هناك شبه إجماعٍ في الشارع على كون المشير السيسي هو الرئيس المقبل؛ حتى أولئك الذين يدعمون منافسه حمدين صباحي أو سينتخبونه، يدركون ذلك ويتقبلونه كواقعٍ، أو بالأدق كقضاءٍ لا دافع له، وإنما هم في الحقيقة يسجلون موقفاً ويتشبثون بأهدابٍ أملٍ وتصورٍ مازال يراودهم عن عمليةٍ ديمقراطيةٍ ممكنة ومجتمعٍ تعددي نعبر به أزمتنا ونخرج به من ‘مستنقع الشرق’ الذي علقنا فيه عقوداً.
ولما تصادف أن فقدنا قريباً كاتبنا العظيم غابرييل غارثيا ماركيز، فقد سمحت لنفسي بأن أستعير عنوان إحدى رواياته ‘أحداث موتٍ معلن’ مع شيءٍ من التصرف.. فالحكاية ليست فوز السيسي المتوقع والمرتقب، وإنما في التفاصيل والحبكة: الـ ‘لماذا’ والـ’كيف’ والمغزى.
سيفوز السيسي، باكتساحٍ ومن الجولة الأولى، بدون تزويرٍ أو الحــــاجة إليه، فالرجل يحظى بدعمٍ واسع.. لن أقول شعبية، فـــتلك قصـــةٌ أخرى، ولكنها قناعة ترسبت وترسخت في وعي القطــــاعات الأوسع من الجمهور بأنه الوحـــيد القادر على التصدي لمشاكل مصر المزمنة والمستجدة عقب الثورة، والحقيقة أن تلك القناعة، في وقتنا هذا، تبدو محصلةً منطقية ليس فقط لأحداث الثلاث سنواتٍ الماضية، وإنما لتطورات وتفاعلات مصر، المعبوث بها والمشوهة في حقيقة الأمر، طيلة الأربعة عقودٍ الماضية.
فمن ناحية، لم يعد سراً أن الحركة الثورية في مصر سبقت التنظيم الثوري بمراحل، إذ لم تجد على الساحة سوى تنظيم الإخوان وحيداً.. وليس ثمة شكٍ في كونه لم يُعِد هو الآخر لهذه الثورة، وعلى الأغلب لم يردها وإنما فوجئ بها كغيره، والأهم من ذلك كونه يتطابق مع نظام مبارك من حيث الانحياز الاقتصادي العام، وعلى ذلك فهو لم يكن بديلاً حقيقياً، ثورياً أو غير ثوري..غاية ما هنالك اخــــتلاف أمزجة وتصوراتٍ عن الهوية بين شرائح من نفس الطبقة بصفةٍ عامة، قد لا تخلو من الخطورة، إلا أنها لم تكن لتؤثر في النهج الاجتماعي-الاقتصادي.. وأثتاء تلك الشهور الأولى المضطربة من الكر والفر بين الشباب والنظام وقف الإخوان إلى جانب المجلس العسكري، ثم وصلوا للسلطة، وتتالت الأزمات وغياب الأمن ووقف الأشغال وتمكنت من قطاعاتٍ عديدة من الناس قناعة، بغض النظر عن مصدرها ودقتها، بأن الإخوان يفتقرون إلى الكوادر والكفاءة، ثم ترسخت بحدة عقب الجلسة العلنية التي نوقشت فيها أزمة مشروع سد النهضة وكيفية التصدي لها.. حينذاك شعر الناس بأن الإخوان لا يصلحون لحكم مصر وأنهم يشكلون خطراً على الأمن القومي، فكان ما كان من 30 يونيو والإطاحة بالإخوان، والبقية ما نعرفه.
لقد نزل الناس إلى الشوارع في 25 يناير/كانون الثاني ليطيحوا بمبارك ثائرين على البؤس والإهانة.. خرجوا ليتخطوا تلك الحقبة البليدة الخارجة عن سياق التاريخ، وإذا بهم تفرض عليهم نفس الثنائية البغيضة التي اختزلت وشوهت وشلت الحياة العامة طيلة ما يزيد على الثلاثين سنة وأوصلت مصر إلى ما هي عليه من الترهل والتآكل، والسبب في ذلك هو عدم نضج الكيانات أو الهياكل التنظيمية ذات القاعدة الشعبية التي تصلح فعلياً لأن تشكل بديلاً.
غير أن الإطاحة بالإخوان لم تنهِ الصراع بينهم وبين النظام، فقد استمر وسقط قتلى بين الطرفين، والجمهور العريض ضائعٌ ناقمٌ محبطٌ بينهما، بلا مكاسب ملموسة.
وينبغي ألا يفوتنا في هذا السياق أن نؤكد على الدور المشبوه، بل المتآمر المشوه الذي لعبه الإعلام وأبواقه التي نجحت في خـــــلق عالمٍ موازٍ تختلط فيه أشباه الحقائق بالأكاذيب ضــــمن حملة تحريضٍ مذهلة على الثورة، فكرةً وحدثاً وأهدافــــاً، ناهـــيك عن تشويه كل التيارات الساسية والوجــــوه التي برزت في مجال العمل العام طيلة الثلاث سنوات الماضية.
لقد تعب الناس.. تعبوا وسئموا، ومع استمرار الإرهاب وما يتردد الآن عن ‘جيشٍ مصري حر’ (بغض النظر عن مدى صحة المعلومة) يكمن على حدود مصر الغربية ويخطط لأعمالٍ إرهابية باتت كلمة ‘الثورة’ كلمة قذرة، وباتت أي دعوةٍ للتدبر أو التحليل والتدقيق في الأخبار أو التريث في الأحكام تقابل بموجة غضبٍ كاسح، بل وندم الكثيرون على مشاركتهم في 25 يناير وصار الكثيرون يشعرون بالغضب من أنفسهم وأنهم غرر بهم و’انضحك عليهم’.
ذاعت مؤخراً مقولة الأستاذ هيكل بأن المشير السيسي هو ‘مرشح الضرورة’ وصار الكثير يرددها، وهي مقولة حمالة أوجه، تلخص واقعاً شديد التعقيد يزخر بتياراتٍ شتى متضاربة، بل متناحرة، فبالنسبة للبعض هي الضرورة التي تقطر مرارةً على ضياع الأحلام وفقدان البدائل، ضرورة ‘ماذا نصنع الله غالب’، وللبعض الآخر هو الرجل القوي الذي تقتضيه الضرورة لحماية البلد من الإرهاب والتمزق.. هو مرشح توازنات الضعف وعدم نضج البدائل أو تشويهها.. الرجل الذي صنع منه الإعلام وأماني الناس وإحباطاتهم وأوهامهم أسطورة.. لا يعرفونه حقيقةً ويتوقعون منه كل شيء، كل ٌ حسب مصالحه وأهوائه، وإنها لمفارقةٌ مدهشة أن عبد الناصر الذي يُستحضر دائماً لتدعيم أسطورة السيسي البطل-المخلص لم يحظ بشعبيته الجارفة إلا بعد إنجازاته الاجتماعية، بينما نحن الآن ننام ونصحو على مهرجان طبلٍ وزمرٍ للسيسي بدون أي إنجازٍ بعد، ومن يعلم، ربما بدون أي إنجازٍ أبداً. هي الخيارات الصعبة والثنائيات المبهظة البغيضة مازالت تفرض علينا.
صدقاً أعترف بأنني الآن، وعقب ثلاث سنين مرهقة مليئة بالتساؤلات والصياح والقلق، أشعر كما لو أن هذا البلد وذلك الشعب سيقا إلى ما وصلنا إليه، ليس نتيجة مؤامرة خارجية، وإنما نتيجة مكونات الواقع الموضوعي الضعيفة ولعب أجهزة الأمن والدولة العميقة وذوي المصالح الكبيرة.. كأننا في تراجيديا يونانية نمضي إلى قدرٍ محتوم، وكأن كل ما مضى من أحداثٍ لم يكن سوى تجهيزٍ للوصول إلى هذه النهاية.. مرةً أخرى أؤكد يقيني بأن الأمر لم يكن صدفةً وأن ‘الأقدار’ لم تلعب دورها وأن ما وصلنا إليه ما هو إلا نتيجة تخطيطٍ وتدبير، لكن ذلك لا ينفي محصلة الأحداث.. رجلٌ صار أسطورة تروج لها أطرافٌ عديدة.
على كلٍ، ليست هذه نهاية الحكاية، فعلى الرجل في النهاية أن يحسم أمره، أن يجلب مكاسب لطرفٍ على حساب الآخر.. أن يعادي طرفاً أو أطرافاً لأن الملف الأمني ليس كل شيء… لن أراهن على ثورةٍ جديدة، أما الصراع فقادمٌ لا محالة ويبقى سؤالٌ واحد: كيف ستصطف أطرافه؟
‘ كاتب مصري