أحمد قعبور: «ما عندي مينا» إعلان متجدد لإدماني على بيروت… تساقطت الأحلام وباتت أغنيتي «معيوشة» وأكثر إنسانية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

غازل بيروت ورقص الفالس مع أمواج بحرها.. وتذوّق «كعك العبّاس» الأهم من النووي

 بيروت ـ «القدس العربي»: بين مجموعته الغنائية الأولى «أناديكم» التي اخترقت المسافات والحدود والضمائر الحية، وجديده «ما عندي مينا» يواصل الفنان أحمد قعبور صياغة الكلمة واللحن بحب والتزام إنساني. ينسج أفكاره وقناعاته عبر بوصلة لم تبدّلها التغيرات الكبرى في العالم، إنما أنسنتها.

في جديده «ما عندي مينا» كثير من العاطفة، خاصة في أغنية «أختي أميرة» التي يلتقي حولها كثيرون باتت الوحدة رفيقاً دائماً لهم. ولم يغب عن الموقف والتحليل خاصة في أغنية «كعك العبّاس». بعد 11 مجموعة غنائية، و49 عاماً من الفن ماذا يقول أحمد قعبور؟
هنا الحوار:
○ أطلقت مجموعة أغنيات «ما عندي مينا» ومن حينها وسفرك متواصل. فماذا عن حضورك خارج الوطن؟
• لا يتجاوز زمن السفر الأسبوع. تتراوح استدعاءاته بين ندوات، ومؤتمرات أو حفلات، ولا صلة بأغنية «ما عندي مينا» بالسفر. تريثت طويلاً بعد تفجير المرفأ، ونأيت عن الكلام المستهلك من غضب واستنكار ووو. مع مرور الوقت وزياراتي للمقاهي البحرية، راودتني قناعات بأن من فجّر المرفأ عاجز عن تفجير البحر. نعم، خسرت المرفأ كمَعْلَم لمدينة حملت اسم مينائها. «ما عندي مينا» بَثّت تكهنات بأنها ستتناول التفجير، وكانت المفاجأة أنها أغنية حب للمدينة وبحرها وناسها، وتاريخها وصبرها، وموانئها «اللي بتاخد وبترد» وساحاتها وموعدها الدائم مع الانتفاضات والتمردات وإطلاق الصوت. «ما عندي مينا» واحدة من ثماني أغنيات في الباقة الجديدة، التي قررت بثها عبر يوتيوب تباعاً. للأسف لم أتمكن بعد من تصويرها فيديو كليب بسبب الكلفة، لكني صوّرت أغنية «أختي أميرة». أبحث مع صديقات وأصدقاء عن فكرة لتصويرها. اخترت عنوان المجموعة «ما عندي مينا» رغم سلبية التعبير، إنما مضمونها دفء وحب. إنه إعلان متجدد لحبي وإدماني على مدينة بيروت، حبي لها يضاعف حرصي لأكون أحد أصواتها. أنها حكاية «ما عندي مينا» التي تقصّدتها على إيقاع الفالس، تخالجني مشاعر بأن سامعها يتهادى ويتمايل، تماماً كما بحر بيروت.
○ «أختي أميرة» أغنية يتغلغل نصها في حياة الكثيرين من الذين دخلوا سن الكهولة. لماذا «أختي أميرة»؟
• في بدايات شبابنا ورغبتنا الشديدة بتغيير العالم، وانحيازنا الكبير نحو القضايا الإنسانية المحقّة، خاصة وأننا نعيش قضية احتلال فلسطين، كانت الأغنيات وطنية مباشرة، كنا نعيش قضايا الحريات وننشدها، نتيجة أنظمة الاستبداد الحاكمة. واتكأت أغنياتنا على أيديولوجيا اختارها كل منا. للأسف مع الوقت والعمر تساقطت أحلامنا، لأسباب ليست اللحظة مناسبة لذكرها. ابتعدنا عن الأيديولوجيا واتجهنا للمنحى الإنساني والجمالي. أعتز وأفتخر بمجموعتي الأولى «أناديكم» ذات النفس الوطني. دخلت أغنيتي المفترق الإنساني مع «يا رايح صوب بلادي». لم يعد التواصل مع الناس كجماهير أو وقود للحروب. بت أكلّم الناس كبشر من لحم ودم وأسماء. في هذه الأغنية أحكي عن «الحج محمد» وعن «البنت بكفرمتى» وعن بيروت ليس المدينة التي حوصرت وتحررت من الاحتلال، بل عن قرميدها الذي يزول بالتدريج، وفقدانها لأحد أهم وجوهها. اقتربت من اليومي والمعيوش، معالم التحول كبرت في الألبوم الثاني «حب» حيث بدأت المعالم تكبر وبالتدريج، مع أغنيات «نحنا الناس» و«لو جمّعنا دموع الأرض» وغيرها. جذبني العمل في مسرح الأطفال، بت أرى العالم من خلال نظراتهم، وأسمع أسئلتهم الكبيرة والجميلة. بالوصول إلى مجموعة أغنيات «بدي غني للناس» ومجموعة «لما تغيبي» وحالياً «ما عندي مينا» بات للأغنية معنى إنسانيا أكبر. إذاً لا مشكلة في تسمية الأغنيات، إنما الحب بات معاشاً ومفهوماً أكثر. دخل التمرّد والمدينة والناس أغنيتي في مرحلتها التالية. بت أحكي عن الشبابيك، وعن البحر والنهر، وطاولة المقهى، نعم، كما سألت أخذني العمر من العنوان السياسي العريض، ومن الأيديولوجيا الثابتة والجامدة نحو آفاق إنسانية، وأخلاقية وجمالية أكثر، والأهم أنه أخذني أكثر نحو الشارع. غنيت كثيراً للشوارع، وبتّ أراها بكافة تفاصيلها، من بناء حديث، إلى آخر متهالك إلى بائع البسطة. أعتقد أن الأدب والفن والسينما والمسرح يشكلون محاولة اكتشاف.
○ هل ترى أنّ الأيديولوجيا التي رافقت شبابنا عززت بذور الإنسانية بداخلنا كجيل؟
• لست أقصد التخلّي عن الأيديولوجيا، بل كيفية تعاطيها مع الشؤون العامة. بالطبع ولدت معي هذه البذرة كما الكثير من أبناء جيلي، إنما التوجه السياسي أنعدم نظراً لسقوط السياسة في بلدنا، باتت السياسة مُشكّلَة من الطوائف والمصارف وأصحاب النفوذ، حتى الأحزاب العريقة لا تجد وجهتها، وبعضها بات جزراً متناثرة، إنما بذرة الأيديولوجيا والانحياز نحو الحق لم يتبدّلا.
○ هل تكتب استعداداً لمجموعة أغنيات تُقدّمها للناس أم تكتب للكتابة فقط؟
• في الحقيقة أعمل كتابة وتلحيناً من دون مخطط. عملي يشبه المزارع الذي يمتلك الزيتون، يترك الموسم يشق طريقه. لست محترفاً بالمعنى المهني، ولا أعوّل على مردود مادي من أغنياتي كونها لا تخضع لمعادلة العرض والطلب. أنا فنان فردي، أعمل بما يمليه عليي ضميري ومزاجي. عندما أنجز سبع أو ثماني أغنيات أجمعها لتظهر تباعاً عبر وسائل التواصل بعد موت السي دي.
○ ألا تحصل على مرودود من ألحانك وكلماتك حين تُغنّى ومن خلال الساسيم؟
• يصلني القليل من جمعية المؤلفين والملحنين. قبل ثلاث سنوات بدأت أجني بعض المردود من وسائل التواصل التي تتميز بالدقة في إحصاء ما أذيع من أغنيات وفي أي بلد. أعرف من خلالها المرّات التي بُثّت فيها هذه الأغنية أو تلك، وكم تلقت من إعلانات، وما هو المبلغ الصافي لي. منذ ثلاث سنوات يمكنني القول بأني أحصل على مردود معقول وإن لم يكن كافياً، بعد 49 سنة خالية من بدل أتعاب، وهذا المردود استغله كل حوالي ثلاثة أشهر لتصوير أغنية.
○ أغنية «كعك العبّاس» غير المنشورة بعد تشوق الناس لها. فما هي حكايتها؟
• إنها الأغنية الوحيدة المباشرة من بين المجموعة الجديدة. ذات يوم «استحلت» زوجتي من فرن الشامي كعك العبّاس وهي في طريقها إلى البيت. لست صديقاً للحلويات، لكني تذوقت كعك العبّاس ووجدتها لذيذة جداً. سألتها عن السعر فإذ به متواضع للغاية. فخطر لي ما يلي «طعميني كعك العباس.. شو بدي بالنووي.. أما الكيماوي شو بينفع.. للصفوي والأموي». أناهض السلاح النووي، إنما امتلاك إسرائيل له يعطي الحق لدول المنطقة بامتلاكه. رغبت بالقول إن الثورات التي شهدها العالم العربي رفعت مطالب الخبز والكرامة والحرية، أما طريق فلسطين فليست سوى واحدة وهي عبر الكرامة والخبز والحرية. من ينشد التحرير أولاً يفترض أن يكون حراً، أما عبد الطائفة والفكرة والسلطة والمال ليس له صلة بالتحرير، وإن رفعه كمطلب.
○ ماذا عن تعاونك في أغنية «من طلب العلا» مع الفرسان الأربعة؟
• بكل بساطة الفرسان أصدقائي، وعندما أحتاج لغناء جماعي أيلي خياط وجلبير جلخ ونادر خوري وسيمون عبيد لا يتأخرون. قبل سنوات أنجزت ترتيلة لنادر يؤديها في المناسبات الدينية. بعد اتصال للتعاون في تسجيل صوت جماعي أحبوا الأغنية ووجدوها تشبههم، وأستولوا عليها، وباركت لهم، ومن جهتي أرددها في الحفلات.
○ العدوان على غزّة سينهي شهره التاسع. ماذا يقول لك الدم المسفوك والمقاومة الكبيرة؟
• بداية أؤكد وأرسّخ قناعتي بأن الديمقراطية الغربية نفاق عالمي. إنها ديمقراطية ذات وجه جميل، بنيت أسسها على سرقة خيرات الشعوب، وفبركة الحروب واختلاقها، ثمّ يقدمون ذاتهم وسيطاً لإيقافها. يختلقون المشكلات في العالم ويتقدمون كما الصليب الأحمر لحلّها. إنه الكذب الذي تكشفه شعوبهم والجيل الشاب بشكل خاص. بعد أشهر على المذبحة المستمرّة في غزّة عارضت الأجيال الشابة في الجامعات وغيرها سياسات حكوماتها في العالم. إنما للأسف الشديد لم تحرّك الأنظمة العربية ساكناً. بعضها منسحب علناً من دوره وأعلن رغبته بالتطبيع. وبعضها الآخر يستثمر بالدم، أما الشعوب فمتعبة وجائعة وتركض خلف لقمة العيش، أما الطيبون والأنقياء من الناس فقد عاينت ردة فعلهم في مصر، ومعارضتهم لانعقاد مهرجان الجونة، وفرش السجادة الحمراء والتصوير والأزياء. وبعد هذا الهجوم ألغى المعنيون المهرجان لهذا العام. الشعوب متعبة ومقهورة، ومن جهة أخرى الشيطان الأكبر الأمريكي صاحب الوجه الجميل جداً، بداخله وحش لم يتغير، والتغيير الأكبر بتأكيد الانحياز للحق مهما كان الثمن. من جهة أخرى أحيي البطولات التي تشهدها غزّة والتي ستُدرّس لاحقاً في الجامعات، وأقول بأن ما حصل خطوة غير مدروسة. نعم الكيان المحتل مربك، إنما أي خطوة ليس فيها الحد الأدنى من الإجماع والوحدة الوطنية الفلسطينية من الصعب التأسيس عليها.
○ مع اندلاع الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية أطلقت نشيد «يا نبض الضفة لا تهدأ» وجد وما يزال الترحيب. ماذا ستغني الآن لغزّة؟
• في شهر رمضان الماضي والذي وافانا والمقتلة متواصلة في غزّة غنيت «بيتي» مع أطفال دار الأيتام الإسلامية للقطاع الباسل. وحالياً استعدت قصيدة قديمة جداً لتوفيق زيّاد عنوانها «شبّاكي وأنا» وفيها استعادة للنقاء الفلسطيني المفتقد حالياً. إنها القضية الفلسطينية قبل أن يدخلها ألف طرف إقليمي، وألف مستثمر، وألف فصيل. أحاول العودة لهذه القصيدة علّي وعلُّنا نعود لهذا النقاء.
○ تنتمي لجيل الانكسارات ومنها الأيديولوجية فهل أدى بك هذا للندم على مسيرة؟ أغنية؟ موقف؟
○ إطلاقاً. كل ما قمت به نتج عن حب وصدق.
○ كم أثّرت بك التغيرات الكبرى من زوال دول وولادة أخرى؟ من طائفية مقبولة إلى مذهبية وقحة؟
• كنّا جماعات وشعوبا وبتنا أفراداً. في أغنية «اختي أميرة» التي تقول «ما حدا بيدق ع بابي» اعتقد المتلقون أن الكورونا حفّزتها لانزوائنا في منازلنا. بعد تلحينها وغنائها اكتشفت أن الوحدة بدأت قبل الكورونا بزمن كبير. نحن جيل تعرّض للكثير من الانتكاسات والهزائم، أكثرنا هجّ إلى كندا وأستراليا وبات وحيداً، وجزء لا يلوي على شيء يركض خلف قوته بعد سرقة أموالنا. وثمة مجموعة تحاول أن تُعبّر وتواجه الحزن بلحن جميل كما حالي. هذا العالم رماني وحيداً، إنما أردد قول جورج موستاكي «لست وحيداً في وحدتي» ناس كثر يعيشون في رأسي، وكلام بسيط عالق في ذهني أعمل لترجمته في أغنيات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية