أدهم الدمشقي ووالدته في عرض «صاج» سعي لشفاء الجروح وأمل بعدوى الشجاعة

زهرة مرعي
حجم الخط
0

حكاية أم كافحت بزنديها وعقلها وحبها وربت خمسة أطفال

بيروت ـ «القدس العربي»:  طرحت دعوة أدهم الدمشقي لمعارفه ومُحبي فنه اللصيق بالواقع إلى عرض «صاج» سيلا من التساؤلات. عرفنا سلفاً أن والدته تُشاركُه مسرحيته الجديدة، فماذا فيها؟ يجلس الجمهور كالزوار في غرفة الاستقبال، ويتجاورون الصاج ومستلزماته. فهنا مسرح الحدث الذي أعدهُ أدهم الدمشقي مع والدته، ومن على الكنبتين اللتين تتوسطهما شاشة التلفزيون يبدأُ العرض المفاجأة.
كان أدهم بعمر التسع سنوات إلى جانب أربع شقيقات يكبرنه حين رحل والده بعد مرض. قبل اليتم وبعده لم يختلف الحال على العائلة المتواضعة الإمكانات، فقد تابعت أم أدهم «الست القديرة والدبيرة والشغيلة» الكفاح بزنديها وعقلها الواعي. حاضرة للدفاع عن أولادها ومساندتهم في مجتمع مُتنمر بامتياز. أم «لبوة» حيث يستدعي الواجب، ذئب بشري قريب من العائلة غرز أظافره في فلذة كبدها، ولم تعرف.
ألحت متاعب الماضي على أدهم الدمشقي في شبابه، فتخفف منه بالعلاج النفسي والمسرحي، احتاج إلى مزيد من الشفاء بأن يخبر والدته.
أم وابنها تطهرا من ألم الماضي وتصالحا معه بشجاعة في عرض مسرحي، والأمل معقود بأن تكون الشجاعة مُعدية.
بمناسبة عيد الأم مع شكرية وأدهم هذا الحوار:
○ مسرحك جزء منك إنما «صاج» مسرحية كشفت جرحاً مزمناً أمام الجمهور وتركته يبرأ. فكيف تصالحت مع نفسك؟
• نعم هو تصالح مع الذات. والتصالح شفاء وعبور من التجربة. وحين يعبرُ هذا التصالح الفردي من خلال المسرح أو الفن عامةً، فإنهُ يدعو إلى التشافي أو التصالح الجماعي. عندما تحدثُ الصدمات، لا نُنكرُ أهمية المتابعة مع معالج نفسي، أو أهمية البيئة الحاضنة، لكن الشفاء الأهم والأجمل هو عن طريق الحب، حب الذات أولا، وهذا ليس بجديد على الإنسانية الحقيقية، فالشعراء والأنبياء والقديسون، كذلك الباحثون خارج أسوار الديانات، حين يبحثون عن الطاقة المحركة للموجودات، لن يجدوها سوى في الحب، وهذا الحب ساعدني على العبور. طاقة الحب الممتدة من الرحم الأول، إلى الرحم الثاني الأرض، حبل السرة كان السطر الأول من قصيدتي التي لن تنتهي…
والدتي فلاحة، ومن عائلة فلاحين مقتدرين. عاشت مُعززة مُكرمة في عائلتها، تشارك في الحصاد والقطاف والرعي والاهتمام بالدواجن. في هذه البيئة الذكورية البسيطة، حيث يُقال للفتاة «لشو العلم صارت تعرف تكتب وتقرا»؟ لقد كانت أمي متفوقة في دراستها، وحصلت شهادة كفاءة في التمريض، والخياطة، لكنها كانت تطمح إلى الشهادات العليا، لهذا أصرت على متابعة تحصيلنا العلمي.. صحيح أن ثقافتها المعرفية توقفت في مرحلة مُبكرة، لكن عطاءها وتدفق الحب عندها ينبعُ من فطرتها الأشبه بمحبة القديسين البسطاء.
○ تقول إن الحب هو داعمك الأول. فكيف؟
• محبة أمي لنا، ساعدتها على تقبل أبنائها كما هم، بأفكارهم الغريبة، وعوالمهم الخاصة. محبتها ساعدتها في تخطي الصعوبات والهفوات التي مرت في حياة أبنائها، في مثل هذه الأحوال كان يمكن للأهل أن يجلدوا أبناءهم بالتذنيب والتأنيب، لكن أمي كانت حاضرة لأن تقبلنا بمحبتها من دون أحكام، على الرغم من أنها تربت في بيئة محافظة، لذا كان من المتوقع أن يُحدث ذلك صدامًا معرفيا نمطيا، لكنه لم يحصل.
○ يمكن القول إن أم أدهم تخطت الموروثات وتقبلت العصر والواقع الذي يعيش فيه أبناؤها الخمسة؟
• ربما أمي لم تستوعب، في بعض الأحيان، ما نقوم به، لكن محبتها جعلتها تتحرر، فتُحررنا، وهذا ما غيرنا معاً. في البداية، لم يكن سهلاً أن تتغير مفاهيمها وهي المولودة في السويداء، ابنةٌ لأبوين ملتزمين دينيا، انتقلت مع زوجها إلى بيئة لبنان المختلفة تماماً، ربت أولادها تربيةً مُعاصرة من دون أن تُدرك مفاهيمها. لهذا، أُشبهُ والدتي بالفنانين والموسيقيين الذين لم يدرسوا الفن والموسيقى أكاديمياً، لكنهم قدموا طرحاً جديداً وتغييرياً في أعمالهم، لأن موهبتهم أصيلة وحقيقية.

نجحنا أكثر مما توقعنا

○ أم أدهم هل وافقت سريعاً على عرض أدهم بالمشاركة في مسرحية «صاج»؟
• قبلتُ بصدر رحب ومن دون تردد. لي الشرف أن أكون إلى جانب ابني وحبيب قلبي، نجحنا أكثر مما توقعنا.
○ كنت تعرفين ماذا ستقولين؟
• ما أقوله كل يوم خلال العرض عفوي جداً. كانت بلاطة تكبس على قلبي وتمنع الحكي، جاءت اللحظة وأزحت البلاطة.
○ تصالحت مع نفسك كما فعل أدهم؟
• نعم نحن معاً تصالحنا مع ذاتنا.
○ هل من أمر لم يرق لك قوله؟
• ما دامت هذه إرادة أدهم فليكن. نعم لم أتحمس لواقعة الاعتداء على ابني من قبل أحد إإتمنته عليه. أكل نصيبه من عذاب الدنيا، وبالتأكيد يعيش عذاب الآخرة.
○ هل ترين الحادثة أصعب ما مر في تربيتك لأطفالك؟
• صدقاً من أصعب ما عشته. تمنيت لو «قرقشت الصوان» في تربية أطفالي، ولم أسمع هذا الخبر، الأسى كبير. «ويتحشرج صوتها».
○ أدهم تصالح نفسياً؟
• صحيح. وأعمل لأتصالح مع نفسي وبالتأكيد شفاؤه سيحررني.

مدرسة حياة

○ كيف أطلعت والدتك على الحادثة؟ أو كيف مهدت الطريق لإخبارها؟
• أنهيت مخطوطة كتاب «سرير» سنة 2015 لكنني قررتُ أن أصارح أمي بموضوعه قبل نشره. ربما لو وجدتُ أنها غير قادرة على استيعاب ما حصل، لكنتُ تركتُه في العتمة مدى الحياة، وصادف أنني كنتُ أزورها في بيتها، بينما كانت تشاهدُ مسلسلًا تركيا «فاطمة» وسألتها عنه، فأخبرتني أن فاطمة فتاة تعرضت للاعتداء، فجلستُ قربها على الكنبة، وصرتُ أزورها بين الحين والآخر لمتابعة أحداث المسلسل معها. لم أكن مهتما بالمسلسل لأن الدراما التركية لا تعني لي فنيا، لكني وجدت من خلاله فرصةً لأشارك والدتي قصتي، فأجعلها تتقبلها من دون أن تشكل صدمة فُجائية. كنا نمضي وقتًا نتحدث عن قضايا مشابهة، وأخبرها عن أصدقاء اخترعتهم في خيالي تعرضوا لمثل هذه الحادثة لكنهم استطاعوا أن يتشافوا منها، لا بل أكثر من ذلك، حولوا تلك التجربة إلى مدرسة حياة، واستطاعوا بوعيهم أن يؤثروا في الغير، ويخلقوا حالة توعوية جماعية لإنقاذ حياة الكثيرين. ثم حانت اللحظة المناسبة التي أعلمتها فيها أنني أيضًا تعرضتُ لمثل تلك الصدمة في مراهقتي الأولى. لقد كانت الصدمة قاسية عليها، لكنني كنتُ أسعى إلى جعل أمي تتقبلها وتتصالح معها. سنة 2018 قمتُ بنشر هذا الكتاب «سرير» وأهديته لها لكي تقرأه، وعندما أنهت قراءته قالت لي: «أفتخر أن لي ابنًا عبقريا مثلك!» ومنذ سنة تقريبًا أعلمتها برغبتي في تحويل هذه القصة إلى عمل مسرحي بعنوان «صاج» وطلبتُ منها أن تكون معي في العرض لنشارك الزوار سردياتنا التصالحية.
○ ما الذي شجعك على خوض مغامرة إخبار والدتك؟
• تزامن ذلك مع دراستي للعلاج النفسي من خلال الفنون، وخلال جلسات «شرب المتة» مع والدتي، سعيتُ لأن أخلق عندها وعياً بأن بعض من يتعرضون لهذه التجارب يمكنهم أن يعبروا عنها فيعبروا ويعتبروا. صحيح أن هناك من يبقى ضحيةً لصدماته، وهناك من يتحول إلى جلاد، وهناك المُتصالح الذي يعبر نحو الشفاء فيصير بطل قصته ونموذجًا يُحتذى به. كنت متأكداً من قساوة معرفة الحادثة وتأثيرها فيها، فمن يستأصل ورماً سيمر بمخاض الألم، ومنْ ثم ينتقل إلى مرحلة التعافي فالشفاء.
○ قراءة الكتاب كانت أصعب عليك أم سماع الحكاية من أدهم؟
• أم أدهم: الوقع ذاته. الصدمة هي الصدمة لكني تمنيت لو كان على قيد الحياة لمزقته إربًا. بكيت لأني لم أنتبه لوحش كاسر قريب انقض على فلذة كبدي.
○ أدهم: هدف المسرحية أن تتحرر والدتي من الشعور بالذنب. ويمكنها أن تعرف أن مثل هذه الحوادث تحصل في أي مكان. يحمي الأهل أطفالهم، عندما يزرعون فيهم الوعي ويساعدونهم على التشافي، يستحيل على أي أبوين أن يرافقوا أولادهم في كل لحظة، لكن عليهم أن يحيطوهم بالحب، والحب يشفي. وهذا ما فعلتهُ أمي التي كانت تتحدى كل ظروف الحياة القاسية من غذاء وكساء وتعليم وإيجار المنزل وغيرها من التحديات لتؤمن حياةً كريمة لأطفالها، أمي كانت تصارعُ وحيدة لإنقاذ عائلتها.
والأهم أني تحررت من مشاعر الذنب، وأسعى كي تتحرر والدتي منه كذلك. بالنسبة لي، ما فعلتهُ أمي أهم بكثير من أن تقتل الجاني. لقد قدمت معي مسرحية تصالحية، وبمجرد قبولها عرضي وبدء المسرحية، فقد كنا ننتقم بطريقة إيجابية، لأن الفن كما أراهُ، هو مواجهة الموت بالحياة، والحقد بالحب الصافي النقي.
○ «صاج» فيها أكثر من موضوع وكسر للمحرمات أو التابوهات. كيف تمكنت من شرح جهود الأم في تربية عائلتها؟
• صحيح وهذا الأهم. «صاج» رحلة نضال حقيقية لامرأة فلاحة تحصد القمح في حقول السويداء، تم منعها من الاقتران بحبها الأول، إلى لقائها برجل من لبنان، فالزواج والانتقال للعيش في ظروف الحرب في منزل مُصادر وجدت فيه جثتين. عملت منذ يومها الأول في لبنان في التمريض، وخياطة الجروح ثم اضطرت إلى العمل في تنظيف البيوت… حياتها تراجيديا لكن الناس يستوقفهم كثيرًا النص الأخير لأنهُ الأشد قساوةً وكسرًا للمحظور من بقية السرديات في المسرحية.
○ أنت الأصغر بين إخوتك هل ذكرياتك أكبر وأوسع مع والدتك؟
• أذكر أني في طفولتي كنتُ رافقتها لتنظيف أحد المنازل، وكنت أفرح بمساعدتها في العمل. أذكر مرة أنها تقاضت أجرًا يساوي 10 دولارات، وحين كنا نمر في ساحة ضهور الشوير عائدين إلى بيتنا، مررنا بمكتبة، فلفتني دفتر جميل، يشبه الكتاب الحقيقي وغلافه مقوى. حلمتُ بأن أكتب شعراً على هذا الدفتر. سألنا عن سعره فكان بـ10 دولارات. ملْتُ برأسي ودمعت عيني لسعره المرتفع، لكن أمي دفعت جهد يوم واشترته لي. وفي وقت لاحق فكرت بأنانيتي في مثل هذا الطلب.
○ لكن الأنانية لم تستمر معك؟
• الحمد لله والسبب الحب الذي غمرني على الدوام. وأني استعملت الدفتر للشفاء عبر الكتابة. إذاً أكثر من قصة خيطت في هذه المسرحية، فيها مواقف بطولية، والبطلة هي أمي، إنها امرأة عظيمة، دورها البطولي في الدفاع عن أبنائها كان كفيلًا بتحريرها من مشاعر الذنب. وتصفيق الجمهور لها جعلها تفتخر بتجربتها عوضًا من تخجل بها.
○ أنشأت أطفالك في بيئة مرتاحة اجتماعياً بخلاف حالكم. كيف حصنتهم لمواجهة الأحكام والمقاييس المغلوطة على المهنة؟
• أم أدهم: كنت أشاهد أطفالي خجولين في الصف حين أدخله لعمل ما. في البيت كنت أجمعهم لأطلب منهم أن لا يخجلوا فالشغل الحلال قيمة إنسانية مهما كان نوعه. وكانت ابنتي تقول لي «رفقاتي يقولون ليك إمك فاتت لتنظيف الحمامات». كان جوابي لها، هذا فخرٌ وأشرفُ من أن يقول لك أحدهم «أمك قامت بعيب ما».
• أدهم: صورة أمي في ذهني كانت دائمًا جميلة جدا وبكافة الحالات. ومن الطبيعي أنني في طفولتي المُبكرة كنت أخجل أحيانًا، لكن في داخلي كان ينبض فخرٌ عظيمٌ بها، وبما تقوم به.
○ ماذا تذكر من أمك في عيد الأم؟
• أذكر في أيام الشتاء كنا ننام أنا وأخواتي الأربع على فراش أرضي واحد تغطينا وتقول «غمرو بعض بتدفو». الحب حررنا ودفأنا، في كافة التحديات أنا وأخواتي حتى الآن نغمر بعضنا لنتدفأ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية