أحمد غصين يبرع في استخراج المشاعر البشرية في مواجهة الحديد والنار

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: عاكست الظروف طويلاً فيلم «جدار الصوت» فطال انتظار عرضه للجمهور في لبنان بعد مشاركته في الكثير من المهرجانات العربية والدولية.
يمكن القول إن الغيمة انزاحت من طريقه، كما غيره من الأفلام التي صنعها لبنانيون، وهي تنزل تباعاً على لائحة الأفلام الأسبوعية. فغدا الخميس ينطلق الفيلم الروائي الأول لأحمد غُصين في صالات سينما فوكس في «سيتي سنتر» الحازمية، وهي الوحيدة الصالحة للعمل في لبنان.
إنه عدوان تموز/يوليو 2006 نعود إليه سينمائياً مع فيلم «جدار الصوت». كثّفه المخرج وكاتب السيناريو أحمد غصين «بالتعاون مع آخرين» في حوالي 90 دقيقة، وحمّله رسائل إنسانية عدّة. وأثبت في شريطه هذا تميزه في إلتقاط المشاعر البشرية وتنويعها في مواجهة الحديد والنار.
فمحور التصوير الأكبر يدور في بيت جمع خمسة أشخاص في قرية جنوبية قريبة من حدود فلسطين المحتلة، وفي زمان يمتد لأكثر من يوم.
وفي موجز عن الفيلم أن «مروان» كرم غُصين ينطلق بسيارته من بيروت نحو الجنوب، متحدياً القصف الصهيوني والجسور المدمرة والطائرات التي لا تفارق السماء، ليأتي بوالده من القرية بعد اندلاع حرب تموز/يوليو.
يصل بيتهم المهدم ولا يجد والده. يقصد منزلا فيه صديقان لوالده مستفسراً عنه، فلا يجد سوى محاولات لتبريد قلقه.
ينضم إليهم مرغماً مع اشتداد سقوط القذائف، ومن ثم يأتيهم رجل وزوجته للإحتماء معهم. خمسة أفراد من أعمار مختلفة يحسبون مع كل قذيفة أن الموت يترصدهم على الباب. يكتشفون وجود جنود صهاينة في الطابق العلوي، فتنكتم أنفاسهم. أحدهم يجيد العبرية فيترجم بعض ما ينطق به المحتلون فوقهم. في هذا المكان الضيق يتقاسم الخمسة قليلاً من ماء الشرب المتبقي، ويتضامنون في خوفهم. أحدهم دائم السؤال عن «الشباب» وكأنه يطلب نجدتهم وتخليصهم من ورطتهم، و»مروان» لا يجد جدوى من كل هذا، بل يظهر مشاعر معاكسة.
أصاب عميقاً أحمد غصين في صياغة الحبكة التي قدّم فيها المشاعر التي تنتاب أي إنسان محكوم بالعيش في حصار ناري كثيف، من الجو والبر والبحر ربما. تلك المشاهد شكلت لبّ فيلم «جدار الصوت». برع في تنويع أحاسيس مجموعة الممثلين الخمسة، وفي ابتكار إضافات مشهدية رمزية مؤثرة كالتصوير داخل دورة المياه، وجعلها تفيض من شدة القصف.
وحين ترك للكاميرا حرية الخروج قليلاً من حصار الجدران اختار لها مزيداً من رقة المشاعر وعلى أكثر من صعيد. كذلك تصويره للمشاهد الليلة وما تخللها من قنابل مضيئة.
تعددت مشاهد خطف الأنفاس، ومعها ساد الترقب القلق للمشهد التالي. ربما كانت الأنفاس هي الموسيقى التصويرية المرافقة للمشاهد التي خلت من صوت القذائف وهدير الطائرات.
وفي الخارج كان الكلب المرافق للقوات المعادية يلهث بدوره ساعياً لإشتمام أنفاس بشر.
وفي نهايات الفيلم تكون «العِجْلَة صبْحة» قد أصيبت بشظية تتلوى وتفارق الحياة. وفي مقلب آخر تشرقط الكهرباء على الأعمدة وفي المنزل من غير سبب. يصدح صوت أذان الصباح منذراً بيوم مشرق. يخرج المحبوسون من مخبئهم، ويهيم «مروان» برأسه المرفوع نحو السماء الصافية متفقداً حطام القصف الذي خلًفه الصهاينة في قريته، ولم يسلم منها بيت.
وعلى مقلب آخر من الفيلم طرح السؤال عن عنوانه بالعربية «جدار الصوت» مشروع. فجدار الصوت بحد ذاته الذي مارسه الصهاينة طوال سنوات على اللبنانيين جريمة ضد الإنسانية. فهل المقصود هذا الجدار الذي يوقظ حتى الموتى مرعوبين في عزّ سباتهم الأبدي؟ أم المقصود هو ذاك الجدار أو السقف الفاصل بين خمسة لبنانيين يحتمون من القصف، والجنود الذين يحتلون الطابق العلوي؟ الجواب متروك للمخرج، الذي تُحسب له قدرته في إدارة الممثلين سيما وأن شقيقه «كرم» الذي أسند له في تجربته الأولى دور البطولة قد أبلى بلاء حسناً كذلك سحر منقارة.
أما الممثلون الثلاثة الآخرون فمحترفون وأساتذة بامتياز، وهم الراحل عادل شاهين، والأستاذان بطرس روحانا وعصام بو خالد وفلافيا بشارة.
«جدار الصوت» الذي أنتجته «أبوت بروداكشن» فيلم مشاعر بشرية وإن تخلله تلميح بسيط إلى اختلاف في وجهات النظر من عدوان تموز/يوليو 2006. فعنوان الفيلم بالإنكليزية: «كل هذا النصر» وإلى جانبه موقف بطل الفيلم من «الشباب» الذين ينتظرهم صديق والده.
وفي تعريف عن المخرج أحمد غصين فهو فنان وصانع أفلام يستخدم وسائط عدة في عمله من الفيديو آرت والتجهيز، الى التصوير الفوتوغرافي والفن في الأماكن العامة.
عرضت أعماله الفنية وأفلامه حول العالم، مثل متحف الفن المعاصر «مو ما» نيويورك، وبينالي الشارقة 2010 و2012 ومركز بومبيدو للفن في باريس، ومهرجاني كان وبرلين السينمائيين.
عرض فيلمه الروائي الطويل «جدار الصوت» ضمن أسبوع النقاد في مهرجان فينيسيا السينمائي ونال عنه ثلاث جوائز «أفضل فيلم» و«جائزة الجمهور» وجائزة «أفضل تقنيات سينمائية».
يذكر أن رنا عيد تولت إنجاز هندسة الصوت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية