جوزيف بويس
سُئل الفنانَ الفرنسي مارسيل دي شامب، الذي ناهض المفهوم العام للفن: «ما الذي كنتَ تهدف إليه عندما قمتَ بتثبيت عَجلة دراجة هوائية على كرسي، ثم وقَّعتَها ووضعتَها في منزلكَ؟ هل كنت تنوي إرسال ما قمتَ به إلى معرض فني؟». فأجاب:» لا علاقة لي بمناهضة الفن، إنها فكرة اخترعها النقاد ومؤرخوه. لقد استمتعتُ بالرسم لفترة قصيرة ثم فقدتُ الاهتمام به، لأنني لم أستطع احتمال رائحة زيت (التربينتين) وأردتُ فِعل شيء مختلف، وهكذا أخذتُ العجلة إلى منزلي ووقَّعتُ عليها. لاحقاً أخذها أشخاص إلى المعرض».
ربما استطاع الفنان جوزيف بويس أو « المستر بي» كما سمَّاه الأمريكيون في نيويورك، فِعل الشيء ذاته وذلك بالاستحواذ على خمسة أحواض حجر (جيري) تعود للقرن الثامن عشر، اكتشفها النحَّات والفنان الألماني عندما كان في بولونانو- بيسكارا، هناك وفي قبو مبنى المزرعة التابعة لقصر عائلة دوريني الإيطالية العريقة، وافقت البارونة لوكريزيا دوريني ووقَّعَتْ معه عقداً لاستخدامها في الفن، نظراً لرابط الصداقة المتين بين بويس والعائلة. وصلت الأحواض الخمسة إلى زيوريخ في عام 1992 كهدية من البارونة لوكريزيا دي دوميزيو دوريني (الاسم المسجل في السجلات الرسمية الإيطالية). والتي قدّمت ذاك العرض السخي لمتحف بيت الفن في زيوريخ كعربون امتنان لشفاء البارونة من مرض خطير، بعد قدومها للعلاج في المستشفى الجامعي في زيوريخ. بسعادة كبيرة، قَبلتْ جمعية الفنون في زيوريخ الهدية في ذلك الوقت. لم تكن مجرد هدية، لأن «Olivestone» كان أحد أهم أعمال الفنان الألماني في المتحف. يستطيع المرء في متحف بيت الفن في زيوريخ معرفة الطريقة التي ملأ فيها بويس الأحواض التي كانت تُسْتَخدَم لصبّ زيت الزيتون في القرن الثامن عشر، في كتل حجرية بأجود الأنواع المقبلة من (توسكانيا حصراً) مع حقيقة أن الحجر المسامي يختلط بزيت الزيتون على مرّ القرون، ويرمز للطبيعة لأنه يُجدّد نفسه باستمرار، حيث يُدخِل كتلة حجر (جيري) أصغر قليلاً مما يسمح بوجود فجوة ضيقة بين الغلاف الأصلي وحجر الحشو، ثم يُشبع الحوض بحوالي 200 ليتر من الزيت (بعد أن تشفط الأحواض 30 ليتراً مسبقاً) فيمتص الحجر المسامي الزيت كإسفنجة، ويدمجه في الحجر نفسه. نتيجة لهذا التفاعل يتطلب العمل إضافة كمية أُخرى من زيت الزيتون كل ثلاثة إلى أربعة شهور تقريباً للحفاظ على مستوى زيت ثابت. يقول بيورن كولينبيرج، المتحدث الإعلامي باسم بيت الفن: «يمثل الحفاظ على هذا العمل تحديا». خاصة وأن تغيُّر كُتَل هذا العمل الفني حتى الاضمحلال، يشكل جزءاً منه. بينما يواجه هانزبيتر مارتي هذا التحدي منذ 25 عاماً، ويدرك – العامِل في الخدمة الفنية للأحواض الخمسة في بيت الفن في زيوريخ – متى وكيف يصب زيت زيتون جديداً في كل مرة.
يَفْرُك هانزبيتر مارتي إصبعه على السطح اللامع لأَخَفّ الأشكال المُكعّبة الخمسة وَزْناً، ويقول: «يمكنك دهنها على الخبز مثل زبدة الفول السوداني». ويضيف: «في الواقع، يجب أن تكون الأحواض ممتلئة بشكل دائم، لكن إذا تغيَّر الطقس فإنها تفيض وبعدها تتوسع فقاعات الهواء المحبوسة في الزيت، ما سيؤدي إلى تلوث الأرض بالزيت وستَحمِلُه أحذية العديد من الزوّار القادمين من كل جهات الأرض». في الحقيقة، هذا ما أراده بويس بالفعل وذلك لنقل آرائه الغريبة عن طريق خطوات الزوار إلى كل جهات الأرض. الجدير بالذِكر هنا، أنه لا يمكن خلود «Olivestone» – وهي التسمية الفنية لهذا العمل الفني المتفرِّد- ففي غضون ألف عام ستكون هناك خمسة أكوام من الطين!

يعتبر «Olivestone» الذي تم الاعتراف بقيمته الفنية العالية قبل وفاة الفنان بعامين، أحد الأعمال التي يتوجب على الفن المعاصر التوقف عندها، حيث يستخرج بويس مُرَكّباً فريداً ومتوازناً من الأضداد فهو يجمع بين النبات والمعدن، الصلب والسائل، الذكر والأنثى، الفوضى والنظام، المنفعة وعلم الجمال في كائن واحد، لينتج منحوتة فريدةً في الشكل و المضمون. يمثل زيت الزيتون مملكة النباتات الحية، في المقابل يمثل الحجر مملكة المعادن غير الحية.
يرمز الحوض الحجري الفارغ إلى العنصر الأنثوي، بينما يرمز الحجر الرملي الصلب، الذي تم إدخاله في هذا الغلاف، عنصراً ذكورياً لتكون إضافة زيت زيتون يتشرَّب في الحجر الداخلي والخارجي فيدمج الاثنين معاً وينتج مولوداً جديداً من جسدين منفصلين، وبهذا تغلَّبَ بويس على التعارض بين النفعية والفنون التشكيلية، من خلال توظيف المهمة التقليدية الصارمة لزيت الزيتون بعمل فني. واضب المستر (بي) أيضاً على مناصرته المطلقة للطبيعة، عندما اصطحب طلاب كلية الفنون الجميلة لحماية الغابة خارج مدينته دوسلدورف، بعد أن تعرَّضت غابة (غرافين بيرغر) قرب محمية الحيوانات البرية، للتهديد الذي واجهها لتوسيع المجال لملعب تنس في المنطقة، مستخدماً قوةً رمزية متمثلة بمسيرة عبر الأشجار بعصي البتولا، التي بثّت بالتأكيد دعاية كافية لإنقاذ الغابة، وزرعت الأشجار كعمل سياسي وفني. (حسب مقال صحيفة «الغارديان» – عدد 24/01/2022 صفحة – ثقافة – جوناثان جونز). يؤمن بويس أن كل شيء ممكن أن يكون فناً، وذلك يعتبر جوهرياً لإطلاق سراح الفن من «قفص المدرسة المقدس» مُستَخدِمَاً مواد قابلة للتَغيُّر كالزيت والحجارة والمعدن، لا لشيء، إنما لدحْضِ الإجابة النهائية عن معظم الأسئلة المتكررة عن مفهوم الوجود.

بالعودة إلى المسيرة الفنية لجوزيف بويس، سنجده قد نحتَ بيديه قصةً غريبة عن بصمات أصابع الشمس على ياقة معطفه، متسائلاً عن معنىً آخرَ للبرد في صمت شوارع العاشرة مساءً في أوروبا، فهو يكسر ظل المسافة بين الإنسان والفن، بضوء أعماله التي قدَّمها بحضور(أناه) في أعماله الكثيرة والمتعلقة بالطبيعة وأهمها «مضخة العسل» «سيلتيك» و»كيوتي» التي سافرت إلى برلين، زيوريخ، بازل، باريس وصولاً إلى نيويورك. في مقابلاته مع وسائل الإعلام كان يرتدي صدريَّة بلون أخضر فاتح وستة جيوب أقرب ما تكون صدريَّة لعسكري. تحت صدريَّتِهِ ارتدى بويس قميصاً أبيضَ، ليكون لباسه بحد ذاته جدليَّة كبيرة بين أخضر السلام والأخضر المعبِّر عن زيِّ جندي، بين الأبيض (الواضح) الذي يدافع عن الحقيقة، والأبيض (الواضح) في خِرقَة وحُرقة الاستسلام، مكرِّساً – من جديد- إشكالية فنِّه وطرق تفسيره. لقد أراد الدفاع لا شعورياً عن شرعية أعماله الفنية التي اختلف فيها مع معارضيه مردداً جملته الشهيرة « الفن يشفي العالم».
بويس الذي يتحدث كثيراً عن نفسه، والذي يظهر على غلاف الصحف، لكنه من ألف فرسخ من «تيوتوني إيفيجينيا» – المصطلح الإغريقي لمفهوم الولادة الجديدة لسكان ألمانيا الشمالية – يُعبِّر في عمله «سلتيك «عن هذه الولادة الجديدة، الذي قَدَّمهُ في سويسرا – بازل، بتاريخ الخامس من إبريل/نيسان 1971، فيسمح بأن يتم رَشُّهُ بالماء البارد، بدرجات حرارة متجمدة مقتبساً مشهداً أساسياً من الكتاب المقدس، كون الماء مثل الروح القدس ينسكب عليه فيفاجئ الجمهور شهيداً ضَحّى بنفسه وصُلِبَ وعُمِّدَ في الوقت نفسه، وبدا وكأنه يحطم كل الجدران ويملأ الفراغ – كنَبيٍّ لطيف – بحضوره.
بويس الغامض بالفعل خلال حياته، فنانٌ يبرز كنصب تذكاري لنفسه: شخصية فريدة تترك لنا أسئلة أكثر من الإجابات، واحد من القلائل الذين دمجوا الفن والحياة بمفهومها الإنساني الجمعي الذي عبَّرَ عنه الروائي الإنكليزي لويس دي بيرنيير بالقول: «لدينا جذور نمت تجاه بعضنا بعضا تحت الأرض، وعندما سقطَتْ كل الأزهار الجميلة من أغصاننا، وجدنا أننا كُنّا شجرةً واحدة».
لقد تمشَّى جوزيف بويس مع حِزَمٍ مترامية من شعاع شمس جديدة، انقسم فيها الأفق، لينقذ هذا العالم من خط السقوط العمودي للضوء ، ويضيءَ بقعاً مهمّشة في لوحة الإنسان، بفن اجتماعي أكثر ارتباطاً بنا كبشر. إنه يضيف احتمالات أخرى لحضور الإنسان خارج اللوحة، ويلغي قضبان الصور المتحركة المصممة «حسب الطلب» ويرسم بالجسد واللغة مدارات لا تخضع لكليَّات التعليم (المتعالي) لأن «المستر بي» يمسك بمقابض الأبواب المغلفة ويفتحها، يقدِّم إشارات خارج خريطة الطريق، فيقرأها كل منا بإرادة الحرية، بين أرض وسماء ويقول ببساطة شديدة: «يمكن لأي شخص أن يكون فناناً» ناسفاً مفهوم تقسيم الفن بطريقتيه البطريركية والمدرسية، ومُحفَّزاً كل منا على إظهار فنه الخاص بست كلمات واضحة:
كُن مالكاً للفن لا مستأجراً عابراً.
كاتب سوري