أحمد عواد وأوهام البطل الإشكالي في روايات أحمد خلف

تبدو الكتابة عن سرديات أحمد خلف مخاطرة ومغامرة، كونها تعمد إلى مقاربة «البطل الإشكالي» بوصفه شخصية مأزومة، غير بطولية، لكنها شاهدة على ما هو مسكوت عنه، حيث الهزيمة في العلاقة مع الأب، وحيث المتاهة في الوعي، وحيث الصراع «الدونكيشوتي»، مع اشباح الواقع والسياسة، ومع مراثي الهوية وعطب الجنس، وحيث تتحول الحمولة الرمزية لهذا البطل، إلى لعبة استفزازية في الحكي، يتقصى من خلالها أوهام بطله ومتاهته وتاريخه الشخصي، على مستوى تمثيلها للأفكار التي يواجه حساسية أسئلتها، أو على مستوى تعبيرها الرمزي، لفوبيا الهزيمة الوجودية والسياسية، التي يعيش هواجسها وفجائعها وانكساراتها.
روايات أحمد خلف تجد في سيميولوجيا البطل/ الشخصية مجالا للتعبير الصاخب عن تلك الأفكار، وعن ما تكشفه من فجائع، إذ تتعرّى تلك السيميولوجيا عن طابعها البلاغي، لتبدو وكأنها تمثيل لعلامات الرعب الداخلي، أو لما تتقنع به من أقنعة تجعل شخصيته الإشكالية أقرب لصورة الشخصية الوجودية المأخوذة من روايات البير كامو، التي ترهن وعيها باللاجدوى وبالسخرية من الواقع، وبهزيمة «الأنموذج المتعالي» الذي عادة ما تصنعه الأيديولوجيا والثورة.
كتابة الممسوسين بالتمرد، هي الوجه الآخر لغريزة كتابته، وللتقانة التي يلجأ إليها، من خلال لعبة الأصوات، من خلال ما يشبه الاعتراف، والتطهير، والسخرية والشغف، حيث يجعلها أكثر تمثيلا للتعبير عن ما يجري في الواقع، وعن ما يجعل السردنة وكأنها تمثيل وظائفي لشخصية مضطربة شائهة، لكنها تحمل سمات «بروبية» تتحرك داخل نسق محكوم بذات، لها آخرها/ عدوها/ المحكوم هو الآخر بعلاقة تقوم على ثنائية الشخصية والمرآة، أو الشخصية والكتابة، وعبر ما يشبه «المونولوجي»، إذ تتبدى حركات الشخصية المُسردنة عبر فعل مراقبة الواقع، وعبر فعل التلصص على الجسد، وفعل الحلم بالتمرد، مثلما يجعلها وكأنها واسطة سردية لتشريح وتعرية الواقع والزمن والآخر، ولمقاربة مفهوم التخيّل السردي، بوصفه مفهوما يشتغل على لعبة تقويض التاريخ، عبر الاستيهام بتقويض شخصياته، حيث تكون تلك الشخصيات المضطربة والعاجزة والحالمة، أكثر انخراطا في سيميائية الصراع، وفي صناعة تاريخ يخصّها، تاريخ يومي، ممسوس بالهوامش، واصطناع الأشباح، لكنها مسكونة بالمطاردة، وغامرة بالشبق، والقلق، وبهوس أحلامها الفائقة.

الشخصية السردية ولعبة الحكي

توصيف الشخصية في روايات أحمد خلف، ينطلق من حساسية الروائي إزاء ما تزخر به الشخصيات الوجودية، فهو يختار عناوين رواياته لتكون عتبات سيميائية للسرد، ولكي تكون مداخل لاستدعاء أنموذج المثقف المأزوم، المثقف اللامنتمي، الباحث عن حريته، الذي يجد في لعبة السرد مجالا للكشف عن تمرده، وصخبه الداخلي، وعن أفكاره التعويضية بالجنس والقلق واللاجدوى، إذ يعيش معها هواجسه الوجودية عبر المطاردة، مثلما يعيش معها إسقاطات وعيه الإشكالي وما يثيره من أسئلة، تستفز وعيه الصاخب، وعي شخصية « المثقف الستيني» المشبوك بأوهام الحرية والجسد، مقابل الإحساس بالخيبة والعجز، والبحث عن فكرة وجوده المختل عبر ثنائية الجسد واللغة.
الكاتب أحمد عواد الخزاعي في كتابه الجديد «البطل الإشكالي في مسرودات أحمد خلف» الصادر عن الورشة الثقافية/ بغداد 2020 يدرك خطورة تلك المغامرة، لكنه حاول أن يستشرف أهمية الكتابة عن البطل الإشكالي في تلك المسرودات، بوصفه بطلا مسحوبا من التاريخ إلى الواقع، إيهاميا، متعاليا، يعيش نقائض ذلك الواقع، مثلما يعيش انكسارات لحظته الوجودية، حيث يفلسف هزيمته الشخصية والقومية، مثلما يفلسف هزيمة بطل كامو الذي يشبهه، التي تبدو أكثر وضوحا في تغويل فكرة اللاجدوى، بوصفها نوعا من رد الفعل على محنته، وانكسار أحلامه، وموت حريته، وحتى لحظته الشبقية الفاضحة، تبدو هي الأقرب للفكرة التعويضية عن إسقاط البطل الواقعي أمام الحضور المتعالي لبطله السردي، الباحث عن ذاته، والمتلصص على الآخرين، والممسوس بفكرة الخلاص والمطاردة معا، والبحث عن الغائب والبعيد، أو عن الأنثى التي تستعير قناع جوكاستا كما في الأسطورة الإغريقية، حيث يبدو بطله الأوديبي كارها للأب، كما في روايته «موت الأب»، قاتلا له، حامل وزر خطيئته، الذي هو وزر ذاته الوجودية التي تعيش الهوس بخطيئة العالم.
ثنائية الفلسفي والواقعي تتبدى عبر تمثلات سردية، حيث يكون البطل صانعا لأسئلة الاغتراب الوجودية، وحيث يكون مطاردا أو شبقيا أو باحثا عن ذاته، وبقدر ما تبدو هذه الهواجس وكأنها أقنعة لبطله الإشكالي المتمرد على واقعه، فإنها تبدو أكثر تمثيلا لقلقه وإحساسه باللاجدوى، إذ تلاحقه أشباح الماضــــي، وغــــواية الجسد، ولايقينية الفكرة، وأحسب أن هذا التمثـــــيل هو المقـــاربة التي يمكن أن يقرأ من خلالها الناقــــد دلالة ما يحملـــه البطل إشكاليا من سمات وعلاقات، وما يقوم به من وظائف، على مستوى بحثه الدائب والمهووس عن الحقيقة، أو على مستوى عقدته الأدويبية بنسقيتها الإكراهية إزاء الأب الطاغي، أو على مستوى هوسه بأساطير الأفكار والجسد، أو على مستوى تماهيه مع صورة البطل الدستوفيسكوي المسكون بفكرتي التطهير والاعتراف.

ثنائية الفلسفي والواقعي تتبدى عبر تمثلات سردية، حيث يكون البطل صانعا لأسئلة الاغتراب الوجودية، وحيث يكون مطاردا أو شبقيا أو باحثا عن ذاته، وبقدر ما تبدو هذه الهواجس وكأنها أقنعة لبطله الإشكالي المتمرد على واقعه، فإنها تبدو أكثر تمثيلا لقلقه وإحساسه باللاجدوى.

الزمن السياسي والشخصية المُطارَدة

هذا الهوس المركب ليس بعيدا عن صراعات الزمن السياسي العراقي، إذ هو زمن الرعب والحرب والإقصاء، مثلما هو زمن « الإخصاء» بدلالته الرمزية، الذي يوظفه الروائي من خلال صناعة «الشخصية الشبقة» التي تحلم بالاستحواذ، وفي أن تكون ندّا، حيث تحمل هواجسها إزاء الجسد «المُحرّم»، وكأنه محاولة للاقتصاص الفرويدي من الغائب/ الأب/ السلطة، حيث تكون السلطة مقابل الأنوثة، وحيث التلصص على الشهوة مقابل التلصص الذي تمارسه السلطة على ضحاياها..
هذه الثنائيات تُلقي بظلالها على مجرى القراءة النقدية، وعلى طبيعة المحاور التي حاول أن يشتغل الناقد في كتابه، إذ وجد في عصاب الشخصية مقابلا لعصاب الواقع، ولمحنة الشخصية علاقة باضطرابها في ذلك الواقع، ولنوازع القلق والإحساس بالمطاردة، كما في روايتيه «تسارع الخطى» و»الذئاب على الأبواب» مقابلا لصورة البطل الواقعي، الذي يعيش قلقه إزاء السلطة أو القوى الغامضة، فهاجس المطاردة يمزج واقعيته بفنطازية وجوده في عالم مسكون بالقتلة، والأوهام، وحتى صورة البطل الشبقي والأوديبي يستعيرها من المرجعيات الفرويدية، بوصفها جزءا من المشغل اللاشعوري، التي تقابل تمثيله لذات البطل الستيني المركزي، الباحث عن وجوده « الإشباعي» في الكتابة/ الحلم، ولذائذ الجسد والأنثى المخفية، كما في روايته «الحلم العظيم»، فضلا عن هويته السردية في اللغة، إذ تتحول اللغة إلى مجسٍ هيدغري، لاستكناه العالم، وللبحث عن الحقيقة أو المعنى، وبقدر ما تضج روايات أحمد خلف بأصوات الباحثين والمطاردين المتعددة، فإنه يجعلها ضمن دائرة سؤاله الوجودي، حتى يبدو صوت البطل الإشكالي المُطارَد، وكأنه صدى لصوته، إذ يجد في هذا البطل، القلق، العارف، المهووس أنموذجا لتمثيل شخصية مركبة، تمزج بين الوظيفة البروبية، والوظيفة التأملية، حيث تراقب وتُطارَد وتتلصص وتفلسف العالم من حولها، رغم ما يشوبها من أعطاب وجودية، وما يحاصرها من هواجس ورقابات تجعلها تعيش هوس المطاردة والخوف وانتظار الآخر..
لقد أحسن الناقد أحمد عواد عملا حين جعل من فكرة البطل الإشكالي مجالا محددا لمقاربة الشخصية في روايات أحمد خلف، حيث ربط مفهوم الإشكالي بالبنية الصراعية لتلك الشخصية، داخل الفضاء الروائي، وهو ما جعلها محورا لمقاربة قد تأتي لاحقا لعلائق تلك الشخصية مع الزمن والمكان الروائيين، بوصفهما عناصر بنائية لها دلالتها في ترسيــــم حدود التوصيف الإشكالي للبطل/ الشخصية، عبر وجوده في الثيمة، والسرد، أو عبر وظيفيته في إثارة الأسئلة، وفي الاندفاع نحو مواجهة الواقع، عبر سردنة أفعال المطاردة التي يعيش هواجسها، وعبر التماهي مع الفكرة الفلسلفية عن الاغتراب الذي يستلبه، ويضعه في مواجهة الواقع وتحولاته، وفي مواجهة ما تقترحه الهوية السردية لبطله الإشكالي الذي يعيش محنة وعيه الوجودي، ومحنة مطاردته وصراعه الافتراضي والواقعي مع الآخر.

٭ كاتب من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية