هل لعبةُ الشطرنج إلا لعبةُ الشعراء؟ أولُ واضعيها همْ.. وأولُ لاعبيها: لعبةُ الضليل في سقْط اللوى.. بين الدخول فحوملٍ..
متسوراً محرابَه.. لأطل من قمريةٍ فيه، أنا الأعمى، على أيامه الأولى.. على ذكرى حبيبٍ في «قِفا».. لا النبتُ في سقْط اللوى ألوى، ولا «لامٌ» مولولةٌ على طللٍ؛ ولا عينٌ له ارفضتْ نزولاً وارتحالاً..
كانت الصحراءُ تسحب خلفها أبدا حريرَ رمالها.. من قاتمِ الأعماقِ، حتى بيته..
حتى مهب الريح.. في أم القرى..
٭ ٭ ٭
هو ليس بالملكِ المَسِيح.. ولا المسيحِ.. مُتوجا في رقعة الشطرنج.. لا طعمٌ.. ولا ملحٌ.. وليس بقيصر التمثال في الإبريز مضروبًا.. وليس بصورة في الكوب، من كسرى أنو شروان، مشروبًا.. وكيفَ؟ وهذه الكلماتُ للضليل، إذ يستطعم الكلماتِ ماءَ الشعر.. تسبح في تفاريج القصيدةِ، أو تغني مثله في فتحةٍ من صوتِها..
٭ ٭ ٭
رجلٌ حريري.. هو الضليلُ.. حيث له..
تماثيلُ الزجاج.. له مهادٌ من كَريناتٍ.. له من فوقهِ، منهن،
مُتشماتُهن.. رسومُ نيلجهن.. خَضْراواتُهن
لهُ غواشٍ..
٭ ٭ ٭
ليس لي غزلانُ رمل مثله.. أنا ليس لي ظَبَياتُ إنسٍ مثله..
أنتن يا غزلانَ رمله.. ملحُنا.. أنتن يا غزلان رمله.. طعمُنا..
٭ ٭ ٭
وله جفانٌ كالجواب.. مليئة.. يدعو عليها الناس.. من حجر.. ومن مدر.. .. له الأوثان من خشب ومن ذهبٍ.. تماثيل النحاس وعينهُ..
وله ِعتَاقُ الطيرِ من زرْق العيون.. صقُورها وبُزَاتها.. .. يدرجنَ.. ثم يطرنَ..
حيث لها الرياح غدوها ورواحها.. وله قدورٌ راسياتٌ.. حيثما حلت ركائبهُ..
خوابي خمره.. وله حواريوهُ من خُلْصان كندة.. حيثما حلوا بكناراتهم ودفوفهم.. محدودباتٍ.. نردِهم وطبولِهم..
وله توابعُ جنهِ.. والجن بين يديه تعمل (مثل جبرائيل) تروي ما يقول وتعزفُ .. الضليل يعرف سرها.. إذ تستفيض سماؤه حينا.. وحينا تغرفُ.. الضليلُ يعرف أنه الوثني كالصحراءِ.. يعرف أنه العربي كالصحراءِ.. حيث الغيمُ أشجارٌ وأعشابٌ معمرةٌ.. وحيث السيلُ لم يتركْ بتيماءِ.. جذوعَ النخلِ..(ذاك اليومَ).. حيث تحدرُ الأوعال من كل المنازل.. حولهُ
٭ ٭ ٭
قطعٌ من الشطرنج أركبها سفينتَهُ ونضدها
ـ أهذا فلْكهُ المشحونُ أم قفصٌ لنا؟ نحن الصواري والقلوعَ..
ـ كِناسُ وحش.. أم ترى ظبياتُ إنسٍ؟ أم تراهُ محط أرسانٍ؟ سفينتهُ؟
ـ لكن كيف جمعنا؟
ـ أهذي بابلُ الحيوان؟ حيث تنافرُ الأصوات.. في جنباتها.. هذا نهيقٌ أم نعيقٌ.. أم عواء.. أم صهيل.. أم خوار.. أم فحيح.. أم أزيز.. أم صرير.. أم زئير.. أم هدير.. أم طنين.. أم صياح.. أم ضباح؟
ـ ضرب أبواق؟
يقولُ الناخذاةُ السومري لراكبيها، حيث كان الماءُ يأسرُ كل شيءٍ:
لا تخافوا.. قد صنعتُ الفلْكَ من أشجار سومرَ.. هذه ألواحها..أخشابها.. من سوحرٍ.. ساج… ومن قرْطٍ .. وسدْرٍ.. لا تخافوا.. ذا ارتهازُ سفينة.. لا غير..
٭ ٭ ٭
كانت له رئتانِ من فرح..
وكان الحب يملكه ويملك كل شيء حوله.. الضليل.. يملك ليله.. وحصانه.. حتى حجار الغيل.. حتى موته.. في طحلب ترب.. بها.. لزبٍ..
بصاحبه يصيح: ابسط يديك.. لأرضها اليخضور.. كل البسطِ..
كنْ ما اسطعتَ.. أنتَ.. وما نويتَ.. وما تفكر فيه..
حيث النبتُ محتضرٌ.. فمختضرٌ.. تعشْ أبدا.. أليفَ مياهِها.. الصحراءُ.. جنتُنا ـ إذا ما شئتها ـ وجحيمُنا..
ولنا بها بيتٌ لذي.. بيتٌ لتلك..
٭ ٭ ٭
أقول هل عربية القرآن في عربية الضليل.. في عطفاتها الحبلى، سوى صدفٍ يربي درَهُ؟
فلكٍ تدورعليه خضرُ نجومِها حينا.. وحينا سُودُها؟ جناتُها وجحيمُها؟
٭ ٭ ٭
لحن ثنائي بصوتيْ شاعرين..معا..
«تغانٍ».. أو «تباكٍ».. من أنا؟
ـ أنا من «قفا» لي شكل ماء قصيدتي
ـ وأنا «نبات شادلٌ».. لي شكل بيتي في المعرة.. لونهُ
أنا ماء قافيتي.. نباتيا.. رواقيا..
كما القرآن منذ البدء خُلْقُ نبيه.. «هوَ» فيه «أنتَ» و«أنت» فيه «أنا»..
وللشعراء مثلُ الأنبياءِ صفاتُ دودِ القز.. مغشيا عليه.. لهم شرانقُ حيةٍ.. ولهم خلايا
النحلِ.. مثل حجارةِ الشطرنجِ.. هذا السوسنِ البحري.. هذا السوسنِ الحجري..
(أتباعٌ بيادقُ.. وهي تغلب كل رخ.. كل فيلٍ.. هم رعاياهم..
فقل لهمُ اعملو يا أيها الشعراء شكرا..)
٭ ٭ ٭
هل لعبة الشعراء إلا لعبة الشطرنج؟
هذا الأسودُ المُبيض، هذا الأبيضُ المُسود.. في ليل المعرةِ.. ضوؤهُ الأعمى، أنا.. حينا.. وحينا.. نورهُ المرمد.. طيفُ ظلالهِ.. وتلالهِ.. وهلالهِ..
والليل أعمى كالمرايا.. هل ترى جلدَ السماءِ، وموجَها المكفوفَ في كل الشآمِ؟
أتلك ريح قميص أمي..(كنت في بغداد يوم رحيلها)
أم تلك رائحة النجوم بعيدةً؟
أم تلك رائحةُ الحريق وطعمهُ؟
إحراقُ أهل الشامِ كعبتَهم؟
بل لعبةُ الأعمى.. هنالك في المعرةِ.. لعبتي.. إما ترادفتِ الخيولُ كما القوافي
الفيلُ هذا الطائرُ المائي.. مجنوني.. ومن سماهُ «مجنونا» ضعيفَ الرأي؟
ذا فرسٌ يحمحمُ في يد الأعمى ويصهلُ.. ثم يقفزُ نحو قافيةٍ..
وذا رخ يحلقُ فوقهُ..
٭ ٭ ٭
هل معجزُ القرشي إلا
معجزُ الكندي.. إلا معجز الجعفي أحمدَ.. معجزي؟
٭ ٭ ٭
الآن في «الغفران» ألعبها وحيدا حيث أجلس كامل الأوقات لي.. وإليّ.. هذي رقصةُ الشعراءِ.. أعني أصدقاءَ البيتِ.. أعني رقصةِ الأمواتِ، أعني لعبةَ الشطرنجِ..
أنظرُ من خصاصِ الباب..
ـ ما هذا الرمادي الذي يحويكَ؟
ـ رسمي في زجاجٍ دائري
في جناح كنيسة في الشامِ.. زيتُ طقوسها.. الذهبي.. من زيتونها.. متهدلاً.. صفصافِها الباكي..
ـ وهل عادت إليك يمامةُ الربان نوحٍ؟
ـ لم تعدْ بالأخضرِ الفضي.. بل
عادت بلا غصنٍ..
ـ وهل أرستْ سفينتهُ؟
ـ هنا.. لا شيء إلا ساعدَ المِرساةِ يُمسكُ بالسفينةِ..
غيرَ أن شراعها بالريح منتفخٌ..
ـ وهل شدوا خيولهمُ إلى أوتاد زيتون الشآم؟
ـ نعم.. وَرُزتْ في الترابِ.. فكانت الأوتادُ بعد رحيلهمْ جناتِ زيتونٍ لنا؟
والحربُ مثل السلمِ أنثى.. هكذا أبدا..
حديدُ رَحًى تدورُ بنا..
ـ وأينَ عصاكَ؟ ما أورثتني..
ـ ما دلهمْ أحد على موتي.. سواها… دابةُ الأرضِ التي أكلتْ عصايْ
شاعر تونسي