«استعارة العاطفة: اللغة، الثقافة والجسد في الشعور البشري» كتاب للساني المجري زلتان كوفاتشاس Zoltán Kövecses يدور الكتاب وبشيء من التبسيط حول مفاهيم اللغة والعاطفة واستعارات العاطفة، ويبحث في الإجابة عن سؤال مهم هو، هل أن الاستعارات العاطفية هي الفريدة من نوعها في باب العواطف؟
هذا السؤال مهم لأنه يكشف عن معطى مهم عندنا، فحين نعبر عن العواطف التي تعتورنا باستعارات نكون قد أنزلناها بهذه الهبة الفنية، التي هي الاستعارة مكانة مميزة، وبعثنا اللغة في جوقة كبيرة للاحتفاء بها في كرنفال الكلام. والحق أن استعارية الكلام العاطفي ليست لأسباب احتفالية، بل لإسباب إدراكية: نحن نستعير لتجاربنا العاطفية ما نستعير، كي نفهم أنفسنا أولا، ونفهم غيرنا الذي يمكن أن يكون سببا في فورتنا العاطفية هذا الشعور.
المفيد في كتاب كوفاتشاس أنه خالف طريقتين درست بهما العواطف البشرية في العادة: الطريقة الأولى ترى العواطف كيانات بيولوجية أو نفسية لها صلة بالجانب البيولوجي للفرد؛ فالمشاعر البشرية هي كيمياء تختلط بمقتضاها أحاسيسنا في جُرنٍ كبير هو الجسد، يحوي وعاء صغيرا هو النفس.
والطريقة الثانية اعتبرت المشاعر منتجا ثقافيا أو بناءً اجتماعيا تشكله وترعاه حياتنا معا وعلاقاتنا الحميمة التي تجمعنا.
إلا أن كوفاتشاس يخالف هذا التقسيم الذي يوزع العواطف بين البيولوجي والثقافي، إذ يبين كيف أن المشاعر الإنسانية «مبنية» بناء لغويا وعلاميا، ومهيكلة إلى حد كبير من تجارب الأفراد، المتجسدة في بيئات ثقافية مختلفة. فلا انفصال عنده بين اللغوي والبيولوجي والثقافي، فهي جميعا متفاعلة في ما بينها معالجة في التعبير عن تجارب الإنسان العاطفية. يؤمن المؤلف إذن بأن هناك ترابطا بين اللغة والجسد والثقافة، ذاهبا في تأييد خط نظري عام وحديث هو خط نظرية الاستعارة التصورية مع لايكوف وجنسن.
سنسعى في القسم اللاحق من هذا المقال لتقديم الأمثلة من ثقافتنا، ومن ثقافات غيرنا، لنبين أن تعابيرنا البسيطة واليومية عن عواطفنا، التي لا ينظر إليها في غالب الأحيان على أنها ملفوفة بحرير الفن فيها استعارية تخزن تفاعلا واسعا بين الذهن والثقافة والجسد، وأن الجسد في المشاعر ليس وعاء يحوي العواطف، بل هو العواطف نفسها والذهن وقد تخمر فكرا. من العبارات العربية الجاهزة، التي نستعملها في لغتنا وفي بعض لغات العالم قولنا هو أبرد من الجليد. «الجليد” هو مؤشر على درجة حرارة منخفضة، وهو غير مرن يتوافق مع الكيانات العاطفية لشخص لا يتمتع بالحيوية، أو أنه شخص غير طبيعي، بل قل يمكن أن يكون أحمق. هذا ضرب من التراسل بين تجربتنا مع الماء (الثقافة) وتجربتنا مع العواطف وتجربتنا السكونية الحركية مع أجسادنا. يبرهن كوفاتشاس على أن الاستعارة بما هي طريقة في إدراك عواطفنا ومعالجتها ترتبط بالمعطيات الفيسيولوجية، فبالرجوع إلى تصور البرود العاطفي فإن الأمر يرتبط نفسيا كما يقول بالتقليل عند البارد عاطفيا من حدة الغضب ويرتبط من الناحية الفسيولوجية بما يؤدي إليه من انخفاض ضغط الدم، بما في ذلك الانخفاض من رد فعل على مشكلة حدثت. ومن ثم، فإن الكيانات الفسيولوجية للمجال البارد تتوافق بشكل منهجي مع القضايا النفسية والفسيولوجية للشخص الذي حدثت له مشكلة، وكان رد فعله عليها باردا. البرودة في الخارج تقع على الجسد، فيشعر بها المرء وكأنها بداية لتعطيل حركة الجسد. من هذه التجربة في علاقتنا بأجسادنا تنشأ فكرة عن البرودة، فتستثمر استعاريا في تعبيرنا عن العاطفة التي تقرب إلى اللامبالاة بما يحدث. تعني اللامبالاة في عالم العاطفة ما تعنيه في عالم الأجساد المتفاعلة مع الأرواح. البرودة: هذا مجرب وكوني ولذلك تكون الاستعارية فيه كونية تقريبا.
توجد استعارة علمية في علاقة أجسادنا بالأرض التي تمشي عليها هي استعارة جاذبية الأرواح. لا يعنينا عمر الاستعارة، ولا هل أن الجاذبية المقصودة هي جاذبية نيوتن أو جاذبية الأرواح التي انفصلت في عالم المثل، وجاءت إلى هذا العالم لكي تبحث عن أنصاف أكرها.
لكن في عبارة (قلبي يحترق) استعارية عامة نقيضة لها ما يعللها على صعيد نفسي وفيزيولوجي، بأن قلب الحبيب ساخن حار بالمعنى الحقيقي للعبارة. عواطف المحب وعباراته تتوافق مع حالة قلبه ومع استعداده الحركي لفعل أي شيء وتوثبه للعمل من أجله، ليست حالته حالة برد وجمود: ما من حبيب إلا وهو يتوق إلى رؤية من يحب، ويتوثب إلى أن يفعل أي شيء من أجله، فلدى الحبيب عناصر حيوية يقول عنها إنها ساخنة.
إن ارتباط العاطفة بتجربة الحرارة ينبغي أن ينظر إليه في سياق حرارتين: حرارة الخارج وحرارة الجسد، وهما حرارتان متفاعلتان يكون فيهما الإنسان مغيرا سلوكَه بمراعاة ما يحدث من تغييرات مناخية، لكن قد يحدث أن يكون لكل ثقافة ضرب من التفاعل مع الحرارة والبرودة مختلف؛ فالثقافات التي ينتمي أصحابها إلى مناخات حارة عادة ما تربط العواطف المتوترة بالحرارة، وتربط العواطف بالبرودة، هذا معروف في المثال المستهلك: «أثلجت صدري» كان بالقلب حر فلما تكلمت أو سلكت كما تريد النفس برد لا برود الميت، بل برود من كان في نار ثم طلب نقيضها فوجده، ونقيضها ليس ماء بل هو ثلج. في ثقافة أخرى كالثقافة الفرنسية يقال في السياق نفسه عبارة نقيضة تعني أسخنت قلبي: كان القلب باردا يكاد يخلو من حرارة، فلما قلت ما قلت أو فعلت ما فعلت، مما يسعد أسخنته. يمكن لك أن تستعمل أنت الذي تتقن اللسانين إحدى العبارتين الفرنسية والعربية، استعمالا تبادليا ولن تلحظ وأنت تستعملهما التقابل في معنى الإسخان والتبريد لأن عينك ستكون على القيمة التداولية للعبارة لا على تفاصيل أفرادها. إن التمثيل الاستعاري بهذا الشكل المتضارب يخرج بالاستعارة العاطفية من مجال تمثيل قياسي يكون فيه البارد من الحرارة للخفيف من العواطف والحار من تلك للثقيل من هذه؛ يخرج بها من هذا التكافؤ بين الفيزيائي والفيسيولوجي والعاطفي إلى اللاتكافؤ بينها. في حالة التكافؤ نتحدث عن استعارية إيقونية وفي حالة اللاتكافؤ نتحدث عن استعارية رمزية. الاستعارية الإيقونية هي استعارية تكون فيها تجربتنا مع العواطف الجياشة مكافئة مع تجربتنا مع الحرارة المتقدة لأن الإحساس بالحرارة جزء من الشعور باتقاد العواطف، لكن الاستعارية الرمزية يفقد فيها هذا الترابط فيصبح البرد ممثلا للعاطفة المتقدة في ثقافة وللعاطفة اللامبالية في أخرى. كأنك تستعمل الأسود من الثياب في مراسم الأفراح (الزواج) وفي مواسم الفراق (الحداد).
في تجربتنا مع الجسد عبارات أخرى نجدها في سياق العاطفة، منها ما يتعلق بالأكل والهضم فنتحدث عن شخص مهضوم إذا كانت تربطنا به عاطفة جيدة نابعة من يسر قبولنا له بينما لا يكون كذلك إن كان غير مهضوم. في ثقافتنا التونسية نتحدث في استعارة كبرى هي استعارة (العاطفة /جسد) عن شخص «معدة» إن كان غير مهضوم، فكأننا نسبنا إلى المعدة فعلا من فعليها لا كل فعليها جميعا: نسبنا إليه أنها لا تهضم لأن إحساسنا البيولوجي بأعضائنا يكون عند شعورنا بألم صادر منها..
توجد استعارة علمية في علاقة أجسادنا بالأرض التي تمشي عليها هي استعارة جاذبية الأرواح. لا يعنينا عمر الاستعارة، ولا هل أن الجاذبية المقصودة هي جاذبية نيوتن أو جاذبية الأرواح التي انفصلت في عالم المثل، وجاءت إلى هذا العالم لكي تبحث عن أنصاف أكرها. المهم أن الجذاب من الشباب أو الجذابة من الشابات تعني بداية سفر عاطفي ينتهي بالحلول في الروح على طريقة عشق الحلولية الصوفية: سفر من يحمل عاطفته في جسده ويسافر.
الآلة الحربية التي تنهي الأرواح بإبادة الأجساد وجدت مكانها في استعاراتنا اليومية جميلتنا اليوم قنبلة عند رجالنا والجميل عند نسائنا اليوم «طيارة» جددنا معنى القتل الغزلي القديم بتجديد آلاته الحربية.. وهذا يعني أنا مضينا في القتل بمدى أقصى وبنفاذ أقسى.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية