صدرت «أسطورة الذكريات» لربا الناصر في 2021 عن الآن ناشرون وموزعون، متضمنة ست عشرة قصة: «أسطورة الذكريات، أرض الأحلام، لقاء في المحطة، لوحة الفتى والسيدة العجوز، حب كغيمة صيف، حلم مستحيل، المهرج، صفعات، الريشة الحائرة، زينكو، جزيرة الأحلام، بائع غزل البنات، ارتعاشة الفراش، شجرة التفاح، انحناء النخل وصبر جميل» وتتناول موضوعات مختلفة كالبطالة واللجوء وهجرة الشباب ودور العجزة، والحب، والحرب.
تقرأ هذه المقالة أحلام اليقظة التي برزت بشكل لافت في المجموعة، كما أن الأحلام استأثرت بعناوين ثلاث قصص: «أرض الأحلام، حلم مستحيل، جزيرة الأحلام».
تقوم حياة الإنسان على مجموعة من الأحلام المتنوعة والمتجددة، حسب مراحل العمر وظروف الحياة، وهذه الأحلام هي المحرك الرئيس الذي يمده بالأمل والقدرة على الاستمرارية والكفاح والإصرار لتحقيقها، ويستوي في ذلك معظم البشر في كل مكان، لكن يحدث الاختلاف في مستوى هذه الأحلام وسقفها ونوعيتها؛ فالبعض أحلامه أن يسافر ويرتحل، ويأكل في أفخم المطاعم، ويرتدي أفخر الماركات، ويبني القصور، ويمتلك الملايين، ويأمر وينهى ويتحكم، بينما أحلام البعض الآخر أن ينعم بوجبة مشبعة، وسقف يظله، وملابس تستره، وعمل يعتاش منه، وتوجد بالتأكيد فئة تمتلك كل شيء، وتستطيع الحصول على كل ما تريد، وهذه لا تحلم؛ لأنها تعاني من تخمة وفائض من كل شيء.
والمؤلم أن أحلام الطبقات الفقيرة، هي حقوق أساسية يجب أن تحصل عليها في كل الأحوال والظروف، لكنه الزمان عندما يقلب لهم ظهر المجن، ومن هنا تصبح الأماني والآمال والتمنيات والرغبات وتحصيل الحقوق أحلاما للطبقات الدنيا في المجتمع، أو لمن أرغمتهم الظروف إلى ذلك كاللاجئين والنازحين من ضحايا الحروب والكوارث والظلم.
تصور قصة «أرض الأحلام» أمريكا، حلم الشباب في تحقيق طموحاتهم، وتكديس الأموال، وتغيير الأحوال، غير أن الواقع صادم؛ يبدد الأحلام، ويوهن العزائم. فقد دعاه صديقه لزيارته في نيويورك «ليجرب حظه هناك! تنهد طويلا، وقد علت عينيه نجمتان، وسكنت الخيالات عقله، راسما لنفسه أحلاما وردية في أن يصبح ذا شأن ومال تفتخر به أمه، بل عائلته بأسرها». وكان يحاول أن يقنع أمه بحماس: «كثيرا ما حدثها عن طموحه في أن يصبح رجل أعمال مشهورا يمتلك أراضي لا حدود لها، وأموالا لا عدد لها، وأنه سيبعث لها دعوة للإقامة معه عندما تسمح الفرصة، فكانت تكتفي بهز رأسها ورسم ابتسامة خفيفة، وهي خائفة في داخلها من أن تذهب أحلامه سدى » وفي أمريكا، كانت الخيبة تنتظره، وعمل مضطرا على عربة طعام؛ ليوفر ما يسد رمقه ويحفظ كرامته التي تُجرح أحيانا، وسخر من أحلامه وطموحاته ووعوده لأمه، فما هي إلا سراب أو محض أوهام تراءات له. لكن، من المُلام؟ هل هو هذا الشاب الذي ظن أن أمريكا أرض العسل والذهب؟ أم الظروف القاسية التي ألجأته إلى ذلك؟

ربا الناصر
في قصة «لقاء في المحطة» ما زالت السيدة الثكلى تحلم بلقاء ابنها العسكري الشاب، تنتظره في المحطة، وهي تحمل صورته، على الرغم من وفاته منذ ثلاث سنوات! إنه قلب الأم الذي يرفض أن يتقبل أن يموت ابنها، فيختلط عقلها، ليوهمها أنه ما زال على قيد الحياة، وتبقى تعيش على وهم الأمل.
ثمة أحلام طريفة في قصة «لوحة الفتى والسيدة العجوز» حيث تؤنسن اللوحة وتحلم، وقد كانت في البداية لوحة بورتريه لفتى حالم، كانت تأمل وهي في معرض التاجر أن تباع وتنتقل إلى مكان آخر، ومالك يحسن اقتنائها ويهتم بها، لكن طال انتظارها، وهي تتمنى أن يقوم التاجر بإصلاح الجدار الرطب الذي أتعبها وأضجرها.
وأخيرا اشترتها سيدة عجوز، وعلقتها على جدار في غرفة الجلوس، وكانت تعتني بها وتمسح عنها الغبار، فشعرت اللوحة بالألفة والقرب من العجوز «كدت أذرف الدموع حين بكت أمامي وهي تتأملني يوم تذكرت ابنها المتوفى في ذكراه السنوية، يبدو أنني أشبهه قليلا، وهذا سر اقتنائها لي. كم وودت لو أني أستطيع احتضانها لأهوِّن عليها قليلًا، يا ليتني كنت بشرا مثلك أيتها السيدة العجوز!». وعندما توفيت العجوز، تحولت إلى هالة من نور، ودخلت اللوحة بعد استئذان الفتى الذي تحقق حلمه «كنت في قمة سعادتي لأنها ستشاركني هذا الإطار الخشبي وتؤنس وحدتي، صرت متحمسا لبذل كل جهدي كي أبقيها مبتسمة وأزيل عنها رتابة الأيام التي عاشتها، لم أشعر بنفسي إلا وأنا أقبل يدها بكل حنان. هكذا تبدلت الرسمة من بورتريه لفتى حالم إلى لوحة «الفتى والسيدة العجوز» التي سيظل تحولها سرا أبديا لا يعرفه أحد غيري وهذه السيدة الطيبة». إنها الجمادات التي تتعاطف وتشعر وترق، بينما تتحجر قلوب البشر وتأخذهم الحياة المادية في موجها المتلاطم، فلا يشعر أو يهتم أحد بأحد.
يعجب فتى المخيم الفقير، طالب المدرسة في قصة «حلم مستحيل» بسلمى، ويحلم بها قنديل حياته ورفيقة عمره، لكن كيف سيحدث ذلك؟ ولذا ترك المدرسة وعمل في ورشة حدادة على طريق مدرسة سلمى، فكانت تحفزه نظراتها المفتخرة به، وتؤمله بغد واعد، لكن سفينة أحلامه تحطمت، عندما عاد ذات يوم، ورأى سلمى تزف إلى عريس آخر. حاول أن يخرج من المخيم ليبحث عن حياة أخرى، لكن الحرس منعوه وضربوه.
هل يحق لابن المخيم المحاصر أن يحلم؟ وإن حلم، ستبقى أحلامه حبيسة توصد دونها الأبواب، أو تلقى حتفها صريعة أمام ناظريه.
في قصة «ارتعاشة الفراش» «وعدها أن حياتهما ستكون كابتسامة الشمس لا تغيب أبدا عن إحداثيات أيامهما، وأن يسيرا معا على سحب رسمها في عالمهما الخاص، ووعدته بأن تحف حياتهما أجنحة ملائكة، لتمنحهما الحب والمودة». لكن ظروف الحياة القاسية، وطبيعته الجافة أحالت حياتهما إلى يباب، واللهفة إلى أحلام تبددت، حاول أن يجبر كسر ما فعل، لكن هيهات. نعم، الحياة قاسية، والظروف صعبة، لكن الإنسان المهزوم من يستسلم لجبروتها، ويتخذها مبررا لخيبته وفشله وضعفه.
تتابع الفتاة اليتيمة في قصة «شجرة التفاح» معلمتها بحب وهي تكتب على اللوح «كنت أتأمل تحركاتها بعينين حالمتين، متمنية أن أكون مثلها يوما ما». وكان تعلقها بالمعلمة وكذلك زميلاتها، لشخصية المعلمة المحبوبة، وإنسانيتها الجميلة، وموسوعيتها الكبيرة، وكان للفتاة ما أرادت، ودارت الأيام، وأصبحت معلمة في المكان نفسه. وهي قصة تبين أهمية شخصية المعلم الملهم وسلوكه وأخلاقياته على طلابه وتأثيره فيهم، وهو ما يفتقده قطاع التعليم إلى حد كبير.
حرمت سناء من إكمال تعليمها في قصة «وصبر جميل» على الرغم من رغبتها الشديدة في ذلك، فانكبت تقرأ وتكتب، وتعيش في عوالم الكتب، و«كانت كلما أرادت الهروب من واقعها الرتيب، تسرع في إمساك قلمها وتهم بكتابة قصص من صنع خيالها الغض، تخترع أبطالًا يعايشون واقعا مشابها لها، يحاربون من أجل أحلامهم وتكتب لهم نهايات سعيدة، فلطالما تمنت أن تختم قصتها هي بنهاية سعيدة». وتحقق حلمها في النهاية بالزواج من شاب مثقف شاركها أفكارها واهتماماتها. وهي قصة تؤكد النظرة الإيجابية للحياة، والأمل بالأجمل، وأن التفاؤل يجلب الحظ الحسن، وكما نصنع لغيرنا أقدارا جميلة وإن على الورق، فلا بد أن يُرد لنا الجميل يوما.
«أسطورة الذكريات» هي المنتج الإبداعي البكر للكاتبة الأردنية ربا الناصر، التي نالت جائزة يعقوب العودات للإبداع الشبابى 2009، وجائزة سواليف الأدبية للقصة القصيرة في عامي 2016، و2017.
كاتب أردني