقته للقوانين المعمول بها؛ فعدم سلامة القانون الذي يحكم على أساسه القاضي لا تعني فساد القاضي ولا تدينه، والمدان هو المشرع واضع القانون، ومعاقبة قضاة تجاوزوا سن الستين لا يستقيم بعد اكتشاف فساد وانحراف المشرع وليس القاضي، وإخضاع التطهير لمشرع صاحب هوى إدانة له وحكم على مشرع جديد يسعى لإصدار قانون السلطة القضائية بالانحراف وعدم الصلاحية.
في نفس الوقت يعمل حكام ذلك الكوكب على الحصول من فلول حكم مبارك على نصيب الأسد من ثرواتهم وممتلكاتهم، ويتفاوضون معهم لعقد صفقات مشبوهة يتنازلون بموجبها عن جزء كبير مما سُلب ونُهب لحساب وجيوب ديناصورات المال، ويطلبون بنصف ما نهب لأنفسهم مقابل عفو رئاسي ممهور بتوقيع محمد مرسي، وبهذا يشاركونهم ما نهبوا، وهذا لا يمت بصلة لا للدين أو العدل أو الحكم الرشيد أو الثورة، ولا يعدو أن يكون استبدال فساد بفساد ونهبا بنهب.
وإذا كانت مصر على مدى العقود الأربعة الماضية قد غرقت في الفساد حتى لم يعد هناك مجال لم يمسسه ذلك الفساد الممنهج، وهو ما كان يستوجب إجراءات محاسبة حقيقية، بدون اقتسام حصيلة النهب مع الناهبين، ومن غير تصفية الحساب مع الدولة وإسقاط مؤسساتها وسلب سلطاتها، وذلك بإعمال مبدأ العدالة الانتقالية؛ واتخاذ التدابير القضائية والقانونية اللازمة لمعالجة الموروث من انتهاكات سياسية وقانونية وإنسانية جسيمة، وإصدار تشريعات خاصة تمكن السلطات الثورية من ملاحقة المفسدين والمنحرفين والقتلة، ووضع خطط وبرامج تداوي المضار وتطهر المؤسسات وتعيد بناءها على أسس نزيهة وسليمة.
ومصر تعاني من آثار تربية منحرفة لحملة الفكر الديناصوري، وعماد هذه التربية إنكار الثوابت الوطنية وطمس الذاكرة التاريخية وإهمال القيم التي قام عليها التماسك الاجتماعي والإجماع الوطني، وكلها من ضرورات تعزيز الوحدة السياسية للأرض والمحافظة على كرامة الشعب. وليس هناك من يعلم بالضبط أسرار تلك التربية، التي تسمح بالاجتراء على كل شيء؛ من الإفتاء في الدين بلا دراية أو دراسة، وترديد ما يهين الوطن ويزدري العقل ويدين العلم ويحقر من الإنسان الذي نزلت رسالات السماء لتحريره وتكريمه، ويعمل على إخضاع الناس لعبودية الحاكم وليس القبول بعبودية لله.
إنه العجز الذي أفقد الثقة بالنفس وبالشعب، فتفشى الانتقام من الجميع، والحاكم الذي يقيم سياسته على الانتقام إنما ينتقم من نفسه قبل غيره، والانشغال بالعدوان على الخصوم وبث الفرقة والقتل ينعكس على أشكال المسؤولين وسيماهم؛ فهم في عبوس دائم، ويحملون مشاعر متحجرة، ويظهرون بوجوه مكفهرة عليها غبرة. وتعرفهم بسيماهم وقسوة ملامحهم ووحشتها، وأضحى ذلك درسا في التعرف على نتاج التربية الطائفية والمذهبية، القائمة على بث الكراهية والعدوان. ومفسرا لسر استحلال الكذب والعنف والقتل.
ويلعب المال السياسي والنشاط الاقتصادي الأسود والتهريب، خاصة تهريب الآثار دورا خطيرا في تمويل الحشد والصرف على المليشيات المسلحة، بكل ما له من أثر على تأجيل تفاقم الأزمة الاقتصادية، ومن ينتظرون ثورة الجياع قد يطول بهم الانتظار، فهم ينالون نصيبهم من المال السياسي (الطائفي والمذهبي). وتنعكس مظاهر الثراء غير المشروع المتعددة في اغتصاب الأراضي الزراعية والصحراوية؛ العامة والخاصة، وبناء المساكن العشوائية والأبراج الشاهقة، بدون رقابة أو مواصفات سليمة، والبناء لا يتوقف والمعروض منه في سوق العقارات كبير جدا، ورغم ذلك لا ينخفض سعره شراء أو إيجارا، وقد سألت صهر ابني السلفي عن أحوال السوق لكونه رجل أعمال في مجال البناء والتعمير، ففوجئت به يحدثني عن زيادة تتجاوز 30′ عما كان عليه الوضع قبل الثورة. هذا معناه تناقض الحياة بين دولة مفلسة وأكداس من المال الأسود، ونشاطاته واضحة في مجالات عديدة؛ فبجانب البناء العشوائي وغير القانوني تنتشر تجارة السلاح، وتهريب وتعاطي المخدرات والدعارة والاتجار في البشر والتسول، وكلها موارد لا تصب في المصارف أو القنوات المشروعة، ومن هذا نفهم تحريم التعامل مع المصارف وبيوت المال المشروعة، ويبدو أنه للتغطية على مصادر الثروات المجهولة المغذية للعنف والممولة للفوضى والإرهاب، فضلا عن نشاط محموم في مجال تهريب الآثار؛ شراكة بين ‘أمراء’ جماعات طائفية ومذهبية وعصابات محلية ودولية متخصصة، استطاعت نهب أكبر قدر من كنوز مصر الأثرية والتاريخية خلال السنتين الماضيتين، بمعدل لم يحدث على مدى تاريخها.
وما نراه من تسول لطلب المعونات والقروض هو لتبرير التصفيات الجارية لبيع ما تبقى من أصول مملوكة للمجتمع والدولة، وقد أستؤنف الحديث مجددا عن بيع أجهزة الصحافة والإعلام العامة، المملوكة للشعب، وكأنها بلا صاحب، وبدأت عيون المتربصين تتجه نحو مجمع الإذاعات الداخلية والموجهة والقنوات المحلية والفضائية، وهو المجمع الأكبر في المنطقة، ويقع على ضفاف النيل بمنطقة ماسبيرو.
وبهذه المناسبة لم نسمع يوما أن الحكومة البريطانية باعت هيئة البث البريطانية (بي بي سي) بمنظومتها المسموعة والمرئية؛ المحلية والفضائية والالكترونية العملاقة؛ لم نسمع بذلك في أي عصر أو تحت حكم محافظ أو عمالي، والعروض المقدمة لمصر من كبرى احتكارات الإعلام والصحافة العربية والغربية والصهيونية، وبدأت المعلومات تتسرب عن مخطط بيع مؤسسات صحافية كبرى (مؤسسة الأهرام – مؤسسة الأخبار – دار التحرير وتصدر عنها صحيفة الجمهورية وشقيقاتها – دار الهلال – مؤسسة روز اليوسف – دار المعارف) بحجة الخسائر المعتادة التي بيع بمقتضاها القطاع العام، بدلا من تغيير وتطهير نظمه الإدارية والمالية القاصرة.
ومن يفعل كل ذلك من المتوقع أن يقدم على كل ما هو شاذ وأحمق، وإذا صح ما نعلم من تسريبات عن اغتيالات متوقعة لناشطين وثوريين ورموز معارضة ومخالفين لرأي ديناصورات مصر؛ إذا صحت فسوف تكون كارثة بكل المعايير ونأمل أن تجد هذه التسريبات من ينفي صحتها، مع ثقتنا الكاملة في مصادرها.
ويطلب البعض منا أن نعطي أهل الحكم فرصة ثم نحاسبهم بعد إنهاء السنوات الأربع المقررة لبقاء مرسي في الحكم، وهؤلاء لم يتابعوا ما كتبناه في صحيفة ‘القدس العربي’ وغيرها، وحتى قبل صدور هذه الصحيفة الفدائية كان كاتب هذه السطور ثاني اثنين طالبا بالمصالحة التاريخية بين التيارين القومي والإسلامي مبكرا في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وحصلت على حصتي من الهجوم، وتحملت نصيبي من المساهمة في صمت، ومن يريد التأكد فليطالع أرشيف مجلة ‘الموقف العربي’ القاهرية، وقبلها صحيفة ‘الناصرية’ اللندنية، وانتهاء بصحيفة ‘القدس العربي’، ومنذ مطلع تسعينات القرن الماضي اضطلع ‘المؤتمر القومي العربي’ بدور رائد في الجمع بين التيارين، وكذلك حاول ‘المؤتمر القومي الإسلامي’.
وفور وصول الإسلام السياسي الى مقاعد الحكم قلب للجميع ظهر المِجَن، ولعب الجهد المبذول من ‘قوميين عرب’ دورا في تحسين صورة الإسلام السياسي، لكنه عاد لسيرته الأولى، وثبت أن النزوع الطائفي والمذهبي بداخله أقوى من مقتضيات التعاون والعمل المشترك، ولو بقيت العلاقة لأنتجت تجربة تتسع لكل القوى الوطنية والثورية، ولم يكن ممكنا حصرها في ‘غيتو’ طائفي ومذهبي خانق، صار عبئا على الدين والدنيا، ومن يريد الاستقامة فعليه أن يعطي الفرصة لنفسه بدلا من استجدائها من الغير؛ أعطوه أو منعوه.!!

‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية