غزة- “القدس العربي”: في وقت تشهد أعمال التطريز ذات الطابع الفلكلوري، رواجا كبيرا في فلسطين، بفعل إدخالها في تشكيلات الملابس الحديثة، ولجوء فتيات إلى اقتناء “الثوب الفلاحي” ضمن ملابس المناسبات السعيدة، وضعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو”، “التطريز الفلسطيني”، على قوائمها للتراث الثقافي العالمي، رفضا لمحاولات إسرائيل سرقة هذا الموروث.
وتم إدراج “التطريز الفلسطيني” على قائمة التراث، خلال اجتماع عقد عبر تقنية “زووم”، جرى التصويت خلاله من قبل اللجنة التمثيلية للتراث الثقافي الإنساني العالمي، وهي إحدى لجان اليونسكو، على تسجيل فن التطريز الفلسطيني ضمن قائمتها.
وجاء ذلك بعد أيام قليلة فقط من محاولة إسرائيل سرقة هذه العمل التراثي، المعروف بأنه “ماركة مسجلة” باسم الفلسطينيين، من خلال قيامها بتوزيع أثواب ألبسة فلسطينية مطرزة على المشاركات في مسابقة ملك جمال الكون التي استضافتها تل أبيب، وذلك على غرار محاولات سابقة قامت بها لسرقة الكثير من الموروثات الثقافية الفلسطينية.
“اليونسكو” أدرجت “التطريز الفلسطيني” على لائحة حماية للموروث الثقافي
والمعروف أن التطريز الفلسطيني، موجود منذ عقود كثيرة مضت، تفوق عمر إسرائيل بعشرات المرات، ولا يزال الفلسطينيون يتمسكون به، حيث ترتدي النساء القرويات حتى اللحظة هذه الأثواب التي تميز سكان بلدة عن أخرى، فيما نشطت مؤخرا عمليات إدخال هذا الفن في الملابس العصرية الحديثة، وبات يظهر بشكل كبير على أغطية الرأس للنساء الفلسطينيات، وكذلك على القمصان والشالات.
وحاليا تحافظ الكثير من العوائل على ارتداء الأثواب الفلسطينية المطرزة، خلال حفلات الزفاف، حيث بات الثوب التقليدي المعروف عنوان “الموضة” في تلك الحفلات أو المناسبات السعيدة، بدلا من الفساتين الأخرى، وتلجأ حاليا الكثير من الفتيات المقبلات على الزواج لاقتناء هذه الثياب، ضمن تجهيزاتهن من الملابس الأخرى، كشيء أساسي، لارتدائها وقت الحاجة.
وتقول نساء يعملن في مهنة التطريز التي تحتاج وقتا وجهدا، إنهن عدن من جديد لنشاطهن، بسبب الطلب المتزايد على تلك الأثواب التي دخلت في تفاصيل الموضة الحديثة. وتشير السيدة سميرة، وهي في منتصف العقد الخامس لـ”القدس العربي” إلى أن الطلب تزايد حاليا من نساء كثر، لديهن مناسبات سعيدة، للتطريز على ثيابهن.
وتوضح أن التطريز لا يقتصر حاليا على “الثوب الفلاحي”، أو “الثوب البدوي” المعروف عند الفلسطينيين قديما، إذ امتد الأمر لأشكال جديدة، مثل التطريز على الشالات أو الجاكيت النسائي الذي يواكب الموضة الحديثة، ليستمد جماله الظاهر بالتطريز بدلا من الإكسسوارات الأخرى.
وتشير هذه السيدة، إلى أن العملية تشهد نشاطا بعد ركود كبير، بفعل مصممات الأزياء الفلسطينيات، اللواتي أبهرن الجميع، بدمج التطريز بالملابس العصرية.
وتستخدم في أعمال التطريز التي تتم بشكل يدوي دقيق، خيوط الحرير ذات الألوان المختلفة، وبالأصل يجري وضع هذه الخيوط على الأقمشة والأخص ذات اللون الأسود بالمقام الأول، ومن ثم اللون الأبيض، على أشكال هندسية ورسومات متناسقة.
وفي فلسطين، كانت تعرف نساء كل قرية أو مدينة من خلال لون أو شكل التطريز الموجود على أثوابهن، فهناك رسومات وأشكال محددة، وألوان خيوط وأقمشة، تدل على مكان السكن، أو القرية التي تنتمي لها هذه السيدة.
وإضافة إلى إقبال النساء على العاملات في مهن التطريز، تشهد المحال المخصصة لبيع هذه الملابس إقبالا أكثر مما كان عليه الوضع سابقا، إذ كان الأمر وقتها يقتصر على شراء المطرزات كهدايا تزين المنازل.
وبسبب الإقبال الكبير، ولتلبية طلب الشارع، لجأ الكثير من مستوردي الألبسة، إلى استيراد أثواب مطرزة على آلات بعيدا عن الجهد اليدوي. غير أن هذه الملابس، لا تلاقي ذلك القبول والطلب كتلك المطرزة يدويا، والتي تعد الأغلى ثمنا.
وفي السياق، أكد رئيس الوزراء محمد اشتية، أن اعتماد منظمة “اليونسكو” الطلب الفلسطيني بإدراج “فن التطريز في فلسطين: الممارسات، والمهارات، والمعارف، والطقوس” في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، يمثل “خطوة مهمة وفي وقتها، في سبيل حماية هويتنا وتراثنا وروايتنا الفلسطينية، في وجه محاولات الاحتلال سرقة ما لا يملك”.
واعتبر وزير الثقافة عاطف أبو سيف، أن تسجيل فن التطريز بشكل رسمي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي الإنساني العالمي لدى منظمة “اليونسكو” هو “انتصار للرواية الفلسطينية القائمة على حق شعبنا في أرضه، وجزء من مهمة أكبر يجب الاستمرار فيها لصون وحماية تراثنا والدفاع عنه وتمريره للأجيال”.
وأوضح أن توقيع فلسطين عام 2011 على اتفاقية 2003 التي تعنى بصون وحماية التراث الثقافي غير المادي، أتاح الفرصةَ أمامها لتسجيل عناصر تراثها ضمن القائمة التمثيلية للتراث العالمي.
وطالب المنظمات الدولية بالوقوف أمام مسؤولياتها في احترام القرارات الدولية وعدم التعاطي مع بطش الاحتلال ومحاولاته سرقة التراث الفلسطيني، داعيا لعدم المساس أو السرقة أو المساعدة في سرقة واختلاس هذا التراث لمكانته العالمية.
كما أكدت اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم، على أهمية القرار. وقال دواس دواس رئيس اللجنة، إن طرح هذا الملف وإدراجه على اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي يصبح رابع عنصر ينضم إلى القائمة التمثيلية إلى جانب الحكاية الفلسطينية التي تم تسجيلها عام 2008، ونخيل التمر “المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات” التي تم تسجيلها عام 2019، والخط العربي الذي تم تسجيله في 14 ديسمبر 2021.
وأشار دوّاس إلى أن تحقيق هذا الإنجاز جاء بالتزامن مع المحاولات الممنهجة التي يمارسها الاحتلال لأسرلة كل ما يتعلق بالتراث الفلسطيني وسرقة وتشويه هويتنا الوطنية، وتزوير التاريخ الفلسطيني عبر الرواية الصهيونية المفبركة والتي كان آخرها ترويج الاحتلال للثوب الفلسطيني على أنه تراث ثقافي إسرائيلي على مستوى العالم في خطوة منه للسطو على التراث والتاريخ والهوية لفلسطين وشعبها في مسابقة “ملكة جمال الكون” والتي نظّمها الاحتلال خلال الشهر الجاري.