تناقلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي جدل الصلاة بين المنع والاقامة في المدارس، وتراوحت ردود الأفعال بين نواب يطالبون بإقالة الوزيرة أو التحقيق معها، وبين مؤيد ومحصن للوزيرة، كما كان رد وزير الشؤون الدينية، وكذلك اتجاهات النخب التي تبين في نهاية المطاف مواقف وايديولوجيات كل فريق، بينما تنسى المدرسة وينسى الجميع العاهات البيداغوجية ونظريات التحصيل المتجاوزة أو المبهمة، وكان الأجدر بنا القول إن المدرسة خطوط حمراء، لأن فيها مستقبل الأجيال فلا يحق لأحد التلاعب بهذا المستقبل، الذي يزداد غموضا. كل مرة كانت مادة التربية الإسلامية تشكل أسئلة وجدلا واسعا بين الجزائريين، مرة عن نزع البسملة والحمدلة. ومرة عن ممارسة الصلاة. ثم يأتيك الخبر الذي أزعج بعض المتحدثين في وسائل الإعلام ولم تعجبه كلمة ممارسة، وكأنهم اكتشفوا القمر، الممارسات الدينية والشعائر كلمة متداولة ولا تشوبها شائبة.
لكن تصريحات الوزيرة المتقطعة وغير المتسلسلة “ماتجمعش بالعربي”، فلا هي قالت ولا هي صمتت. فتح الباب لتأويلات مجتمعية ليست في صالحها. المهم لا بد من خلق بلبلة في مدارس مهترئة الجدران وطاولات سكنتها حشرات الخشب، ودورات مياه لا أراكم الله مكروها، ومطاعم تقدم وجبات ساخنة لا تغني ولا تسمن من جوع. والبرامج التعليمية حدث ولا حرج أنهكوا التلاميذ بها، حشو في حشو كالتبن في بيادر رطبة، لا تغني البشر ولا الأنعام. لذلك يحمل التلاميذ السجادات ليجدوا مخرجا وفرجا من الله، ما دامت أبواب أصحاب القرارات موصدة.
لم تشكل الصلاة يوما ما كل هذا الصخب والجدل، لم يكن أي والد مهما كان توجهه وايديولوجيته وشططه أن يسأل عن الصلاة في المدرسة. لكن الأولياء مدفوعين دفعا من وراء تصريحات غير مسؤولة لزيادة الطين بلة، ولإخراج المدرسة من طورها، والتلاميذ من الرغبة في التحصيل والانطلاق لأفق رحب. أولادنا رهائن مستقبل مجهول، فلا تقربوا الصلاة وأنتم ملاحقون بإثم مواد وبرامج لا فائدة منها لا تؤهلكم للريادة والقيادة.
وصلاة على الطلبة في الجامعات
على وقع مأساة مقتل الطالب أصيل بلالطة، طالب بكلية الطب، احتج الطلبة مرددين شعارات وهتافات: “بالروح بالدم نفديك يا أصيل… جيت نقرا ماجيتش نموت”.
طلبة نددوا بغياب الأمن في الجامعات والاقامات الجامعية. فخلال أسبوعين سجلت ثلاث وفيات في الإقامات الجامعية، الأولى وفاة طالب طب فلسطيني بصعقة كهربائية في عنابة، مما يعبر عن خلل كبير في البنية التحتية، والثاني مقتل طالب من زمبابوي في عنابة أيضا، وأخيرا، نرجو أن تكون آخر الأحزان في جامعاتنا ومؤسساتنا التربوية، أصيل الذي ذبح في غرفته في إقامة بن عكنون للذكور مدارس تفتح على الطرقات بدون أرصفة، وجامعات يدخلها العنف من كل الأبواب!
كم من أحلام هدرت، وأرواح زهقت وكم من أم ثكلى تبقى ترثي فلذة كبدها دموعا وأسى. والأدهى والأمر وأنت تشاهد الصحافي الذي يصنع سبقا صحافيا وهو يحاور جدة أصيل المكلومة، وكأنّه يحاور في فنان عن حياته أو أي شخص في وضعية عادية، مثل سؤاله: كيف كان يعيش أصيل؟ احكيلي كيف تلقيت خبر الوفاة. ارحموا الأمهات والجدات. هل استقبلت الخبر بالزغاريد. عجبي من بعض الإعلام.
لنا ولك الله يا وطن. فمن يمنع الطلبة من إقامة الصلوات على زميلهم الذي مات غدرا؟
بأي بعبع سنخيف أطفالنا، بعبع الحفر بالطرقات، أم جنون البشر والسائقين، أم خاطفي الأطفال. تدخل الأمهات في نوبات قلق وتوتر تنعكس على الأطفال، في غياب المساعدين النفسيين في المدارس. ثم نصيح بالمستوى المتدني ونقارن بين زمن تلميذين في طاولة أو أقل وزمن ثلاثة تلاميذ في طاولة واحدة وأقسام وجامعات مكتظة، وظروف مزرية. كان الله في عون الجميع في زمن الأنانية المفرطة.
مهرجان الكسكسي في طبعته الثانية
وجبة الكسكسي، التي أصبحت حديث كل وسائل الاعلام الرسمية وغير الرسمية، والذي أصبح موضوعا متناولا بحجم القضايا السياسية الأخرى. هل تسيس هو الآخر؟ لا يوجد شك في هذا. فالجري اللاهث لتصنيفه ليس لعيون الفتالات والطيّبات ذوات الخبرة العالية البسيطات، وباعتباره من المعارف والمهارات، التي يجب تحفيزها واستمراريتها. لكن لندخل العالمية بمزيد من العناصر المصنفة، لنجمع مزيدا من علامات اليونيسكو ونياشينها. ولنجمل أيضا الطبعة بحضور فلسطين للمهرجان. نقطة ضعفنا وقوتنا هي فلسطين وأن تكون في المهرجان بين الأطباق. أكيد الكسكسي لا يحتاج لأن نعرفه للفلسطينيين فقد يكون وصلهم لباب القدس عند وقف المغاربة. وبقايا الجزائريين في هجراتهم للشام وفلسطين تعويل على التاريخ في انتشار الكسكسي لمختلف مناطقنا وحتى انتشار للبركوكس. تناولته كطبق رئيسي وأنا ضيفة إحدى صديقاتي اللبنانيات في صيدا. إنه طبق المغربية. هو البركوكس بمرق أبيض وحبات خشنة. المغربية تحمل طابع الجغرافيا وتجذر في لبنان بتسمية مغايرة وتحفظ حقوق التأليف للمغاربة.
لكن أين الخبرة والمهارة وكل طاولة من طاولات عرض الأطباق في القصر تزدحم بأكياس الكسكسي المصنع. ما لرسالة من هذا الديكور المركب تركيبا متناقضا؟
مهرجان جمع سيدات وسادة طهاة من مختلف المناطق والعالم، وكانت فلسطين ضيف هذه الطبعة. لا أحد يشك في بنة الكسكسي وقيمته الثقافية التي كانت. كسكسي كانت روائحه تنبعث من عند سابع جار، كما عبرت عن هذا منظمة المهرجان. فلماذا اختفت نكهته وانضمت إلى كل الوجبات التي لم يعد لها مذاق ولا نكهة تميزها وإن طبخت باللحم والشحم أو سقيت بالزبدة والعسل والمكسرات. ثم ماذا بقي من الكسكسي كوجبة في الأفراح، بعدما دخل “المثوم” والشطيطحة بالدجاج واللحم وطبق اللحم الحلو، وكثير من الأطباق غير التقليدية؟
هل ما زال المثل الشعبي يلازم الكسكسي: الطعام همّة يالوكان بالما. من يأكل طعام الخضر البرية ويقدمه للأطفال، اللهم إلا طعام بالحليب للصغار بعد الفطام.
هل مثلت أطباق الكسكسي كل الجهات.. أم فقط ما صرحت به بعض النساء المشاركات من صاحبات بطاقات الحرف. كسكسي أبيض وكسكسي الشعير وكسكسي البلوط. هل انتهت عند هذه الأصناف القائمة، من حيث مواد الصنع، أين كسكسي الجلبان، وكسكسي القّى؟ لا تفكروا في البازلاء. هل تم تحضير الكسكسي فوريا، أي الكسكسي الحاضر الناظر، أم كسكس الأكياس البلاستيكية، التي تحتوي كسكسيات من مختلف التسميات. والحق يقال ليست كل الأصناف رديئة وهذا بشهادة ربات البيوت، التي تفضل ماركة على ماركات أخرى، فأي الماركات كانت الفضل في المهرجان. وكم عدد أطباق كسكسي البلوط. ثم ماذا سيبين المهرجان، هل يركز على تعليمات اتفاقية 2003 والتركيز على المهارات التقليدية المرتبطة بعادات تحضير الكسكسي، كما نعرفه وكما تناقلته الأجيال، أم كسكسي عصري. الكسكسي غير وجهته فحتى كسكسي الموت والجنائز بدأ في الاختفاء وتغييره بأطباق أخرى.
الله يرحم ابن منظور، الذي قال إنّ كسّ الشيء يكسّه كسّا، دقّه دقّا شديدا. وخبز كسيس، أي مكسوس ومكسكسٌ، مكسور. ولأنّ أصل الكسكس حبوب تدق أو تطحن، فلسنا بعيدين عن هذه الكسكسات، واللفظ ليس ابداعا مغاربيا معقد في هوية ضيقة. بل كلّ جهة تكسكس حسب ثقافتها ونمط عيشها، فالبدو يكسكسون الخبز ويطبخون له مرقا، أو يضيفون له زبدة، كما يكسكسون اللحم المجفف والتمر للتزود في رحلات وأسفار الصحراء الطويلة، وهناك من يكسكس القمح والشعير والبلوط والبشنة ليصنع طبقا سمي من تقنية صنعه ليصبح كسكسا. حسن الختام لغويا.
كاتبة من الجزائر