أحمد خلف يستدعي ذئابه السردية إلى الواقع العراقي

يقترح الروائي صورة مفارقة لبطله الثقافي، عبر أفكار واستعارات وتقانات، وعبر مجال لساني تختلط فيه الرموز بالتعبير، وعبر وظيفة هذا المثقف في رؤيته للعالم، أو في انحيازه لقلقه الوجودي، وحتى في وعيه لـ(الحقيقة) التي لا تبتعد عن الايديولوجيا أو التابو والجنس، وهي مرجعيات لم تتحرر منها الرواية العربية كثيرا.
الرواية ذات المنزع التجريبي تتعاطى مع فكرة (البطل الثقافي) بنوع من المغالاة، أو التهويم، إذ يبدو هذا البطل متمردا، ساخطا، ساخرا، ومطاردا، يمارس لعبته التجريبية عبر العبث، أو الهوس الجنسي، أو عبر لعبة الاستيهام اللغوي، تلك التي تحفل برؤى وطقوس، لها واقعيتها المنكسرة، ولها أقنعتها المواربة، ولها لغتها وسردياتها التمثيلية، وهي تخفي خلفها محنة ذلك البطل، وأوهامه، وأسئلة (وعيه الشقي) حول قضايا الصراع الإنساني، السياسي والاجتماعي والأيديولوجي.
في رواية مابعد الكولونيالية بدت رواية هذا البطل، وكأنها نظير لرواية الإنسان الثوري والحالم، والخارج من أوهام صراعه مع الاستعمار، أو من واقعية صراعه في المجتمع، بوصفه أنموذجا للتابع والثوري والأيديولوجي، لكنه المتورط أكثر في صراعات أنطولوجية، مُقنَّعة، ومهجوسة بما تقترحه السرديات الكبرى من شيفرات، ومن أصوات يعيش عبرها إرهاصات الوهم والواقع..
ثنائية الوهم والواقع تبدو أكثر وضوحا في لعبة (التحوّل) بوصفها ممارسة تعويضية، أو تمثيلية للصراع الذي يعيشه البطل، إذ هو يعيش التحوّل عبر كراهيته للآخر، أو عبر تقليده، أو عبر التماهي مع صورته الفائقة، التي تحدث عنها أدورد سعيد في كتابه (الإمبريالية والثقافة) ناقدا لصورة المثقف المتحوّل، إذ يستغرقه هذا التحول وكأنه رهابٌ عميق، يتجاوز فعل الدفاع اللاواعي عن الهوية، أو الذات، إلى لعبة البحث عن معنى هذه الهوية، أو عن وظيفة الذات في عالم مسكون بالظلم والقهر والاستبداد، والتي تترك بطلها السارد أمام مغامرة سردنة الشخصية، عبر أسطرتها، أو عبر تشفيرها بوصفها شخصية أضحوية، تعيش تشوهات التحوّل، ووهم الهروب إلى الحرية واللذة والخلاص.
في رواية «الذئاب على الأبواب» للروائي أحمد خلف الصادرة عن دار النخبة/ القاهرة 2018 يتجلى التحوّل عبر الرؤية الكابوسية التي يعيش هواجسها (البطل الثقافي) المتموضع في لعبة السرد، عبر بحثه عن القوى الغامضة التي تصنع كوابيسه، وعبر استنطاق المستوى التأويلي لهذا البحث، بوصفه بحثا وجوديا، وإيهاميا، ورغم طابعه البوليسي أحيانا، إلّا أنه الأقرب إلى سردنة فكرة (المطاردة) من الغامض والمجهول، وهي ثيمة سردية لها حضورها في روايات أحمد خلف، بوصفها مجالا استعاريا للتعبير عن القلق الذي تعيشه شخصية بطله، الذي يغترب كأي ّ (بطل إشكالي) أمام مهيمنة التحوّل في الواقع الجديد الذي جاء مع الاحتلال.
البعد السيميائي للمطاردة ليس بعيدا عن شيفرات الوعي الأيديولوجي للمؤلف، الذي يرهص به بوصفه تعبيرا عن موقف، أو سخطا على واقع استلابي عاش فيه لعبة البحث عن ذاته، إذ تتحول ثيمة المطاردة إلى علامة لمحنة البطل السردي، عبر تصميم شخصيته المضطربة، وعبر انخراطها في سياق صراعي، عاش تداعياته في الواقع العراقي بعد أحداث عام 1991، وبعد أحداث 2003، حيث اصطنع له تمثيلات سردية، قادته إلى فضاء ايهامي، تبدت فيه محركات سرد الحكاية الكابوسية، وطبيعة التوصيفية لـ(العدو) أو صانع المطاردة، فغموض هذا الصانع النسقي، يكشفُ للقارئ محنة البطل إزاء محنة ذلك الواقع، وإزاء أسئلة وعيه القلق وهو يبحث عن مطارديه، وعن الذي فجّر بيته، وقتل زوجته وابنته، وتركه وسط عوالم كابوسية.

الفكرة الرئيسة في هذه الرواية تقوم على سردنة سيرية لهذا البطل الإشكالي، المهجوس بالأسئلة، والباحث عن ذاته المسكونة بالاغتراب، عبر تعرية محنته، وأوهامه وكوابيسه، وعبر رؤيته المشوشة لواقع سياسي ليس بعيدا عن محنة الوعي الوطني، وعن انهيار شعاراته وسردياته الكبرى.

الذئاب برمزيتها، والأبواب بحمولتها السيميائية والكنائية عن الوطن والمكان، تنطوي على دلالات تستدرج القارئ إلى الإثارة، وإلى ما يمكن تسميته بـ(الحكي الاعترافي) والذي يجد في العتبة المركبة للعنوان مدخلا للحفر في سردية الزمن العراقي، وفي الكشف عن ما هو عميق في محنة البطل الشخصية، والتي يبدو فيها فعل المطاردة كناية عن محنة وجودية، لها شيفراتها الإحالية، على مستوى الكشف عن محنته السياسية والجنسية والنفسية، أو على مستوى علاقاته مع الآخرين- يونس الغطاس- أيوب النحيل، وهما شخصيتان أو قناعان لهما دلالتهما الرمزية، فضلا عن علاقته بـ(عبير) وهي علاقة استعادية تعويضية، تمثيلية تكشف عن صورة البطل الذي يتدخل أحمد خلف المؤلف بصياغته، عبر تقانة الميتاسرد، أو عبر شيفرة الحرمان التي يعاني منها هذا البطل..
عتبة العنوان هي عتبة الرواية، وهي مجالها التناصي مع محنة الواقع، ومع محنة الذات الساردة، إذ تتحول الإحالة بينهما إلى ثيمة للافتراس والانتهاك والمطاردة والموت، وإلى إحالة سيميائية نجد بعضها في روايات أحمد خلف السابقة، لاسيما روايته «تسارع الخطى» حيث تتحول فكرة المطاردة إلى لعبة سردية ماكرة، وصراع الشخصيات يتقنّع عبر ثنائية الرعب الواقعي والرعب الوجودي.

رواية البطل الإشكالي

من الصعب توصيف هذه الرواية بأنها ذات منحى سياسي، رغم ما فيها من إدانات واضحة للاحتلال ولجماعات العنف التي ظهرت في الواقع بعد 2003، لكنها رواية تقوم على فكرة (الشهادة السردية) حيث يبدو البطل المثقف أمام عالم كابوسي، تتلبّسه مشاعر الفقد والضياع والمطاردة، وهاجس البحث عن المرأة/ الجنس، وعن المكان الأليف، وهي تمثّلات ذات بعد أنطولوجي، أكثر مما هي تمثلات واقعية، فأزمة بطل أحمد خلف الوجودية، هي أزمة أبطاله دائما، وإن موقفه من الانكسار والهزيمة، يتناظر مع موقفه من الاحتلال ومن الجماعات العنفية ، بوصفه أنموذجا لموقف المثقف الستيني الإشكالي الذي عاش إرهاصات السياسية بمعناها الماركسي والقومي، وهواجس الثقافة بمعناها الوجودي، حيث السأم والوعي الملتبس بالحرية..
الفكرة الرئيسة في هذه الرواية تقوم على سردنة سيرية لهذا البطل الإشكالي، المهجوس بالأسئلة، والباحث عن ذاته المسكونة بالاغتراب، عبر تعرية محنته، وأوهامه وكوابيسه، وعبر رؤيته المشوشة لواقع سياسي ليس بعيدا عن محنة الوعي الوطني، وعن انهيار شعاراته وسردياته الكبرى. سردية البطل هي سردية جيل عراقي، عاش محنة التحوّل، ومحنة الحرب والاستبداد، محنة الاحتلال، حيث وجد في هزائمه (السردية) تمثيلا سيميائيا لهزائمه التاريخية، ولانزياحاته التعبيرية، تلك التي تنطوي على محفزات سردية تقوم على فكرة (اختراق الحجب) كما يسميها محمد صابر عبيد، وباتجاه توسيع إطار السرد عبر ربط محنة هذا البطل بمحنة الوطن الذي عاث فيه الاستبداد والاحتلال والعنف الأهلي خرابا.

تقانة السرد وهيمنة السارد العليم

مركزية السارد هي لعبة أحمد خلف في توصيف وظيفة بطله في الرواية، فهذا البطل هو قرين المؤلف/ السارد العليم، الذي يصطنع له منظورا هو بؤرة السرد التي توجُه مسارات السرد، وتفتحه على اشتغالات متعددة، لها علاقة بهوية الرواية، وبطبيعة وظيفة السرد بوصفه كملفوظ، أو دالٍ رمزي ينقله صوت السارد العليم، أو يتبدى واضحا من خلال التواتر الحدثي، والمتعلق بملاحقة يوميات البطل المُطارَد من قبل الآخرين، أو من هواجسه. المخطط السردي لرواية أحمد خلف يتشكّل من خلال وظائف السرد، في تمثيلها الدلالي والانفعالي، أو عبر شحن القص بإيحاءات ذات بعد اعترافي يتعالق مع تقانات الوصف والاسترجاع، والحدس، التي تتحول إلى مرايا يتجوهر فيها (التصعيد الدلالي) الكاشف عن محنة البطل، وعن رعب أسئلته، التي تتبدى واضحة عبر العتبة السيميائية للعنوان، بوصفها العتبة الموجهّة، والتي تتنوع إحالاتها إلى ذئاب الواقع، أو إلى استعارات اللغة وهي تمارس وظيفتها الدلالية، عبر المنظور التبئيري للبطل وهو يرى العالم من حوله مشوشا، مثلما يرى ذاته وهي تعيش فقدها الوجودي والإنساني.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية