بيروت-“القدس العربي”: أدهم السيد الطالب اللبناني الذي أمضى في ربوع مدينة ووهان الجميلة خمس سنوات من الدراسة، كان ينتظر نهاية الربيع ليعود إلى وطنه منجزاً درجة دكتوراه، ففاجأه فيروس كورونا كما الملايين غيره. بقرار واعٍ ومنطقي بقي حيث هو، يشارك سكان المدينة حجرهم والصينيين عامة قتالهم لعدو البشرية، كما شاركهم لسنوات أيامهم العادية المؤنسة.
خلال أيام قصيرة صار أدهم السيد قبلة الصحافة العالمية. صحافة أرادت بغالبيتها البحث عن ناس لا يلتزمون الحجر، أو عن جثث منتشرة في المدينة. عُرض عليه المال من أكثر من وسيلة إعلامية ليكون مراسلاً معلناً أو مستتراً. طوال أيام المحنة بقي هو نفسه كما نشأ في عائلته، لا يغريه مال مهما بلغ ليُخرج الحقيقة من سكتها.
منذ أيام ووهان خالية من إصابات كورونا جديدة، وأول ما سيفعله أدهم السيد حين يُخفف الحجر قص شعره وذقنه، وزيارة جامعته وبحيراتها الرائعة.
معه هذا الحوار:
*ما هو عدد العرب الذين صمدوا في ووهان؟
**بداية أرغب في القول إنني هنا منذ خمس سنوات أدرس “الاقتصاد الكمي”. بعد الإجازة في الرياضيات التطبيقية من الجامعة اللبنانية، كلية العلوم أنجزت الماستر في ووهان، ومن ثم الدكتوراه وكنت بانتظار التخرج.
لست أملك رقماً عن عدد الذين بقوا. أعرف أن الطلاب العرب تمّ اجلاؤهم من ووهان من قبل حكومات بلدانهم، وهي العراق، وسوريا، والأردن، ومصر، وتونس، والجزائر، والمغرب، والسودان، وليبيا، والسعودية، وليبيا ولبنان باستثنائي أنا. لست أدري الرقم الأكيد لمن لا يزالون هنا لكني متأكد من وجود شاب من فلسطين، وآخر من سوريا لم يُسمح له بالمغادرة لإرتفاع حرارته، ولم يكن مصاباً بالفيروس.
*هل كان قرار البقاء سهلاً؟
**عندما بلغنا خبر إغلاق المدينة بالكامل في 22 كانون الثاني/يناير ليلاً، لم يكن واضحاً إلى أين تتجه الأمور. في اليوم الثاني من الإغلاق كتبت عبر فيسبوك، ومن ثم في اليوم الخامس من الإغلاق. ثقتي عالية بقدرة الصينيين على المواجهة، رغم انعدام خبرتي في تحديات الفيروسات. كنت متأكداً أن الصينيين عندما يكرسون جهودهم لأمر ما ينجحون، وهذا ما ثبُت بعد أكثر من شهرين من المواجهة.
معرفة الجميع المحدودة بفيروس كورونا من سلطات صحية وحكومية، وثقتي بالشعب الصيني، جعلاني أقرر البقاء حين بدأت مشاريع إجلاء الرعايا بدءاً من اليوم السادس للحجر. بدأ الإجلاء ولم تكن عوارض المرض واضحة بعد، ولم يكن أحدنا يعلم إن كان يحمل الفيروس أم لا. لهذا وجدت أن العودة خلال الإجلاء ليست صائبة بالكامل، خاصة وأن السلطات الحكومية والصحية الصينية نصحت بعدم الإنتقال من مكان إلى آخر ولا ضرورة للإجلاء. وهذا ما أكدته الأيام. قرار البقاء جاء عن سابق إصرار وتصميم. فالشعب الذي نعيش معه قام بكامل موجبات الضيافة، قدم لنا التعليم والأمان والأجواء المريحة جداً للدراسة. هو شعب لا يعرف العنصرية مطلقاً في علاقته بالآخر، عاملنا كصينيين وأكثر. لم ألمس خطراً على صحتي في البقاء، ووجدت أن الواجب الإنساني والأخلاقي والمبدئي يحتمه. المساعدة التي وجدت نفسي متمكناً منها هي التعبير عن الحقيقة، خاصة مع التشويه الإعلامي الضخم الذي حدث في البداية والمستمر حتى اللحظة. قمت بما تمكنت منه ملتزماً إرشادات سلطات المدينة وبدون مخاطرة بصحتي. في اليوم الخامس وحين كانت الإصابات بحدود 300 قلت بأنها حرب من أجل البشرية وأنا سعيد بأني جزء منها، لكني حزين على ووهان المقفلة. أثبتت التجربة أن ووهان أعطت الوقت لباقي الإنسانية كي تجهز نفسها للفيروس. للأسف أغلبها لم يتعظ، ولم تكن الحكومات على قدر المسؤولية تجاه شعوبها، خاصة بريطانيا. يعرف الجميع أن مواجهة كورونا يحسب بالدقيقة والثمن بعد 14 يوماً في حال التراخي غالٍ. انضمامي للقتال في حرب من أجل البشرية ناتج عن تربيتي ومبادئي ومسيرتي في الحياة.
*ماذا عن موقف الأهل في لبنان؟
**بطبيعة الحال تمنوا عودتي. يجمعنا احترام متبادل، ويعرفون مسؤوليتي عن قراري. وفي اتصال واحد عرضت لهم وجهة نظري، مستنداً لرأي المعنيين في وزارة الصحة الصينية بعدم ضرورة الإجلاء، والأهم قراري بأن أكون جزءاً مما يحدث في ووهان.
*كيف دعمت صمودك خاصة في الأيام الأولى؟
**توفر امكانية الصمود واحد من عوامل البقاء في ووهان. احتياجات الطعام وصلت إلى المنازل، أو نخرج لإبتياعها من السوبر ماركت. قبل الحجر كان بدل كرتونة البيض بحدود 50 كواي. قُسّمت الأحياء السكنية لتتولى مسؤولية كل منها فرقة قاعدية من المتطوعين في الحزب الشيوعي الصيني. كرتونة البيض تصل إلى الباب وبـ15 كواي. وتلك الفرق كانت تأتي باكراً إلى مكان محدد من الحي مزودة بكيس جاهز ومنوع من الخضار بـ10 كواي. والكمية والنوعية نفسها من السوبر ماركت بـ100 كواي. الحكومة دعمت الصمود.
*متى بدأت تسجيل فيديوهات؟
**لا أذكر بالتحديد، وحسب “رويترز” تقول بأنني أول من صور “لايف” من ووهان، وما عدا ذلك يعود للتلفزيون الرسمي. وللحق أني في البدء لم أكن أعرف كيفية برم الكاميرا خلال التصوير. لهذا كنت الأكثر ظهوراً في أول فيديو. تعمدت التصوير لايف عبر فيسبوك لتكون المصداقية عالية مع الناس ومن ثمّ وسائل الإعلام. ما كان يظهر لي يظهر للناس ولا امكانية للمونتاج.
*متى بتّ هدفاً للإعلام العالمي وهل توقعت ذلك؟
**لم أتوقع طبعاً، وسريعاً صار تهافت للتواصل معي من وسائل الإعلام لأكون معهم مباشرة. النص الذي كتبته ونشرته في اليوم الخامس للحجر انتشر بقوة في وسائل الإعلام، وبعضها صيني بعد ترجمته. أجريت بحدود 10 حوارات يومياً. ووصل عدد المقابلات في هذين الشهرين إلى العشرات تراوحت بين تلفزيون، وراديو، وصحف، ومواقع إلكترونية إلى جانب صفحتي الخاصة على فيسبوك التي شكلت منبري الأهم. ربما فاقت المقابلات الـ200. مع العلم أن الفيديوهات التي تضمنتها صفحتي على فيسبوك نُشرت جميعها أكثر من ثلاث مرات في وسائل الإعلام. رفضت بطريقة دبلوماسية تخصيص أي وسيلة إعلامية بفيديو حصري مقابل أجر. عرضت بعض الوسائل عملاً كمراسل، ورفضت. عرضوا تقديم رسالة يومية بصفتي طالب مقابل أجر أحدده بنفسي، ورفضت، واستمريت ثابتاً على موقفي. مع العلم أن بعضهم في لبنان شجعني لتقاضي أجر وتجييره لمن يعملون في مجال التوعية الصحية في بلدي. المسار لا مال ولا أجر.
*ما الذي فاجأك في طلبات هذا الإعلام؟
**قلت مرة عبر فيسبوك أن إحدى كبريات وسائل الإعلام في أوروبا طلبت مني تصوير ريبورتاج أقول فيه إن الوضع سيء في ووهان، وأن الوفيات كثيرة، كجزء من البروباغندا التي تتحدث عنها وكالات الأنباء الغربية. رفضت بطبيعة الحال وظهرت لمحدثتي عبر فيديو من شرفتي لأقول لها الواقع. وقلت لها بالحرف ترغبين بالوكالات إذهبي إليها، أما الواقع فقد رأيته مباشرة من كاميرتي في ووهان.
*كيف تنظر إلى الأداء الصيني حيال كورونا وهل المقارنة مع أوروبا وأمريكا جائزة؟
**المقارنة غير متاحة لاختلاف الأنظمة الصحية. خلال تفاقم انتشار الفيروس، لم يقاتل صيني آخر عبر وسائل الإعلام. ولم يقل مسؤول للناس “راح تودعوا أحبابكم” كما فعل رئيس وزراء بريطانيا. من اليوم الأول قال جميع المسؤولين سنقاتل هذا الفيروس والنصر سيكون حليف الشعب الصيني ونحن معتادون على الصعاب. ووضعت امكانات الدولة كافة في خدمة القضاء على الفيروس ولا شيء سواه. الآن بدأ البنك الفيدرالي الأمريكي ضخ تريليون دولار للحفاظ على البورصة، في حين أن غالبية الناس تحتاج لكمامات. لو اعطي هذا المبلغ للصين لقضت على كورورنا في كوكب الأرض كله. هوبيه تُعتبر من أهم المقاطعات على المستوى الاقتصادي توقفت بالكامل عن صناعة القطارات السريعة حيث تضم ووهان أكبر محطة للتصنيع. تحول العمل للحرب على الفيروس. فكرة العزل لمحاربة كورونا بدأت من الصين وهي الأنجع، وصفها الغرب بإعتداء على حقوق الإنسان، وحجز للحريات. وصل الفيروس إلى أوروبا ولم يجدوا سبيلاً في مكافحة انتشاره سوى العزل. قدمت الصين رؤيا ثاقبة وسابقة لوقتها، ومنظمة الصحة العالمية أكدت ذلك في تقييمها للمواجهة. توحد الشعب الصيني، والتزم الإرشادات وحارب كورونا. 43 ألف عامل طبي تركوا منازلهم وألتحقوا بمكافحة المرض ومداواة المصابين في ووهان لأنها الأكثر معاناة. من دون راحة تواصلوا في العمل 50 يوماً على التوالي، وهذا نادر. بنى العمّال مستشفى ميدانيا في عشرة أيام، ومستشفيات أخرى بالوتيرة نفسها. أفعال تقع خارج نطاق أي مقارنة. وللأسف لم تشكل درساً. راجعت خطابات ترامب كافة بعد فيروس كورونا ركز دائماً أنهم بمنأى عن الوباء. سُجلت حالات وبقي يعلن السيطرة على الوضع. التقصير كبير في الدول كافة رغم أن الصين خاضت التجربة عن الجميع بالتعرف على تفاصيل الفيروس، الذي انتشر في الأسبوعين الأولين بدون معرفة وجوده. وتشخيصه من خلال حالات المرضى استلزم أكثر من أسبوعين. استفادت الصين من خطط مسبقة وضعتها الحكومة سنة 2003 مع فيروس سارس، وتحديد كيفية التعامل مع انتشار واسع للأوبئة. طُبقت الخطط وأثبتت نجاحها، وهم الآن بصدد تقييم تجربة كورونا للمزيد من الدروس. كورونا عدو لكل البشرية والوحدة سلاح لمواجهته، هو ليس صديقا لشعب وعدوا لآخر كما قال الأمريكيون. وزير التجارة الأمريكي قال في اليوم الثالث لإغلاق ووهان “الاقتصاد الأمريكي سيستفيد مما يجري في الصين”. لا أحد يتبنى هذا المنطق، لا الصين ولا أي شعب، سنبقى ننشد الوحدة والتضامن من أجل القضاء على كورونا عدو البشرية المشترك. تمكنت الصين من السيطرة على الفيروس وهي اليوم في إيطاليا ولبنان والعراق وصربيا وإيران وأي شعب يحتاج للمساعدة، وذلك تنفيذاً لشعار “كورونا عدو البشرية جمعاء”.
*ماذا تتمنى أن تفعل مباشرة بعد فك الحجر؟
**سأحلق شعري وذقني. منذ صغري أحلق شعري كل أسبوعين، ولم أقتن يوماً مشطاً أو مقصاً أو آلة للحلاقة. عانيت لأني أفتقد تلك المعدات ويستحيل شراءها. طال شاربي وبات يدخل فمي خلال كلامي على الشاشات وحتى خلال الطعام، اضطررت للاستعانة بالسكينة ولا خيار آخر. وأرغب أيضاً الركض باتجاه الجامعة، فأنا أسكن على أطرافها. وفيها اشتاق لألف مطرح ومطرح. ففيها كنت أمضي يومياً بحدود 16 ساعة من العمل والبحث. تتميز الجامعة التي أدرس فيها ببحيراتها، وعلى أطرافها كنت أجلس وأشرب الحليب والشاي غير المتوفر على التطبيق الذي اشتري منه، اشتقت لهذا الكوب اللذيذ. الحجر لأكثر من شهرين وحيداً جعلني أشتاق لتفاصيل لم أكن أهتم بها من قبل. أتخيل أن فكه سيجعلني أمشي ووهان بطولها وعرضها على قدميَ. والمدينة لن تفتح قبل أسبوع من تسجيل صفر إصابات بالحد الأدنى.
*هل اشتقت للبنان؟
**أكيد، كان في نيتي زيارته بعد فك الحجر في ووهان، لكن الوضع لا يسمح والمطار مقفل في بيروت. أمنيتي أن تنتهي الأزمة سريعاً على الناس كافة.