يسعى المستعرب والأكاديمي البولوني أغناسي ناسالسكي في هذه الدراسة التي نقدم ترجمتها العربية عن الأصل الإنكليزي إلى الاقتراب النقدي من رواية «الخبز الحافي» للكاتب المغربي الراحل محمد شكري. ويتمثل رهان هذه الدراسة في الاحتجاج لافتراض مؤداه أن «الخبز الحافي» بمحتواه الإباحي المزعوم ولغته العارية والفاضحة للواقع الاجتماعي ومواكب الزيف والظلم، أهلته للدخول إلى تاريخ الأدب غير المرغوب فيه. ينضاف إلى ذلك كشفه عن الاختلافات الدقيقة والدالة بين الترجمة الإنكليزية التي أنجزها بول بولز عن «الأصل» الشفهي عام 1973 والنسخة العربية المكتوبة التي صدرت عام 1982.
يعمل الكاتب أستاذا في قسم الدراسات الشرقية في جامعة كراكوفيا البولونية. وقد حصل على الدكتوراه من جامعة كولونيا الألمانية، وأصدر عددا من المؤلفات أهمها كتابه، «الاستعارة السياسية في السياق العربي» وقد نشرت هذه الدراسةُ في مجلة «الدراسات الأدبية» التي تصدرها الجامعة في العدد الحادي عشر لسنة 2016.
النص
تتمثل إحدى وظائف الأدب وهي كثيرة كما نعرف في الخلق والإبداع والحفاظ على الهوية الاجتماعية، ويستوي في هذا الخصوص أن تكون دينية أو عرقية أو وطنية. ووفق هذا المنظور يجري اختيار الكتب التي تعتبر مؤسسة لثقافة ومهمة بالنسبة لمجتمع ما، وفقا لمعايير مختلفة من قبيل المحتوى والرسالة والقيم الأدبية واللغوية، التي يسعى إليها. وفي أحايين عدة يجري تثمين بعض الكتب وإضفاء القيمة عليها لبعض المسوغات والأسباب. وعندما تتضافر جل هذه المعايير يكون في مقدورنا حينئذ الحديث عن أعمال أدبية كبيرة. وفي حالة ما ندعوه بالكونية أي حين يكون عمل أدبي مشتملا على قيمة استثنائية، ويكون موضوعه متعلقا بقيم تهم كل الشعوب، بصرف النظر عن ثقافاتها فسيكون في مستطاعنا الحديث عن أعمال أدبية كبيرة في عالم الأدب.
الليالي العربية
تختلف في أحيان عدة أشكال تقييم عمل أدبي بشدة، إلى درجة ينظر فيها إلى عمل أدبي خاص يفترض اتسامه بالكونية داخل ثقافته الخاصة، باعتباره اكتمالا أو تحققًا سيئا، إن لم يكن حمالا لكل ما هو سيء. ويمثل كتاب ألف ليلة وليلة التجسيد الأمثل لهذا الاختلاف أو التعارض. كانت الحكايات التي اشتملت عليها الليالي قد اقتبست أو ترجمت على وجه الاحتمال إلى اللغة العربية بشكل مبكر في القرن التاسع الميلادي، وجمعت في كتاب يلتزم بالحكاية الإطار وألف من الحكايات الصغيرة والهامشية، التي تتخلل هذه الحكاية الإطار وغالبا ما تكون في أحيان عدة حكاية داخل الحكاية.
وفي الحقيقة يبدو من النادر العثور على كاتب في مختلف الثقافات، وإن شئت في البعد مثل الثقافة اليابانية لم يقع تحت تأثير «ألف ليلة وليلة» وفق هذا المنحى أو ذاك. بيد أنه خلافا لما نلاحظه في الثقافة الغربية فإن كتاب «الليالي» لم تكن له أي حظوة في العالم العربي والإسلامي. ذلك أن التخييل السردي يحظى بمنزلة ثقافية أقل، مقارنة بالشعر، كما أن الحكايات التي كتبت بلغة قريبة جدا من العربية العامية اعتبرت خرافات مخصصة لتسلية النساء والأطفال. وإلى حدود اللحظة وباستثناء عدد قليل من الكتاب والأكاديميين، يجري بانتظام توجيه سهام النقد إلى «ألف ليلة وليلة» ليس فقط بسبب انها مكتوبة بشكل سيئ وغير ناضج، وإنما لكونها سوقية وبذيئة، باعتبار محتواها الجنسي الفاضح، غير أن الأمور تغيرت نوعا ما في القرن العشرين. فقد شرع بعض المثقفين والكتاب العرب بتأثير الثقافة الغربية، في مساءلة موروثهم الثقافي ومسبقاتهم السلبية المشتركة. وقد عمد كتاب عرب مرموقون من عيار طه حسين ويحيى الطاهر عبد الله ونجيب محفوظ، في تضمين أعمالهم الأدبية تنويعا من قصص ألف ليلة وليلة. وعلى الرغم من ذلك فإنه يبقى متجاهلا على نطاق واسع في العالمين الناطقين بالعربية والفارسية.
وعلى الرغم من النجاح العالمي الذي حققه، فإن محمد شكري ظل ممنوعا من نشر سيرته الذاتية لسنوات طويلة. وكان العديد من الناشرين العرب قد رفضوا النسخة العربية. هل يمكننا في هذا الصدد أن نتحدث عن نسخة أصلية؟
محمد شكري والواقعية غير المرغوب فيها
لعل أبرز تمثيل معاصر لهذا الأدب غير المرغوب فيه يتمثل في أعمال الكاتب المغربي الأشهر عربيا وعالميا محمد شكري. ونشير على وجه التخصيص إلى سيرته الذاتية التخييلية «الخبز الحافي» الذي قدم إلى العالم الغربي عام 1973 بفضل الترجمة التي أنجزها الكاتب الأمريكي بول بولز، قبل صدور الأصل العربي بتاريخ طويل. وسيقفوه عام 1992الجزء الثاني «الشطار» المعروف أيضا بـ»زمن الأخطاء» ثم الجزء الثالث «وجوه» عام 1996.
يعتبر محمد شكري 1935 -1993 كاتبا وروائيا مغربيا ذا أصول أمازيغية. وقد ترعرع في حضن أسرة تعاني من العوز الشديد. وفي سن الحادية عشرة فرّ من طغيان وجبروت أبيه، الذي اتهمه بقتل أخيه الأصغر بسبب الجوع والفقر، ليتحول إلى طفل مشرد في مدينة طنجة، ويقتات من مزاولة مهن عديدة. من قبيل الدعارة والنشل وتجارة المخدرات. وقد خبر الفقر الشديد والعنف. كانت حياته بكاملها محفوفة بالعاهرات والمجرمين وتجار المخدرات. وقد تعلم القراءة والكتابة في سن العشرين، ليصبح بفعل مثابرته وجده معلما. كانت طنجة التي قضى فيها شكري كل حياته في سنوات الخمسينيات والستينيات مدينة كوسموبوليتية. وقد التقى في سياق من الصداقة كتابا مشاهير غيروا حياته من قبيل، جان جينيه وتنيسي وليمز وبول بولز، الذي كان يعيش في المغرب منذ 1947، والذي آثر الترجمة ونسخ بعض المرويات الشفهية لرواة مغاربة من الإنكليزية إلى العربية، عوضا عن الكتابة منذ رحيل زوجته جين أور.
يعتبر «الخبز الحافي» عملا ادبيا استثنائيا في كل المقاييس، ويمكن عده في هذا الصدد رواية مفتاحا ليس فقط بالنسبة للأدب المغربي، وإنما للعربي بشكل عام. وهو يتسم بشفافية لا حدود لها واهتمام بالتفاصيل، ما جعله بشكل خاص عرضة للنقد والإدانة ليس فقط من لدن القوى المحافظة والدينية في المغرب والعالم العربي الإسلامي، وإنما أيضا من لدن النقاد والأكاديميين، الذين نعتوا الكتاب بكونه خلاعيا وبورنوغرافيا يتوسل بالجنس، بوصفه أداة لصدم المتلقين، وفي الحقيقة فإن محمد شكري لم يكتب سيرته الذاتية بهدف سرد مغامراته الجنسية والمثلية الجنسية، وإنما بغاية التعبير عن خطواته صوب النضج والاستقلال وتقدير الذات والذكورة. يتعلق الأمر بكتاب معجون بالألم والخيبة والأمل. يحيل عنوان الرواية على قطعة الخبز التي يكتفى بها بوصفها وجبة غذاء، وهو ما يستدعي الجوع للطعام والحب والاحترام والحرية والحميمية الجسدية.
يعتبر العديد من النقاد الغربيين الرواية نصا قويا ومهما سبق أن ترجم إلى أربعين لغة عالمية، ويصفه الكاتب المسرحي الأمريكي تنيسي وليمز بكونه وثيقة حقيقية وحية عن خيبة أمل الإنسان، وما يعانيه من جرائها. وتعتبرها الباحثة المصرية سامية محرز، التي أدركت قيمتها الحقيقية تعبيرا عن انتقال شفاف وصريح لطفل مغربي أمي من الطبقات المسحوقة إلى العلم والمعرفة في سن العشرين، بما يستدعيه ذلك من قدرته على التعبير عن شروط عيشه في نص سردي فاتن وآسر. يبدو لافتا للانتباه أن يصدر هذا الكلام عن أستاذة في الجامعة الأمريكية في القاهرة قامت بإدراج الرواية في برنامج التدريس للسنة الجامعية 1998 لكنها لم تلبث أن سحبت بعد صدور شكاوى عدة من طلبة اعتبروا الرواية صادمة ومخلة بالأخلاق. وقد بعث آباؤهم رسالة في هذا الخصوص إلى وزير التعليم العالي:
«هذه الرواية أبعد ما تكون عن مبادئ الأدب العربي ويتحدث في سياقها محمد شكري عن حياته القذرة التي لا تهم أحدا. ونحن نعتقد أن ما كتب في بعض الفصول يكفي للتأثير في جيل بكامله. نرجوك أن تحمي أبناءنا وأبناء المجتمعات العربية من أشخاص من هذا القبيل يرومون مهاجمة براءة الأجيال القادمة».
كان للوزير نفسه رأي مماثل، إذ اعتبر العمل بورنوغرافيا ومنحطا وقال في هذا الخصوص: إن مصر تتيح حرية التفكير، لكنها ترفض المساس بقيمها وتقاليدها. واعتبر أحد رجال القانون المصريين الرواية غير صالحة للقراءة، إلا في الحانات ودور الدعارة. وصف حراس الأخلاق العمل بكونه دعوة للخلاعة والفجور. وكان على الرئيس مبارك أن يتدخل بشكل شخصي كي يتوقف اللغط داخل الجامعة الأمريكية.
وعلى الرغم من النجاح العالمي الذي حققه، فإن محمد شكري ظل ممنوعا من نشر سيرته الذاتية لسنوات طويلة. وكان العديد من الناشرين العرب قد رفضوا النسخة العربية. هل يمكننا في هذا الصدد أن نتحدث عن نسخة أصلية؟ ولم يتم إصدار السيرة التخييلية إلا عام 1982 وعلى نفقة الكاتب. وقد ظل العمل رغم ذلك عرضة للرقابة والحظر، بسبب محتواه البورنوغرافي ووصفه لمشاهد الإفراط في تناول المخدرات والعنف وفضحه وتعريته للواقع الاجتماعي، بل إن بعض نقاد الأدب وسموه بكونه عملا يفتقر إلى الأدبية. وقد رفع الحظر عن الرواية بعد صدورها رسميا في المغرب عام 2000. لكن ذلك لم يحل دون استمرار رفضه في العديد من الأقطار العربية، وأن يستمر تجاهله من لدن جل الشرائح الاجتماعية؛ وهو ما يسهم في تضخيم لائحة الكتب المرفوضة.
ولكي تتحقق الإحاطة الدقيقة بقيمة هذا العمل بصرف النظر عن لغته العارية فإنه ينبغي قراءته في كليته. ويمكن للقارئ أن يتبين بسهولة أن نسخة بول بولز الصادرة عام 1973 تتسم علاوة على ديناميتها وانسبابيتها بكونها ذات لغة راقية ومتماسكة، في ما تتميز النسخة العربية بأسلوبها البسيط والجاف، وخلطها بين صيغتي الماضي والحاضر. ثمة على أي حال فروق دالة بين النسختين الإنكليزية والعربية تهم التركيب والمعجم، وطريقة توظيفه علاوة على كثير من المقاطع المحذوفة أو المضافة.
٭ أكاديمي من بولونيا
٭٭ كاتب ومترجم مغربي