في ديوانه «أثقل من جبل يتمشّى» يشتغل محمد البديوي على ثيمات أو توجهات عديدة، ولعل أهمها يتمثل في ثيمة الاغتراب الذي تشكل نتيجة للفقد والهزائم على مستويات عديدة، ولا يتوقف الاغتراب في النصوص الشعرية عند حدود الاغتراب المكاني وصناعة نسق مقاوم من خلال تأسيس ذاكرة حية مستمرة، بل يتعدّى إلى غربة روحية وجودية في نصوص ليست قليلة. وإذا كانت الغربة مكانية أو وجودية فإن نتائجها تتجلى في إحداث شعور بالاختلاف في قصائد الديوان، ولهذا نجد أن هناك تبئبرا وتركيزا واضحا على فكرة النبوة، وما يتجاوب معها من الحلم بإمكانية الفعل والتغيير.
في هذا الديوان على صغر حجمه تتعدد مستويات الفقد، وهذا الفقد يولّد روحا معذّبة، ويتأسس ذلك الفقد كما تجلّى في نصوص الديوان من تلاشي الآمال الكبرى التي آمنت بها الذات وبإمكانية وجودها وتحققها، سواء على المستوى الفردي في تجليات الفرد الذاتي، أو على المستوى الجمعي، في تأمل الحال التي انتهت إليها الثورة، وما ارتبط بها من آمال كبرى. وفيه تبدو- نتيجة لذلك- حالة السأم واضحة، وذلك من خلال الإشارات التي تكشف عن الإبدالات العديدة التي صنعتها تلك الحالة، وفي تصوير هذه الإبدالات ينسرب النص الشعري إلى صور أقرب إلى العجائبية أو الغرائبية، وكأنه- أي النص الشعري- بهذا التوجه يشير إلى غرابة النتيجة، فيعريها من واقعيتها بهذا التضخيم العجائبي بوصفها وجودا واستمرارا لشيء يندّ عن التصور الواقعي والاحتمال والتفسير.
تتجلى فكرة النبوة في قصائد عديدة، خاصة في القصائد التي ترتبط بتأطير حدود الشاعر، وهي في ذلك الإطار تأتي مملوءة بالقدرة على الفعل، ومشحونة بالقداسة والاختلاف، وهي فكرة رومانسية في الأساس، وإن أخذت مناحي كثيرة، خاصة عند سعدي يوسف، فلم يعد الشاعر في تشكيله مملوءا بالقداسة، بقدر ارتباطه بفكرة الصراع مع الواقع على تعدد أشكاله. وتجلت فكرة النبوة والفاعلية في قصائد الثورة، سواء كانت مرتبطة بالثورة على أنها إحداث لخلق جديد، وبداية جديدة، أو في تصوير الحاكم حين يتعاظم على وجوده البشري فيأتي ملتحما بالنبوة والألوهية، وإن كان ذلك التصوير يأخذ مسوحا من السخرية والتهكم والانتقاص.
تظهر في نصوص الديوان بشكل لافت مسحة غنائية، تطغى في بعض النصوص، وتبدو خافتة في نصوص أخرى، وهي في الأساس انتصار للذات ولعالمها الخاص في مقابل العالم، وانتصار للفردية والواحدية في مقابل التعدد، هي نوع من اليقين بفرادة الرؤية، واختلاف المقاربة.
الحزم الدلالية والثيمات
تتعدد في الديوان الثيمات والحزم الدلالية، ويأتي في مقدمة هذه الثيمات ثيمة الاغتراب التي يمكن أن تكون الثيمة الأساس في توليد وتكوين الثيمات الأخرى المرتبطة بها، فهي تتجلى وكأنها الخلفية التي تشكل الكون الشعري في الديوان، فالقارئ يدركها مع كل السمات الأخرى بوصفها مسببة لها وناتجة عنها في الآن ذاته، وأي تناول للثيمات الأخرى تناول وتكريس لحضورها. في بعض النصوص هناك تجلّ لهذا الاغتراب، ونرى الذات في محاولاتها المضنية للوصول إلى حالة انسجام جزئي يهدهد غربة الروح.
في نص (المهاجر) تتشكل غربة الفرد أو الذات داخل حضور المجموع، وتحاول الذات إقامة اتصال مع الخارج من خلال الاستناد إلى بعض الوسائل الناجعة في ذلك، فحين يقول: (رفعت ضحكتي الرقيعة/ شمّني الرجل الغريب/ فلم يميّز غير رائحة البخو/ فسرقت بعض هدوئه/ ووقفت أحكي للجميع عن المهاجر) يشعر المتلقي أن الرائحة – وهي رائحة وثيقة الصلة بالوطن – تؤدي دورها في خلخلة وإزالة هذه الحال من الاغتراب، وخلق مساحة من التواصل مع المجموع من خلال فعل الحكي.
وإذا كانت مساحات التداخل بين نص البديوي ونص سعدي يوسف كبيرة، كما ظهر في الجزئية السابقة، فإن ذلك يظهر في جزئيات أخرى، مثل التعبير عن الجزئيات المشتركة، أو تأثيره وحضوره في لحظة الدفء بينه وبين فتاته في قوله: (أحيانا يقترض قميصي/ يمسك كف فتاتي/ يمنحها الذروة/ ثم يبص ويغمز)، أو في الصور الكاشفة عن الصراع والهيمنة: (أحيانا يقترض ذراعي/ يمنحها شكل السيف ويقتلني/ مرضي مجنون لا أعرفه/ لا يعرفني)، ومن خلال هذا الصراع لإثبات الفاعلية تتشكل القداسة والهيمنة. وبالرغم من هذا التماس الواضح في جزئيات عديدة مع نص سعدي يوسف إلا أن هناك إضاءات لمناح شعرية، وصور بها الكثير من الجدة، مثل اعتبار الشعر مرضا في انفتاحه على البعد عن الطريق المعبدة والمؤسسة بسلوك عام خاضع لسلطة النسق، إلى مساحة للخروج والتجذر في نسق مباين.
ومن الثيمات التي ترتبط بثيمة الغربة والفقد، وتشكل جزءا أو سببا من الإحساس بالاغتراب ثيمة المرأة النموذج أو المثال، وهي تلحّ في نصوص الديوان مزدانة بالطفولة، وهذا يشدها إلى البراءة أولا، وإلى ابتعادها عن التحديد الزمني العادي مثل البشر، فلا يعتورها أو يصيبها ما يصيب البشر العاديين. ففي نصوص (إصبعها تمسك الريح)، و (هل تخبرنا الريح بمأوى؟)، و(نورا) يتكشّف للقارئ أن هذا الترتيب المتوالي ليس عاريا من الدلالة والقيمة، لأنها بهذا التجاور صنعت إطارا للمثال الأنثوي وحركته ووجوده الحي وتحولات دلالالته، ومساحة فاعليته التي لا تتأثر بمرور الزمن، فيستمر على قداسته، وعلى طفولته التي لا تشيخ.
القارئ للنصوص الثلاثة سوف يكتشف أنها متكاملة تبدأ من الميلاد والمعرفة، فالنص الأول (إصبعها تمسك بالريح) يرتد بنا إلى البدايات الأولى وبدايات الخلق وأسطورة نصف الكرة التي تبحث عن نصفها الآخر. فذكر الشيوخ الصوفيين، والشيخ الذي يترقّب ليس عاريا من الدلالة في إسدال مشروعية لهذا الفهم، بالإضافة إلى ارتباطها بالريح وخروجها عن المألوف، في مقابلها الطفل الذي يتحرّك بالريح، فيبدأ اللقاء ويتجلى الاكتمال (يمرّ بطيئا ولد يحمل في عينيه الريح- الريح هنا- والريح هنا- يلتقيان ويقتتلان- كان الشارع يبدأ من قدميه- فصار الشارع يبدأ من عينيها).
تأتي الثيمة الأخيرة في ثيمة الثورة، بداية من الإحساس بالميلاد الجديد في تولّدها وانتهاء بالاغتراب الروحي الذي يرافق نهايتها. ففي نص (ماذا ينقصني؟) يؤسس النص توازيا بين البشر والطير والحياة في مقابل الكاذبين والأفاكين والأضرحة، فالثورة تأتي من خلال طائر حرّ لم يستجب لقول الكاذبين عن الحرية واستحالة وجودها. وإقامة التبدلات أو الإحالات بين الطير والبشر له وجود لافت في تلقي النص، خاصة أن الطيور في كثير من الخرافات والأساطير تقع في مساحة وسطى بين البشر والعوالم الإلهية وفوق الطبيعية، ففي قصص الخلق القديمة هناك إشارة إلى أنه بعد انتهاء العماء كان الإله الأول، وقد ظهر على هيئة طائر.
فاعلية الغياب والمبالغة التهكمية
في الديوان استناد إلى آليات فنية لتأسيس وبناء الشعرية، ولعل أهمها يتمثل في حضور الغياب في نصوص كثيرة ليمارس دوره في تجلية المراقبة والتمثيل بعيدا عن صوت الذات الذي لا يتجلى في ظل الغياب بشكل مباشر، وإنما من خلال التسرب الذي يشعر به المتلقي داخل هيمنة الغياب. في نص (في منتصف الليل) هناك وجهان لا يتجليان إلا في ظل هيمنة ضمير الغائب في كشفه عن وجهين: الأول منهما الوجه الذي يلصقه في فترة العمل، كأنه قناع مصنوع، ويرتبط بالوسامة والذكاء وفق محددات السياق والتواصل النمطي داخل إطار ما. وإلصاق هذا الوجه أو القناع يغيّب الذاتي والفردي من خلال هذ التسييج المصنوع.
ولكن تقنية الغياب تفتح الباب لهذا الوجه المتواري الكاشف عن حرية الفعل، دون محددات سابقة التجهيز، وهي أفعال تبدأ من تطويح الساعة والبذلة، مرورا بجريه في منتصف الشارع، وانتهاء بخطبته في البار عن الدين أو القهوة أو الخونة أو الأزياء. ولكن دال الموت الذي يتكرر مع الأقسام الثلاثة الموزعة السابقة ينقلنا من الغربة المكانية إلى الغربة الوجودية المحسومة بالنقصان والنهاية. فأفعال الحرية الذاتية التي تأتي ضد الآلية التي يفرق منها، لم تفلح في زحزحة الاغتراب المكاني، بل أحالته إلى غربة وجودية أشد وطأة وتأثيرا.
ونصوص محمد البديوي معظمها نصوص قصيرة، لا مساحة فيها للفائض اللفظي، وهناك نصوص كثيرة تنتهج عملية التصفية اللفظية، فلا يتبقى إلا ألفاظ في موضعها، فالقصر آلية وعي بحدود القصيدة في بنيتها المكتنزة، وهي غالبا بنية محددة بإطار فكري وحيد، في رصدها لحالة أو لفعل أو لحدث للسارد في لحظة من لحظات المراقبة والمساءلة. ففي النص السابق لا حضور للذات بشكل مباشر، ولكنْ هناك حضور للذات في موضع الرصد، وليس هناك أصدق من أن تقدم الذات مقاربة لنفسها، وهي منفصلة عنها. وهذا يتيح الفرصة للوجه المتواري غير الرسمي أن يتجلى كاشفا عن حريته بعيدا عن الوجه الملصق الذي تضعه الذات اتساقا مع سياق عام، أو ارتباطا بآلية مهيمنة تفرض أطرها على الجميع.
استخدام ضمير الغياب في النص الشعري يكشف عن الجانب المقموع، ويعرّي المخبوء الباطني المترسب الذي لا يظهر بسهولة، وهذا مباين لاستخدام ضمير المخاطب ضميرا ساردا في نصوص أخرى. فالخطاب الشعري في نصه (البيت يضيق عليك) ليس خطاب تعرية أو كشف أو انفصال كما رأينا في سرد الغياب، وإنما خطاب توحّد ومشاركة، وكأن ضمير المخاطب- نظرا لوجود مخاطبة الذات- يوجد نوعا من المشاركة. النص يمكن تلقيه في إطار مساحة الاغتراب جهيرة الوجود في الديوان. ففي بداية النص هناك استناد إلى الذكرى، ليس بوصفها عودة للماضي، ولكن بوصفها أداة من أدوات الاستقواء.
في نصوص أخرى من الديوان نجد أن هناك انفتاحا على العجائبي والغريب، ففي بعض النصوص – بالرغم من بساطة التركيب الشعري- هناك صور وثيقة الصلة بالعوالم السريالية، تقتضي وقفة طويلة من المتلقي لتأملها وتأويلها. فقصيدة (إلى الفراغ) – بالرغم من تقسيمها التركيبي المنظّم من الجزئي إلى الكلي بداية من النافذة إلى الغرفة وانتهاء بالشقة مع إثبات ياء الملكية للأخيرة – يكشف بناؤها الشعري عن رؤى كابوسية، فالنافذة في سقوطها على المارين تحدثهم عن العفن والبومة النائمة والأصوات البذيئة والنساء السكارى. وفي قفزة الغرفة إلى الشقة المجاورة هناك كشف عن غياب طفلة، وحضور لعنة تأكل العيون.
وينفتح التأويل ويتعدد لدلالة الطفلة التي تتأسس لها دلالة إيجابية، خاصة في مقابل ظواهر لعنتها المرتبطة بصور سلبية، من خلال الماء الذي يفيض من دورات المياه، ويلعقه البشر. وتأتي القفزة الأخيرة (تقفز شقتي) لتؤسس تمددا للعنة السلبية السابقة من خلال صورة تلتحم بالعجائبي والسريالي، في تحذيرها من العصائر المعلبة التي تأتي من رجل لم يستحم من عام. قد يرى بعض القراء في النص أبعادا أكبر من البعد الذاتي الفردي، ولكنّ هناك ألفاظا تحتم وتؤكد مشروعية التلقي القائم على معاينة الاغتراب الذاتي، وذلك من خلال السطر الأخير (يقفز قلبي إلى الفراغ)، بالإضافة إلى التوازي أو التناظر بين الجزئي والكتلة الكلية، المرتبطة بياء المتكلم، وتكرار (اللعينة)، و(اللعنة) التي تركتها الطفلة، والتقابل بين القفزات الثلاث التي تشكل الإطار المحيط بالذات والقفزة الأخيرة إلى الفراغ بوصفها ردة فعل الذات لمجابهة هذا الفراغ المطبق، يدلل على ذلك أن النافذة والشباك في هذا الديوان لها وظيفة انفتاح على الداخل، وليس إلى الخارج، ففي نص (موسيقى يعزفها معتقلون) يقول (شباكك مفتوح داخل صدرك).
وفي صور أخرى نجد النص الشعري يستند إلى بساطة تركيبية في تأسيس وبناء صوره، ولكن هذه البساطة لا تنفي أن يكون هناك دلالات معرفية كثيرة تتولّد من هذه البساطة، خاصة إذا كانت الصورة اللافتة تعتمد في أحيان ليست قليلة على المفارقة التي تجعلنا نعيد تأمل النص وفق منطق علاقات جديدة، يتباين مع ما قدمته السطور الأولى الكاشفة والموجهة لصناعة المفارقة، فحين يقول النص الشعري (وحيد بما فيه الكفاية) (لم أعان بما يكفي في طفولتي- كل ما في الأمر- أن القسوة صنعت من جلدي حذاء- وأن البيوت القديمة طبعت خشونتها في الحلق- وأن الشياطين التي عاشت على سقف غرفتي- ما زالت تزورني في الغربة)، ندرك أن المفارقة تؤسس علاقات جديدة، تتعاظم وتتجاوز النفي الذي ورد في السطر الأول، فالمفارقة هنا تؤسس ببساطتها تلقيا لا يبنى وفق معطيات حسية، ولكن وفق معطيات باطنية ترتبط بالإطار الفكري الأساسي الذي يؤسس وجوده المتواري والفاقع في كل نصوص الديوان.
محمد البديوي: «أثقل من جبل يتمشّى»
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2023
66 صفحة.