أحزان «سيدي بوزيد»: تونس المرفهين وتونس الكادحات اللواتي يمتن وصراع الفضائيات الجزائرية على دراما رمضان

رثى الجميع عبر وسائل التواصل المختلفة ضحايا منطقة السبالة رثاء بليغا جميلا، تقشعر له الأبدان. تفتقت قرائح التونسيين من هول الفاجعة الثقيلة شعرا ونثرا ورسومات.
إنه عديد مزايا الأموات في جنازة مهيبة لكامل المنطقة. وتحول منديل المرأة الكادحة الملون رمزا ككوفية فلسطينية، يلتهب رثاء.
بكل ثقل الوجع، بلغتنا تلك النهاية المأساوية لأحلام تنبت بالكد والعرق والدماء على الأيدي والجباه. غادرن الدنيا وجبروتها، مكافحات لم يحنيهن الزمن لكن انحنين لخدمة الأرض بمقابل زهيد. سقطت الأحلام الراسيات كالجبال فكان السقوط مزلزلا مدمرا للقلوب ولمحيط سيدي بوزيد.
يستيقظن باكرا، إن استطعن النوم، بحماس لتحقيق جزء من تلك الأحلام الكبيرة، للخدمة في مزارع كبار الملاك وسماسرة البشر، يركبن شاحنات متخلفة، صفائح ثلجية في الشتاء والتي تلتهب صيفا، متراصات واقفات لإشباع جشع مالكها ومالك المزارع، رجال بلا رحمة ولا قلب. وها هي السلطات تنعى من بعيد بكلمات بلاستيكية نتنة الروائح تمت رسكلتها آلاف المرات. فمن يحس بجمرة الفراق غير الأهل، غير الأولاد الصغار.
دائما تلقى العاملات الهشة حتفهن بالجملة هكذا وبعد أيام من حادثة عاملات مزارع الفراولة في المغرب الشقيق، تتواصل الأحزان المغاربية بفاجعة السبالة، التي راحت ضحيتها خمس عشرة عاملة والعشرات المجروحات بعد اصطدام شاحنة الموت بشاحنة الدجاج. كما تنقل الأنعام ينقل البشر، الذين لا قيمة لهم في زمن الشؤم هذا وزمن المجون السياسي وجنونه.
«وحدهم الفقراء يستيقظون مبكرا حتى لا يسبقهم إلى العذاب أحد. «محمد الماغوط. يالهي ما أفقر النساء وما أقواهن لا ينمن الليل ولا يرتحن في النهار، ولا حدود لآمالهن. فكان الموت لهن بالمرصاد»: رحلت مولات الفولارة.

مولات الحولي كركار (عكرمي يحياوي)

نساء من أوساط ريفية بأثواب تقليدية، بمناديل تنتقي من الطبيعة أشكالها وألوانها وبقطعة الحولي، التي تنساب وجسد المرأة كأنها شلالات فضية سائلة متموجة. حادثة أثارت السخط إلى جانب الأسى، الذي اجتاح كل وسائل الاعلام والتواصل في كل البلاد المغاربية وغيرها. وتساؤلات عن مقدار الفروقات الاجتماعية بين المعدمين من يسعون أبدا لقوتهم اليومي ومن ينهبون بالأكياس، من هم فوق ومن يغرقون في أسفل درجات الفقر. ومهما كانت الأسباب فالحادث الفظيع يعري الخطابات العملاقة من طرف الساسة والمجتمع المدني، الذي دخل في مطالبات حريرية، مهما كانت الأسباب.
سائق متهور أو فرامل مهترئة لا يثنيهن ذلك على مواصلة السير في الدروب الشائكة، في الأوحال، على قطع الزجاج والصخور المتشظية. هن دائما في رحلة لا تنتهي على لقمة العيش الكريمة أو شبه الكريمة. كل القرية في حزن عميق، ورايات الرؤوس الملونة تعتلي البيوت كمآذن شامخة. تبكي وتزغرد. الحزن في كل مكان ولا مكان للأطفال سوى دموع المآقي وأسى القلوب الصغيرة الغضة، التي كانت تعيش بأمان بوجود الأمهات. هاهو تراث الأمهات المثقل بالكد والعمل الشاق، تراث معجون بالعرق والدماء والأمل في رؤية الأولاد موفوري الصحة والكرامة ويستيقظون للذهاب للمدرسة. لم يعد للحكايات وشخوصها الخيالية مكانا في واقعنا هذا، نعيش ونمشي ونأكل بصحبة الغيلان وأنصاف البشر وأصحاب العين الواحدة المرعبين. ربما يبقى صغار المترفين بحاجة لرواة في صالونات المؤتمرات عديمة الجدوى والمصداقية يكررون حكايات تنقل حيلة النساء للظفر بزوج أو للخروج من الحرملك وتخطي عتبات الأبواب المقفلة بإحكام.
هناك من توقف عند المجزرة ليلوم الذكور، سواء كانوا أبناء أم أزواجا بالرغم من قوتهم البدنية من «يضربون الحيطان ايطيحوها» من يفضل المقاهي والتدخين والتشييش وشرب الكحول بما تعطيه له الكادحات أما كانت أو أختا أو زوجة. شباب مستقيل سلبي. يعيش عالة على المجتمع. للأسف سلبية ضاربة في عمق المجتمعات المغاربية تكدح فيه النساء في الحقول والمزارع والمراعي. وحتى في الجامعات والمستشفيات، ثم يستسلمن للتسلط الذكوري الضارب في عمق الثقافة التقليدية ليصبحن خادمات بالبيوت، بينما الرجل على أريكته يقلب في القنوات، ينتظر القهوة و العشاء. «إنها أمه وأمك وأمهاتهم من قضين نحبهن في الشاحنة. لتقفل المقاهي ولتعاد صياغة شعارات المساواة أمام المصاب الجلل.
هل ستكون هذه الفاجعة نهاية الأحزان بالخضراء، وأن تنسى فاجعة الأطفال المطعمين بالسم، والنساء اللواتي ينقلن كما تنقل الأنعام لأماكن عملهن. أم فعلا الصغار في الكردونة (علب الكارتون) والكبار في الكميونة (الشاحنة). هل تحيا دائما تونسهم، تونس المرفهين وتموت دائما تونس الكادحات.

مسلسل الريس قورصو بلا نكهة في رمضان

بدأت ثقافة الاستيلاء على سيناريوهات الأفلام والمسلسلات تنتشر، بعد كل ما أثاره مسلسل الأمير عبد القادر من جدل، والذي لم ينتج ولم يشاهد بالرغم من الأموال الطائلة التي صرفت عليه، هاهو مسلسل «الريس قورصو» يقع تحت طائلة جدل عويص وكبير. من ألفه ومن سيحتكر بثه، وماذا حدث في تركيا مكان التصوير. والمحاكمات وردود والسجالات بين قناتي «الشروق» و»النهار» وفنانين وكتاب، الى غير ذلك من الأسئلة الغامضة التي تدور حول الانتاج.
المسلسل اعتبر الأضخم في الدراما الجزائرية، وتدور أحداثه في إطار كوميدي تاريخي، لكن دون كثافة تاريخية للبطل الريس القورصو قبطان عاش إبان الفترة العثمانية (1515- 1830) بل يرتكز على شخصيات خيالية. تم تصويره كليا في تركيا في ديكورات ومواقع تصوير مسلسل حريم السلطان نفسه، أريد له أن يكون منافسا وسط الدراما العربية، وهذا بما وفرت له من امكانات هائلة، مع ممثلين مقتدرين أمثال صالح أوقروت والقدير سيد أحمد أقومي، وبإخراج مصري متمثلا في عادل أديب ومساعده التونسي نصر الدين بن معاطي. والسيناريو للمصري وائل عبد الحميد، وسط تنافس عدة كتاب سيناريو؟
وما الذي حدث وما زال يحدث؟ وكيف انتقلت ملكية الانتاج من مؤسّسة الشروق إلى مجمع النهار؟ وكيف انتقل السيناريو من الفنان أنس تينا والأستاذ عمار يزلي إلى أن حطّ عند وائل عبد الحميد؟
نشر أنس تينا العديد من الفيديوهات للتنديد بقناة «النهار» وتبيان أدلته على أنه صاحب السيناويو، والذي نشره بالتفصيل على صفحته في الفيسبوك، بعدما توعد بنشر وقائع ملموسة على أنه صاحب الحوار بمعية الأستاذ عمار يزلي. هذا وكان الأستاذ القدير عمار يزلي، أستاذ بجامعة السانية وهران وصاحب الكتابات الساخرة والنقد اللاذع، قد نشر على صفحته توضيحا بشأن هذه الفوضى قائلا: ضربني وبكى وسبقني واشتكى.
جريدة «النهار» ههه تقول ردا على «الشروق» إني أنا من سرقت السيناريو من مصري. غريب أمر من كتب المقال. أنا قلت إني كتبت الحوار وليس السيناريو. المصري يكتب حوارا بالدارجة الجزائرية؟ هو من يقول إنه كتب كل شيء في وثيقة رسمية في شكل عقد مع «النهار». وائل هذا يدعي أنه كاتب القصة والسيناريو والحوار. الحوار كتبته بالتعاون مع أنس تينا وعبد الكريم قرشوش. عجيب أمر الناس. السارق يتحول الى مسروق في بلد الباطل والأباطيل والكاشير والبيع والشراء في كل شيء حتى في الأخلاق.
عمل فني أساءت له السياسة والاتهامات بين القنوات المتنافسة تنافسا غير شريف في كثير من الأحيان وتغييب أصحاب الحقوق. فماذا يبقى من بنية ونكهة العمل التاريخية والرمضانية والفكاهية. حري بجمعات الحراك القادمة أن تركز كما نادى البعض بشعارات «يترباوا قاع». نتربى كما تربينا فنظفنا الشوارع، نتربى لنحترم بعضنا البعض، نتربى لنحمي الوطن من تفتيته، نتربى لكي لا نسرق ولا نكذب ولا نمتص عرق الآخرين. نتربى من أجل مستقبل الأجيال المقبلة. نتربى كلنا لأن التربية أساس الاجتماع والاقتصاد والثقافة والدين والبقاء.

٭كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية