أخطار تتهدّد الحراك الجزائري

هل يتجه الحراك في الجزائر نحو الحائط؟ أم نحو الانفجار الداخلي؟ وربما الاصطدام وإعلان حالة الطوارئ والعصيان المدني؟
النظرة المتأملة للحراك اليوم لا تبعد أي احتمال. من المؤكد أن حراك الجمعة الماضية، المصادف لعيد الاستقلال، بين أن الحراك الشعبي يكبر، ويزداد قوة وضراوة، ويتحول إلى سلطة بديلة، ما يضعه في فوهة بندقية الذين لا يرون في الحراك إلا وسيلة للانتقام وخدمة أجندات معدة سلفاً، لهذا عملوا على اختراقه منذ البداية، من الداخل، لتسهيل عملية الإجهاز عليه في اللحظة الصفر التي حددوها.
ثلاث قوى تتهدد الحراك يمكن أن تقوده نحو نهايات دراماتيكية. وكأن هناك تواطؤاً مسبقاً بينها، في انتظار انهيار الدولة، لتأخذ هي زمام الأمور لأنها أكثر القوى تنظيماً وتواجداً في الميدان.
أصبح المتتبع اليوم على يقين أن ما حدث من تحولات عميقة في المشهد الجزائري حسمته السرعة، وإلا لكنا في مشهد نقيض لما هو موجود اليوم. رسالة إقالة قائد الأركان، التي وقعها أحد مستشاري الرئيس، بينت بما لا يدع مجالاً للشك أن ما حدث من تغيرات في موقف المؤسسة العسكرية، لعب فيه الزمن دوراً حاسماً.
كان الجيش، من خلال قائد أركانه، حتى تلك اللحظة حائرا، بين الانتماء للحراك أم الدفاع عن مؤسسة رئاسية متهالكة؟ إلى أن قام بفعل استباقي مهم هو الاحتماء بالشعب، الذي ظل يطالب بموقف واضح من المؤسسة العسكرية، من خلال شعاره الكبير: جيش شعب خوا خوا (الجيش والشعب إخوة)، مما جعل الجيش يبلور موقفه بشكل ملحوظ لدرجة أن نعت رئيس الأركان مجموعة الرئيس بالعصابة، بالخصوص السعيد بوتفليقة، والفريق مدين رئيس المخابرات الأسبق، والسيد طرطاڤ الذي خلفه. قبل أن يجهز عليها بأن ساقها إلى المحاكمات والسجون.
وبذلك تم افتتاح تاريخ محاكمات الفساد غير المسبوقة، في الجزائر. في ظل غياب المؤسسة الرئاسية أصبح قائد الأركان هو الناطق المتابع للتحولات العميقة. لا خلاف في فكرة ضرورة عودة الجيش إلى مهامه الطبيعية والدستورية، لكن من غير الطبيعي أن نجعل من جيش وطني دفع برئيس مريض ومنتهية عهدته إلى الاستقالة والمغادرة، لتسهيل مهمة الانتقال إلى الجمهورية الثانية، ووضع حد لجزء كبير من العصابة وبعض المستفيدين منها.
فجأة، التهب الحراك المكون في جزئه الأكبر من مواطنين حقيقيين يريدون تغييراً جذرياً في البلاد، وانتهاء الوكالة العسكرية على أربعين مليون جزائري، ولكن الحراك أيضاً ليس كتلة متجانسة كما كل الحركات الاجتماعية الواسعة، تخترقه قوى لم تستعمل الحراك إلا كوسيلة لتشكيل حزام يحمي العصابة. وترفع اليوم بعض الشعارات المطالبة بتوقيف الاعتقالات لأن العدالة ما تزال معطلة وغير حرة من الداخل، وهذا صحيح في المطلق، ولكن هل يجب ترك المفسدين يعيثون فساداً في انتظار تنقية جهاز العدالة؟
يمكن الاستفادة بما هو متوفر من قضاة محترمين لتدمير هياكل الفساد الكبرى التي يعرفها الشعب الجزائري جيداً. الذي لا يقوله هذا التيار المخترق للحراك هو أن علاقته بالعصابة كبيرة وحيوية وتاريخية. وهو إذ يثير ذلك، هدفه الأكبر إعادة العصابة إلى الواجهة من جديد وتدمير الحراك من داخله. وله تفكيران يدفع نحوهما؛ إما بالضغط الشعبي إلى درجة إنهاك المؤسسة العسكرية، أو تدبير انقلاب عسكري داخل قيادة الأركان يعيد الأمور إلى بداياتها، ما يسهل عودة رؤوس العصابة. القوة الثانية التي لم تظهر طوال أسابيع الحراك الأولى كقوة فاعلة في الحراك، فنابت عنها إعلامياً قناة المغاربية، التي استيقظت فجأة مع الحراك في ظل بؤس حقيقي للقنوات الوطنية التي جعلت من الحراك العظيم، لا حدث، بالمعنى الإعلامي.
أعني بذلك بقايا الحزب المحل، الفيس، الذي ينتظر فرصته الانتقامية لمحاكمة الذين منعوه من الوصول إلى سدة الحكم. بيَّن أنصار هذا الحزب، في جنازة المرحوم عباسي مدني، أنهم أعادوا هيكلة أنفسهم بعد جرائم العشرية السوداء، وأصبحوا يتقدمون المشهد في العاصمة. وهم القوة الثانية التي تخترق الحراك كقوة سياسية وليس كأفراد، واستعادت عذريتها ووجدت نفسها في التحالف السري مع بعض أفراد العصابة. من يتابع قناة المغاربية والتحاليل والتعاليق المصاحبة، يدرك جيداً أن العلاقة بين بقايا الفيس وفلول العصابة، تكتيكية لا أكثر، فرضتها الظروف الدولية التي تنظر بعين الريبة للإسلاميين، جمعت المتناقضات مخافة أن تخرج ملفات القتل المنظم ضد الرئيس بوضياف، ابن حمودة، وقاصدي مرباح، والكثير من كوادر الجيش الوطني الشعبي والمثقفين الفاعلين.
لقد كانت الجرائم كبيرة، إخراجها إلى النور سيبين بشكل واضح أن الذين يبحثون عن عذرية جديدة اليوم ليسوا أكثر من مجموعة داخل الحراك، هدفها الكبير هو تدمير اللحمة الوطنية التي جسدتها نضالات القرون الماضية. واستطاعت هاتان القوتان أن تخلقا روابط كبيرة بقوى بربرية (الماك) استعملت غضب الحركة المشروع لصالحها.
وهنا يجب التفريق بين قوى سياسية مطلبية، ثقافية وحضارية وطنية، وحركات انفصالية تستجيب لأجندات أجنبية. تلقت هذه الأخيرة وعوداً بحصولها على النظام الفيديرالي بعد نهاية الحراك. فقد استغلت قضية العلم الأمازيغي، الذي يملك مشروعيته التاريخية والثقافية والحضارية، لتجعل منه وسيلته الانفصالية من خلال اللعب على العنصر الهوياتي. في وسط هذا الحراك، يوجد جوهره: الشعب الذي خرج من أجل التغيير خارج أية حسابات سياسوية معبراً عن كرهه للسلطة الريعية جعله التي دمرت البلاد.
وكما في كل تجارب الشعوب، كثيراً ما رفعت إلى سدة الحكم عصابات قاتلة ومجرمين. لا أدري إذا ما كان هنالك حل قريب يفضح كل هذه التحالفات السرية، لكن ما هو ممكن اليوم ويقع في سياق مطالب الحراك، التفكير في صيغة حوارية داخل الحراك وتحديد الإستراتيجيات الممكنة لوضعها أمام السلطة. تتنحتوا ڤاع، صيغة شعبية لقول إن الشعب لا يريد العصابة وأتباعها، لكن على الصعيد العملي والسياسي يحتاج الحراك إلى نخبة تفكر، تضع المصلحة العليا للجزائر فوق كل الخيارات. بدون ذلك لا حل في الأفق إلا الاتجاه إلى الحائط الذي قد تنجم عنه خيبات خطيرة ومغامرات غير محمودة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية