قبل نهاية عام 2010 تقريباً كانت موجة أفلام الكوميديا والأكشن قد انتهت صلاحيتها وفي طريقها إلى الزوال. ففي هذه الأثناء ظهرت موجة أفلام إنسانية مختلفة، برز من بينها فيلم “سهر الليالي” للمخرج هاني خليفة، وكان ذلك بمثابة تحول في شكل ومضمون السينما المصرية التي ظلت لسنوات مهتمة بالربح على حساب المضمون باستثناء تجارب قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة كانت فارقة إلى حد كبير.
أما الغالبية فقد بُنيت مضامينها على ثيمة واحدة لقصة رومانسية مُفتعلة بين البطل والبطلة تتوج بنهاية سعيدة وزواج ميمون على طريقة أفلام الأبيض والأسود، بعد ما يكون البطلان قد تخلصا من كافة المعوقات بإشارة واحدة بالعصا السحرية!
هكذا شكل الاتجاه الموازي للكوميديا تياراً لا يقل سذاجة وسطحية وإن كان الجمهور انقسم حينئذ إزاء هذه النوعية إلى قسمين وتباينت آرائه ورغباته.
وفي سياق التقييم السريع لهذه الموجة خلال الفترة المشار إليها سلفاً نقدم نموذجاً لفيلم حقق رواجاً اقتصادياً وتجارياً كبيراً مع أنه من نفس النوعية السينمائية الخفيفة. ففي تجربته الأولى قدم المخرج عثمان أبو لبن الذي كان قد غير مساره من الفيديو كليب إلى الدراما، توليفة سينمائية اشتملت مكوناتها على أكثر من نوع، حيث ظهر العنصر الرومانسي بقوة على خلفية العلاقة بين الفتاة الأرستقراطية منى زكي والشاب الرقيق خالد أو مصطفى شعبان، الذي يهوى تربية الخيول ويرغب في السفر إلى أوروبا هرباً من رتابة الحياة وصدمات الإحباط المُزمن.
فمن البداية وحتى منتصف الفيلم يظل السعي نحو السفر بالاعتماد على حيثية الفتاة الجميلة الغنية هو الخط الرئيسي للأحداث، مجرد تفاصيل صغيرة تصب في نفس الفكرة يتخللها بعض المواقف الكوميدية التي يقوم بها رامز جلال الذي كان لا يزال في بداية مشواره الفني، وذلك في إطار اكتشافه كممثل كوميدي، وأيضاً من أجل تخفيف جرعات الملل من حالة الثبات الدرامي عند نقطة التقاء البطلين وترقب الحالة العاطفية الرومانسية التي جمعت بينهما.
وعلى مستوى آخر بدت عملية التحول التدريجي للأحداث لخلق صراع درامي مركب مُضحكة، إذ اعتمدت على ذات الفكرة التقليدية المُستهلكة وهي الاعتراضات العائلية على الحب الناشئ بين الفتاة الغنية والشاب العصامي الفقير. غير أن هناك صراعاً آخر لاح في الأفق بين رجل أعمال يريد الاستيلاء على قطعة أرض تملكها منى زكي في منطقة مرسى علم لتحويلها إلى منتجع سياحي.
وبموجب الرفض الشديد للمشروع من جانبها يحتدم الصراع بينهما ويدخل الحبيب وزوج المستقبل مصطفى شعبان طرفاً في القضية كداعم للبطلة ضد أطماع المستثمر الانتهازي ويتم التضامن معها من جانب بعض الأصدقاء الذين يتطوعون لحماية الأرض وصاحبتها ويشرعون في إقامة مشروع استثماري بديل، ولكن تزداد الخلافات بينهم وبين رجل الأعمال الشرير الذي يجرب في البداية أسلوب المناورة واللين فيحاول خطبة الفتاة وطلبها للزواج ويقدم إغراءات كثيرة للأم ماجدة الخطيب، لكن طلبه يقابل بالرفض فيُدرك أن هناك منافسا قويا له يعوق وصوله لغرضه فيتحول تجاهه ويصب جام غضبة عليه ليزيحه من طريقه.
وكعادة الأفلام التجارية تتولد مواقف التحدي وتتخلق مبررات الأكشن لإرضاء جمهور الدرجة الثالثة الذي يتم الرهان عليه في معظم الأفلام المنتمية لهذا الصنف، وهي الحيلة ذاتها التي تبناها كاتب السيناريو أحمد البيه الذي حرص على الجمع بين كل المشهيات الفنية داخل الفيلم من دون النظر إلى ضرورة تجانس العناصر كشرط لنجاح التجربة وتأثيرها، فلا معنى لوجود أكشن وكوميديا وقصة رومانسية من غير أوجه للإقناع الحقيقي القائم على المنطق.
وبالوقوف قليلاً أمام أدوات المخرج عثمان أبو لبن نرى أنه لم يكن واعياً في هذا الوقت المبكر من مشواره الإبداعي كمخرج بالفروق الجوهرية بين إخراج أغاني الفيديو كليب والفيلم السينمائي، حيث اهتم في المقام الأول بالصورة وحركة الممثل من دون النظر إلى صدق الإحساس في عملية الأداء والاهتمام بتفاصيل الشخصية وتكوينها، فيبدو أنه كان مهتماً أكثر بالشكل العام للمشهد وهو ما حدث بالفعل، فقد استطاع أن يلتقط بعض الكادرات السياحية المتميزة على اعتبار أنها جزءً من الإبهار، خاصة المشاهد الخارجية التي رسم من خلالها عدة لوحات للطبيعة الحية في مدينة مرسى علم، موطن الأحداث ومُلتقى العاشقين اللذين ارتديا في أكثر من مشهد ملابس بدوية تماشياً مع طبيعة البيئة الصحراوية واقتداءً بقصص الحب الشهيرة في التراث العربي كقيس وليلى وعنتر وعبلة وغيرهما، لا سيما أن البطل العاشق مصطفى شعبان كان فارساً مُدرباً على ركوب الخيل وأحرز فوزاً ساحقاً في سباق الفروسية الذي نظمه غريمه رجل الأعمال الذي تآمر عليه وكاد له فقطع سرج الحصان كي يُسقطه من فوق ظهره ويرديه قتيلاً فيتخلص منه ويخلو له الجو مع الحبيبة منى زكي.
أحداث مضطربة وغير مُقنعة وإيقاع بطيء رتيب لا يشكل أدنى إحساس بوجود إبداع، ولكن برغم العيوب الفنية في السيناريو والإخراج تبقى هناك محاولات جادة من جانب الأبطال للارتقاء بالأداء التمثيلي، فضلاً عن وجود اجتهادات حقيقية في التصوير أدت إلى تعويض الفاقد من المتعة، فالمشاهد السياحية والأغاني المصاحبة للمواقف الدرامية أغنت كثيراً عن ركاكة الحبكة الفنية وضعفها فبدا الفيلم كأنه حالة دعائية لمدينة مرسى علم ونزهة في سحر الطبيعة وجمالها بما يشبه المقايضة على الرحلة السياحية عبر الشاشة مقابل ثمن التذكرة.