أحمد غصين بصدد تفكيك نقدي لخطاب المنتصر منذ “النكسة” ويصف الرابط بين الجنوبي ومطارحه بفائق التعقيد

زهرة مرعي
حجم الخط
0

“جدار الصوت” فيلم نقل عمق الشخصيات ومشاعرها

بيروت-“القدس العربي”:منذ فيلمه الوثائقي “أبي ما زال شيوعياً” سنة 2012 أثبت المخرج أحمد غصين جدارته في التقاط المشاعر وإظهارها. وفي فيلمه الروائي الأول “جدار الصوت” زادت لديه تلك الجرعة الجميلة. فحين يرتاح الحوار تُطلق الكاميرا يدها في حصد نتف المشاعر وتجميعها، من العيون والجسد وحركة أطرافه، وحتى من غياب الصوت.

سنة 2019 بدأ فيلم “جدار الصوت” يجول في المهرجانات، وكانت بداياته في مهرجان البندقية حيث فاز بثلاث جوائز معاً. وفيه روى أحمد غصين بعضاً من حياته في جنوب لبنان حيث ولد وكبُر في ظل الاعتداءات الصهيونية، ومن ثمّ الاحتلال، وبشكل غير مباشر. طرح تساؤلات، وقدّم صوراً لناس يواكبون هذا النوع من العيش الفاصل على الدوام بين الحياة والموت، وصراع الصمود أو الرحيل.

مع المخرج أحمد غصين هذا الحوار:

*بأي هدف ركزت على المشاعر الإنسانية لبشر يقترب منهم الموت ويبتعد؟

**المشاعر الإنسانية ليست “حاف” أو منعزلة، بل هي مترابطة مع مصائر البشر. وتأتي تلك المشاعر متزامنة مع البعد السياسي والوجودي والشاعري لتلك المرحلة. من تلك الأمكنة تأتي السينما، وفي هذا الفيلم بالتحديد نحن حيال مصائر تلك الشخصيات التي نحن بصددها. أو مصائر الشخصيات التي انهكتها الحروب المتكررة والأحداث. مصائر شخصيات تطرح أسئلة تبقى دون إجابات. وأيضاً مصائر من يعيشون في دوّامتها، كبطل الفيلم الذي ينقلنا إلى الجنوب، ومن ثم يندمج مع المجموعة التي ينضم إليها. شخصية لديها سيل من الأسئلة منها البقاء أو الرحيل من الوطن؟ الانتماء أو عدم الانتماء لتلك المنطقة؟ التعب من الهزيمة المتكررة؟ اقتراب الموت المتكرر من البشر بحيث يصبح الخطر أمراً عبثياً وساخراً. وهذا الجانب تعالجه السينما بعمق وبنقل المرارة بسخرية سوداء. الواقع العبثي أداة تجذبني للعمل بها ومعها. وبالعودة للسؤال عن مصائر تلك الشخصيات فهي لبُّ الموضوع في الفيلم.

*هل ترى الابتعاد عن المواقف السياسية مصدر قوة للفيلم؟

**للفيلم مستويات ثلاثة. مستوى القصة وهي “حدوتة” البحث عن الأب وعدم ايجاده، والانضمام إلى محموعة من الناس تحتمي بمنزل، ومن ثمّ يحتل الجنود الطابق الأول. يليه البعد الذي عالج الأمور مجتمعة، وأسميه شاعرية الكاميرا مع الصوت ومصائر الشخصيات التي تتكامل ضمن مجموعة واحدة لتشكل مشاهد الفيلم، الذي يشكل رحلة تنطلق من السيناريو وتذهب إلى أمكنة أخرى.  يشكل السيناريو لي كمخرج نقطة انطلاق ولا أنفذه بحرفيته. أرى الكاميرا شخصية بحد ذاتها، وكذلك الصوت والشخصيات جميعها تتكامل معاً. والمستوى الثالث سياسي، فلا عملاً فنياً من دون سياسة. يتعرف البطل إلى والده من المجموعة التي احتمى معها، والتي أخبرته أنه كان مقاوماً في الثمانينيات. كذلك الأمر لمن ينتظرون “الشباب” ولا يأتون. العمق السياسي موجود بقوة في الفيلم كالقول إن لا منتصر في الحروب. تُخسِّرنا الحروب جزءاً من إنسانيتنا. رغبتنا في العالم العربي بالانتصارات المتكررة لم تجلب علينا سوى المصائب. عقلنا العربي يبدِّل التسميات فتكون نكسة، أو نستثمر أي إنجاز في مطارح سياسية. إلى ذلك اللاانتماء هو سياسة بحد ذاتها. واخفاء وجوه الجنود الإسرائيليين سياسة أيضاً.

*ولماذا بطّنت السياسة بهذا القدر؟

**ليس للسينما تقديم السياسة مباشرة. بل وضع إطار للمجتمع وتفكيكه، وفي هذا عمق السياسة. وعمق الفكر والسينما. وأصرّ على أن لا سينما بعيداً عن السياسة.

*طرحت أسئلة حول هزائمنا الدائمة. ما هو دورك كصانع سينما في هذا الشأن؟ إظهار الهزائم؟ شد العزائم؟ أم ماذا؟

**لست بصدد إظهار الهزيمة سينمائياً. بل بصدد تفكيك نقدي لخطاب المنتصر الذي نرفضه منذ “نكسة” سنة 1967. ومن جهة أخرى ليس هدف السينما صناعة البروباغندا. فأحد جوانب هزيمتنا أن جنودنا يواجهون سؤال القتل في المعارك حرام أم لا؟ لست من النوع الذي يقدم فيلماً استجداء لعطف آخرين. العدو بالنسبة لي تحصيل حاصل. اوجه اهتمامي إلى منبع التفكير وتفكيك الخطاب. فالسينما لا تنقل الحياة بل هي الحياة. لهذا نردد “أووف” هذا المشهد ينفع فيلماً سينمائياً. فليس للسينما نقل الواقع، بل أن تعطينا مفهوماً آخر للواقع، وهي بحد ذاتها تمنح الحياة. بالنسبة لي ذاك الشاب التائه بحثاً عن والده، وهو لا ينتمي للمكان، أو تلك الجماعة المُنْتظِرة ولم يأتها مغيث، أو تلك الكاميرا التي تخرج لتتنفس الهواء، فتواجه بقرة تحتضر. وكذلك خروج الشاب إلى مكان يلفه الدمار، وفي باله يلحُّ سؤال البقاء أم الرحيل. مصائرنا تهمني كمخرج، وكذلك السؤال لماذا ما زلنا على قيد الحياة؟ بقاء الناس في أماكنهم ليس مرتبطاً بالصمود، بل هو أبعد بكثير. إنها تعقيدات الحياة، والملل، وعدم الرغبة من مغادرة المنزل. الرجل العجوز الصامد في ضيعته ليس بصدد خطاب صمود سياسي أو بروباغندا. بل لا يريد ترك منزله رغم إعادة بنائه بعد كل حرب. الرابط بين الجنوبي ومطارحه فائق التعقيد.

*شاعرية الكاميرا البارزة بقوة في “جدار الصوت” هل اكتسبتها من السينما أم من فنون أخرى تجيدها؟

**من الإثنين معاً. عالجت السينما الكثير من القصص. والمكان المغلق تكرر بما لا يُحصى. جمع الشخصيات في مكان واحد يعود لكل مخرج أن يقدمه برؤيته الخاصة. المخرج ليس تقنياً، بل هو فنان يستمد من الفلسفة والشعر والأدب، وجميعها تلتقي في السينما. حركة الكاميرا بالتعاون مع شادي شعبان، ونوع الألوان أضفى عمقاً أكبر على الشخصيات. وفي أي لحظة يمكن للكاميرا أن تتنفس بالخروج من المكان المغلق. الصوت واللاصوت يهدفان لتشكيل حالة ما للمتلقي. للكاميرا نصّها الخاص بعيداً عن السيناريوهات، ولها كتابة الزمن. الكاميرا والتمثيل والصوت ثلاثي يتوازى بالأهمية.

*هل تحمل ذاكرتك عدوانية جدار الصوت المطلقة وأنت طفل؟

**بل تحمل ذاكرتي الكثير من جدار الصوت، وتحمل دهشة الطفل الذي ينظر إلى 300 قنبلة مضيئة تتهاوى، حيث التناقض الكامل بين الجمال والخطر. إنها جمالية الخطر، فنحن جيل عاش قرب الحروب ولم يعش حرباً. اختبأنا كثيراً في الملجأ. ذاكرتي كما غيري تحمل كثيراً من الخوف واللعب معاً. العيش الدائم قرب الخطر يصبح واقعاً وحقيقة وليس دراما فقط.

*نشأت في الجنوب فهل تَشَكل لديك تراكم واضح ناتج من عدوانية العدو الدائمة وهزائمنا كما اسميتها؟ هل هو تراكم أسى أم غضب أم تكديس لوعي انفجر في “جدار الصوت”؟

**لم أكن مهتماً بفيلم حربي بقدر اهتمامي بواقع الحياة. بين الغضب والمعرفة ثمة أدوات نمسك بها ونكتشفها مع الوقت. مشهد اختفاء السحر وحلول الأسطورة مكانه يعود للطفولة. فما هذا الساحر العاجز عن إخفاء حمامة؟ وثمّ تأتي الأسطورة والخيّالة والأيدي التي ستُقطع. هذا يعيش فينا دائماً، ويخرج  دون قرار. مخزون يخرج تدريجياً ونكتشفه من ضمن أدواتنا. وليس دائماً نثق بما ننفذه، فاللتجربة حيزها. وبالعودة إلى لب السؤال فأنا أستمد من الواقع للذهاب إلى مكان آخر وبدون نقله بحذافيره. طبعاً لحظة الحياة والصورة الواقعية أقوى من أية صورة سينمائية. أهتم بالخوف الذي يسكننا أكثر من إعادة تجسيد لحظة الإنفجار. فلحظة انفجار 4 آب/اغسطس أقوى بكثير من أي سينما. لهذا التفت إلى تداعياته ومصائرنا بعده.

*لماذا أختلف العنوان العربي عن الإنكليزي “أي نصر”؟ وهل هو للسخرية؟

**ليس سخرية بقدر ما هو إعادة قراءة. ثمة انتصارات دائمة تتركنا عراة من أي تساؤل أو نقد. قد يكون الفيلم تحدث عن حرب معينة، وفي الوقت عينه عن أي حرب. صنع الفيلم بعد حرب تموز بسنوات، وفيه تساؤلات عن ما حدث بعد كل تلك الانتصارات؟ وما هو مصير واقعنا المفكك والمدمر؟ وماذا عن الحروب الأخرى التي حلّت على منطقتنا لتقتل وتدمّر؟

*بين المُشاهد العربي والغربي هل اختلفت ردة الفعل؟

**رافقت عروض الفيلم في عدد من المهرجانات العربية والغربية ولم أجد اختلافاً. كل فيلم مصنوع جيداً ويطرح تساؤلات ويتضمن حالات ومشاعر سيجني التعاطف والتوافق مع مقولة المخرج. عبّر النقاش عن قراءات مختلفة كل من خلال تجربته الخاصة ومنطلقاته ومحليته.

*كيف اخترت إثنين من أبطال الفيلم من أساتذتك بطرس روحانا والراحل عادل شاهين. وكذلك عصام بوخالد أستاذ في معهد الفنون؟

**هم أساتذة وممثلون محترفون كبار. كان تحدياً وقلقاً أن أدير أساتذتي أمام الكاميرا. مستوى الاحتراف الذي يتحلون به يجعلهم يحترمون رؤية المخرج. وبدوري احترمت حضورهم جداً. سبق التصوير نقاش واسع عن الأدوار، وجرت تمارين. أعرفهم جيداً ـ ورحم الله عادل شاهين ـ ومؤكد أن الخيارات ليست واسعة لأعمار مماثلة في لبنان. حظي كبير أنهم قبلوا دعوتي لتجسيد الأدوار، كذلك عصام بوخالد الذي أدى دوراً صعباً. فتواجد خمسة ممثلين في مكان واحد شكل تحدٍ للجميع.

*لماذا شقيقك كرم غُصين بطلاً وفي دوره الأول أمام الكاميرا؟

**أردت هذه الشخصية التي تنتمي ولا تنتمي. شخصية تقيم مسافة مع محيطها. ملامح ومشاعر وجدتها في كرم لأني أعرفه جيداً. حمّلته ثقلاً كبيراً، وهو يعمل مصوراً سينمائياً وليس بممثل. أرغب بالمزج بين محترفين وجدداً كما سحر منقارة. كرم وسحر وجدا الكثير من المساعدة من الممثلين العمالقة الذين حضروا معهم في الصورة نفسها، والذين كانوا في غاية التفهم والتواضع والعطاء خلال التصوير.

*تساءل بعض النقد الصحافي إن وخزك ضميرك وأنت تصور دمار بلدة الزبداني السورية وأهلها ممنوعون منها. فماذا تقول؟

**قبل الجواب أسألك هل شعرت شخصياً بأن مشهداً ما شكّل جرحاً لأحد ما؟

*لفتني تلاصق الأبينية وارتفاعها ولم تقل لي أنها تنتمي لقرية. فقط الشريط الختامي أبلغني أن التصوير جرى في دمار الزبداني.

**في الحوارات التي جرت معي اعتذرت من كل شخص ترك لديه التصوير في الزبداني أسى ما. لم يكن وارداً عندي الانتقاص من أي مأساة أخرى بل العكس. لست حيال فيلم وثائقي، ولم نخف مكان التصوير. فنظرة البطل إلى السماء تشي ربما ببرميل متفجر قد ينهمر على الناس الذي يرون الدمار واحداً من أي جهة أتى. لم أكن وبشكل قاطع أرغب بنسب مكان لمكان آخر. أمكنة التصوير ممارسة معروفة في السينما ودون سؤال لتحديدها. والأهم ما يقوله الفيلم. لست أدري إلى أي حد المباشرة مطلوبة بالقول إن النظام وحزب الله دمّرا في سوريا؟ هذا التساؤل لم أكن بصدد دخوله. لكني قلت إن اللقطة الأخيرة تُذَكِّر دون شك ببراميل النظام الأسدي ودون مباشرة. إن وصل هذا فجيد. فلست بصدد الانتقاص من المأساة السورية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية