بيروت ـ «القدس العربي»: «أجساد بطولية» فيلم وثائقي للمخرجة السودانية سارة سليمان عُرض في دار النمر للثقافة والفنون في بيروت، يسلط الضوء على استعباد النساء والسيطرة عليهن من خلال أجسادهن. وثائقي استغرق سنوات من البحث والتصوير، وخلُص إلى مادة بصرية تُقدّم للمشاهد شهادات تقول إن نساء السودان، كنّ مقاومات للاستعمار الانكليزي منذ وجد، ومناضلات من أجل حقوقهن الطبيعية منذ زمن بعيد. لكنّ نظرة الآخر – الرجل لها من خلال جسدها جعلها تكرهه، وتكره أنها أنثى. وكان للعادات والتقاليد أن تثير شبهات حول هذا الجسد، فتزداد الأقفال من حوله. وفي سيرة النساء أنهن يأكلن مع الأطفال ما تبقى من مائدة الرجال، ولاحقاً دور الحيوانات.
نساء السودان اللواتي ناضلن بدون صورة أو صوت في سبيل الاستقلال، عشن قهراً مستنسخاً عبر الأجيال من خلال أجسادهن. وفي هذا الوثائقي قدّمت المخرجة سارة سليمان شهادات لنساء ورجال تحدّثوا عن الموروث في علاقة النساء بأجسادهن، وعادات الختان والشلوخ والعدل والتي تمارس على أجسادهن لمزيد السيطرة عليها.
تعليم البنات بدأ سنة 1907 بدعم الرائد في التعليم بابكر بدري، الذي درّس بناته وبنات الأسرة. ومن ثم تتالت النجاحات في نشر مدارس البنات. وكان التحدي الأول بالخروج من البيت إلى المدرسة، ولاحقاً الجامعة.
قوانين عدّة تغيرت قبل عقد السبعينيات من القرن الماضي بقيادة الاتحاد النسائي السوداني، وعادت للتقهقر التدريجي وصولاً إلى الحرب الحالية، حيث النساء عرضة للاغتصاب من قبل الميليشيات.
مع المخرجة سارة سليمان هذا الحوار:
○ «أجساد بطولية» يخلّد نضالات النساء السودانيات حتى السبعينيات من القرن الماضي. عذاباتهن الحالية واغتصابهن بالمئات لم يفارق مخيلتي خلال مشاهدة الفيلم. لماذا برأيك؟
• أرى اتصالك بالواقع الحالي ومتابعتك لحالات الاغتصاب التي حصلت وما تزال في حرب السودان، صعب حجبها كجرائم من تفكيرك خاصة وأنك امرأة. قلت في سياق الفيلم إن السيطرة على النساء تتم من خلال أجسادهن. وللأسف تُستخدم النساء في الحروب كأداة، والحرب في السودان هي ضد المواطن. «الدعم السريع» يقتل المواطن، ويعذّبه ويغتصبه في مواجهته مع الجيش. عبر التاريخ كانت أجساد النساء عُرضة لشتى الانتهاكات. الحرب في منطقة دارفور تتشابه مع ما يحصل في الشمال حالياً، وليس بجديد على السودان انتهاك واغتصاب أجساد النساء. وللأسف هو حال النساء في كافة الحروب. نحن النساء نشعر بمعاناة الجسد خاصة وأنه سلوك عالمي.
○ وهل لنا إخراج نجاحات النساء الماضية من سياق الحاضر المجرم بحقهنّ؟
• سرد الفيلم حال النساء في المرحلة التاريخية التي كان بصددها. ناضلت النساء لدخول المدارس ومن ثمّ الجامعات، وواجهن الضغوط التي مورست عليهنّ من قبل الحكومات، والتي استخدمت الجسد بذاته لاخضاعهن سواء من الدولة أو أي جهات أخرى. والجسد نفسه لجأت إليه النساء بهدف التحرر. طوّرت المرأة نفسها، وتمكنت من انتزاع حقوق سياسية وقانونية كما المادة 54 التي تقول بضرورة موافقة الفتاة على الزواج قبل عقده، وتحديد العمر بـ18 سنة. هذا في الخمسينيات، حيث سجّلت النساء نجاحات كبيرة جداً بقيادة الاتحاد النسائي. اقرّ التعديل بعد تسجيل حالات انتحار بين الفتيات. كانت مرحلة من الوعي الكبير بقيادة الاتحاد النسائي واستمرت الحركة نشطة إلى ما بعد السبعينيات. وتقهقرت حقوق النساء مع حكومة الإنقاذ التي اتخذت الدين رايتها لتتمسّك بالسلطة، وبدءاً قمعت النساء مستخدمة الدين وسيلة. وتساقطت النجاحات التي حققتها النساء تباعاً، والعودة إلى الوراء تجاوزت المئة سنة، وما زال حال النساء السودانيات في تراجع مستمر. لم نعِش مفاعيل الثورة، والانقلاب عليها أتى سريعاً ووصلنا لما نحن عليه الآن. في واقع السودان لا فصل للماضي عن الحاضر نظراً لترابطهما، التاريخ مدرسة نتعلّم منه عدم تكرار الأخطاء، لكنها في السودان تتكرر.
○ وهل الأجساد البطولية بدأت مسارها الانحداري مع حكم جعفر النميري؟
• ننظر إلى أوضاع النساء من جوانب مختلفة. مع جعفر النميري نتناول الجانب السياسي، والانحدار مرتبط به، ذلك أن الأجساد البطولية بما تعنيه مواجهات النساء، فهنّ كنّ يحاربن على جبهات عدّة، الجبهة السياسية بما تعنيه الدولة، والجبهة الأبوية والمجتمع الذكوري، وجبهة العادات والتقاليد والثقافة، وهي الأصعب. حكومة النميري كانت أول حكومة وطنية في تاريخ السودان تعتقل وتسجن النساء. وسبقه المستمعر الانكليزي كما ورد في الفيلم وأعتقل خالدة زاهر. الانتهاكات السياسية سبقت حقبة النميري. منذ سنة 1924 كان التعرّض للنساء قائماً في السودان كما جرى مع العازة زوجة المناضل علي عبد اللطيف. حكم النميري ترصّد الاتحاد النسائي منذ بداياته، وسعى لضمه إلى منظومته، ولدى مواجهته بالرفض، بدأت المواجهة كنوع من الندية. اغتال النميري العديد من الشيوعيين، وواجه الاتحاد النسائي كونه جزءا من الحزب الشيوعي، وتواصلت فيما بعد معاناة النساء مع الحكومات المتعاقبة، من بينها حكومة الانقاذ التي حاربت النساء وسنت القوانين المزرية، منها قانون النظام العام وهو أسوأ ما حصل للنساء في تاريخ السودان، وهو يحارب ما سمي بالزي والفعل، ما أدى لمواجهات مع النساء وإلى اعتقالهن. والزي الفاضح، كلمة فضفاضة متروك تقديرها للشخص الذي يطبق القانون في تلك اللحظة، وحينها تُجلد المرأة في ساحة عامة مئة جلدة. نحن الجيل الذي نما وكبر في تلك المرحلة تعرضنا لأذى كبير ومضايقات من شرطة النظام العام في الشارع.
○ سنوات خمس استغرقتها الأبحاث ومن ثمّ تصوير الفيلم. في أية مرحلة أنجزت ذلك؟
• بدأت البحث من ثمّ التصوير في سنة 2018. كانت الرحلة طويلة لأننا حيال مادة تاريخية وبحثية. وكان هدفي تقديم مادة خفيفة على المشاهد. أدركت قوة المادة وحجمها، ولهذا تمهلت في تحويلها لمادة خفيفة الوقع على عين المشاهد. استخدمت الموسيقى والأرشيف والفن التشكيلي، ومشاهد تمثيلية، لتحقيق الهدف.
○ كأن السيدات الطليعيات اللواتي قابلتهنّ كنّ بانتظارك لإخراج ما في قلوبهن ليصبح ملكاً عاماً؟
• النساء اللواتي ظهرن في الفيلم مؤثرات ورائدات ومثال يُحتذى، لهن تاريخهن في الحركة النسوية، وفي المهن التي اخترنها، سواء كانت أكاديمية أو غيرها، ولهذا كان توثيق مسيرتهنّ، وبعضهنّ استغرق الوصول إليهن بحدود السنة والنصف. صورنا في أنحاء مختلفة من العالم منها بريطانيا، والسودان، ومصر وقطر. البحث والتصوير من أجل هذا الفيلم، أنتج 15 ساعة فيلمية مع نساء رائعات، وحضور لبعض الرجال، فيما بلغ زمن الفيلم ساعة ونصف الساعة. وثمة ضيوف لم يتم إشراكهم في الفيلم. أغلب الشخصيات النسائية اللواتي ظهرن لديهنّ كتابات منشورة، تحدثنّ وهنّ مدركات لقوة رسالة السينما ووصولها للناس. رحبن بالفكرة منذ تواصلي الأول معهن، وبأن يكنّ جزءاً من مضمونه، وكنّ شاكرات لعمل سينمائي وصفنه بالرائع. تعبير زاد من حماسي للفيلم.
○ أين حال المرأة اليوم من «الست بتول ـ الداية» التي اشترت درّاجة هوائية ومارست مهنتها براحتها؟
• «الست بتول ـ الداية» كانت شخصية مميزة في زمنها. درست في مدرسة القابلات، آمنت بالتغيير وبرسالتها الطبية، واحتضنت طفلها. جمعت مالاً واشترت دراجة هوائية لتسهيل تنقلها في عملها، وهذا ما لم يكن مقبولاً حينها. ولأنها مؤمنة برسالتها، تركت الناس يتقبلون ما تقوم به. ومن بعدها سارت قابلات أخريات على دربها وباتت الدراجة رفيقة طريقهن في مهنتهنّ. «الست بتول» تعكس حقيقة المرأة السودانية، المتميزة بالعطاء والقوة. وعلى مرّ السنوات ظهرت الكثير من النساء كما «الست بتول»، منهن فاطمة أحمد ابراهيم، وسعاد ابراهيم أحمد وغيرهنّ، وجميعهنّ ناضلن لتحسين أوضاع النساء، وكنّ منذورات لهذه المهمة. وتهتم المرأة السودانية بأن ينال أبناؤها مراتب عالية من العلم. للأسف حالة الحاضر مزرية بسبب الحرب، وأوضاع النساء في غاية الصعوبة، وكذلك الشباب وجميع فئات الشعب. حال السودان لا يوصف. نأمل بتوقف الحرب وتغير حال النساء وجميع فئات الشعب.
○ امتهان جسد المرأة يمرّ بمراحل من شلوخ الوجه إلى الختان والولادة بالحبل إلى العدل بعد كل ولادة. هل تراجعت تلك الممارسات؟
• كثيراً. تراجعت الشلوخ وقد تكون توقفت. الختان ما زال عادة تمارس أكثر في المناطق الريفية، لارتباطها بشكل وثيق بمستوى التعليم. سنة 2020 وبعد الثورة سنّت الحكومة المدنية قانون تجريم الختان. القانون مهم والتوعية أهم. أما العدل فكان في زمن مضى يتمّ على يد الداية وبطريقة صعبة للغاية وبعد كل ولادة، حالياً ليست جميع النساء يخضعنّ لهذا التقليد.
○ ما هي المصاعب التي واجهتها كمخرجة خلال الأبحاث وكذلك التصوير والمونتاج؟
• واجهتني الصعوبات بكافة المراحل التي ذكرتها. والصعوبة الأكبر كانت في الحصول على المادة. هو بحث في سياسات الجسد في الحركة النسوية السودانية، وهو موضوع بحثي لنيل الماجستير. تمثّلت الصعوبة في البحث عن قشة في تل كبير. كنت أتابع دراستي في لندن، وأراسل والدتي في السودان كي أحصل على المعلومات التي أريدها. لكنها واجهت صعوبة لتنالها لأن بعض الكتب كانت نادرة. انفقت على الفيلم من مالي الخاص. استغرق العمل وقتاً حيث كنت أعمل وأجمع المال، ومن ثم أعود للبحث والتصوير. جهات وطنية في السودان لم تتعاون معي في موضوع الأرشيف مثل التلفزيون القومي. فيما حق الحصول على المعلومات ودعم أعمال الفنانين يفترض أن يكون بالمتناول ومن دون عقبات، وبالمقابل كثر تعاونوا معي، وزودوني بالمعلومات من أرشيفهم الخاص وبدون مقابل، ومن الأشياء الجميلة، تعاون الموسيقيين بدون مقابل.
○ ما هي انطباعاتك عن الجمهور الذي شاهد «أجساد بطولية»؟
• عرضنا الفيلم في أنحاء كثيرة من العالم في أوروبا والولايات المتحدة، وكندا والعالم العربي وأفريقيا. وأياً كان الجمهور كانت الأصداء ممتازة جداً، وكانت النساء المشاهدات يقلن بأن الفيلم مسّهنّ في مكان ما. وقلن خلال النقاش أن النساء حتى في أوروبا لديهن معاناتهن والجسد جزء منها، من حيث السيطرة بطريقة أو بأخرى. لفتت المادة الأرشيفية المشاهدين، وقالوا بأنهم للمرة الأولى يرون السودان بهذا الجمال، واكتشفوا مدى قوة النساء.
○ ما هي الجوائز التي حصدها الفيلم؟ وأين سيعرض قريباً؟
• نلنا العديد من الجوائز منها جائزة الجمهور من مهرجان مالمو. وجائزة شيرين أبو عاقلة لأفضل فيلم وثائقي من مهرجان القدس في فلسطين، وأعتز بها جدا جدا. وكانت للفيلم عروض متعددة في فلسطين رغم العدوان. وجوائز أخرى.
○ هل من مشروع سينمائي جديد؟
• أعمل على مشروعين، أحدهما روائي قصير ويتناول أجساد النساء. وآخر وثائقي طويل، وهو مزيج من الروائي والوثائقي ويعود بالتاريخ إلى سنة 1920 وصولاً لسنة 1956 واستقلال السودان، ويتناول مشاكل البلاد وبخاصة الهوية. وهو بذات أهمية «أجساد بطولية» لكونه يستعيد تكرارنا للأخطاء، من دون أن ندرك بأن التاريخ مدرسة.