لعله من قبيل السذاجة أن يتصور المرء منا أن شيئاً جديداً ما عاد ليدهشه، إذ في حالتي الشخصية، كلما وصلت إلى تلك القناعة اكتشفت أن جعبة الغريب والغرائبي واللامعقول كبيرة، عميقة وبلا قرار.. ولما كنت مصرياً وبلاد العرب أوطاني فذلك يعني ضمناً أن الحظ أتحفني بأن أولد في البقعة التي أسعدها الحظ هي الأخرى بأن تتربع على المركز الأول، ربما في خلق وتصدير العجائب والغرائب بدءاً من الأهرام، إحدى عجائب الدنيا السبع إلى فريد الدهر المرحوم القذافي أحدث العجائب وثامنها.. وليس من شكٍ لدي في أن إدراكي لهذا الواقع الرث المتردي على كل الأصعدة والتفسخ الاقتصادي – الاجتماعي هو ما حدا بي إلى المطالبة بالتغيير الجذري والحماس من ثم إلى الحراك الثوري؛ غير أن الثورة وإن أخرجت أفضل ما في المصريين في أيامها الأولى، وفي ما تبعها من معارك شوارع نضالية في ما بعد، فإنها كشفت بصورة مبهرة أيضاً كم كان ذلك الجسد، مصر، معلولاً.. كشف كم تمكن الترهل من مفاصله ونخر الفساد بنيته. وفي ظل غياب التنظيم الثوري ذي القاعدة الجماهيرية، الذي يستطيع أن يقود في تلك المرحلة الحرجة مقتنصاً فرصةً ربما قد لا تتكرر قريباً، تبخرت أحلام الناس في أي إنجازٍ أو تغييرٍ حقيقي مع تصدر تياراتٍ وقوى، لا تختلف عن مبارك من حيث الانحيازات الاجتماعية والاقتصادية، المشهد.. وحل الإحباط ولفت موجةٌ من الندم العديد من المواطنين على اندفاعهم في موج الثورة وتمكن القنوط من الكثيرين فعادوا إلى شكٍ مزمنٍ في أنفسهم وقدراتهم وما يستحقون، حتى بت تسمع الكثيرين يقولون في قناعة: ‘نحن لا نصلح لشيء ولا نستحق أفضل من مبارك’، خاصةً أن انحسار أحلام التغيير وتنامي الشك واكبهما تدشين مرحلة من العبثية، قولاً وفعلاً.. حينذاك سمعنا من د. مرسي ‘فك الله أسره’ حديثا أو بالأصح أحجية ‘القرد والقرداتي’ و’الاصابع’ التي تعبث بمصر و’الحارة المزنوقة’ والاجتماع السري- المعلن عن سد النهضة، وأتبعتها في المرحلة اللاحقة قصيدة ‘نساؤنا حبلى بنجمك’ للفريق، أقصد المشير، وأغنية مسفة هي ‘تسلم الأيادي’.. وظنننا، لسذاجتنا أننا رأينا كل ما يمكن أن يُرى وبلغنا الغاية في العبث والهزل.. والنفاق بكل صراحة، حتى خرج علينا وعلى العالم عم اللواء الدكتور عبد العاطي مرتدياً حلته العسكرية واقفاً أمام درعٍ كتب عليها ‘القوات المسلحة المصرية’.. بحديث ‘أصابع’ هو الآخر.. ألذ وأشهى هذه المرة فهي أصابع الكفتة، حيث زف لنا ‘اكتشافه’ العلمي المذهل الذي ‘هزم’ به مرضي ‘الإيدز’ أو فقدان المناعة المكتسبة، والتهاب الكبد الوبائي الناتج عن فيروس سي.. ليس ذلك فحسب، وإنما نجح في ما وصفه بقمة الإعجاز، من جمع ما سيترشح من الفيروسات من جسد المريض وإطعامه له في صورة إصبع ‘كفتة’، أي أنه سيعيد تدوير الفيروسات في عملية ‘recycling’ كأنه يضن بالفيروسات على الفقدان.. ناهيك من كون ‘يهزم’ لفظة بلاغية أدبية تليق بالمعارك وليس لها مكان في الأحاديث العلمية، فإن ثمة تساؤلات عديدة على ‘بحوث’ و’اكتشافات’ هذا الرجل والجهة التي تدعمه وتشرف على بحثه، وحيث أن المجال هنا لا يتسع لنقاش منهجيات البحث العلمي، فلا بد أن أؤكد أنني في حياتي المهنية كطبيب لا أذكر أنني سمعت بعلاجٍ جديد (أو قديم) بلغت نسبة نجاحه مئة في المئة، ولم أسمع بحكاية إعادة تدوير المرض على هذه الصورة.. ثم وهو الأهم: لماذا الكفتة تحديداً؟! ما بال المعكرونة أو شوربة الدجاج مثلاً؟ على الاقل هذه الأخيرة صحية وسهلة الهضم وأقل في نسب الكولسترول والدهون، خاصةً إذا ما أضيف إليها الثوم (هذه حقيقة وليست مزحة بالمناسبة..).
الحمد لله من قبل ثم الشكر لعم اللواء الدكتور عبد العاطي من بعد، فالآن أدركنا أننا دخلنا مرحلة ‘الكفتة’! المدهش حقيقةً، أنه في العامية الدارجة لدى قطاعاتٍ عديدة من المصريين والأطباء بصفةٍ خاصة تستخدم كلمة ‘كفتجي’ لوصف من توفرت فيه صفات الفهلوة والجهل والاندفاع، مع قدرٍ متفاوتٍ من النصب، وتجده عادةً يتحدث ويفعل في ما يدعي فهمه ولكن يجهله في الحقيقة، بثقةٍ مفرطة وغاشمة قد يحسده البعض عليها.. أنا أرى أن عم اللواء الدكتور عبد العاطي لم يكن موفقاً في اختيار الكفتة.. اللافت واللطيف في الأمر أنه لما تعالت بعض الأصوات مشككةً في ذلك ‘الكشف’ التاريخي بدأنا نسمع ونقرأ لمن يزعم إفكاً وافتراءً أنه، أي عم اللواء الدكتور عبد العاطي، ليس طبيباً وإنما هو ممرض أو مداو بالأعشاب.. وأعتقد أنه بعد كل ذلك اللغط، خاصةً عقب انقسام الجمهور حوله ما بين متحمسٍ متفائلٍ ومشككٍ أشر، فإنه من حق الجمهور على القوات المسلحة، بل يتعين عليها أن تخرج بتصريحٍ تبين فيه موقفها وموقع ذلك الرجل منها: هل هو طبيب أم لا، وما صحة ذلك الاكتشاف.. والأهم من ذلك ما علاقة المؤسسة العسكرية ودورها بالضبط في تطوير الكفتة؟
هي مرحلة الكفتة فعلاً.. وبما أن لكل شيءٍ مهما صغر أو كان بادي السخف والتفاهة دلالته فـ’للكفتة’ أيضاً رمزيتها.. إنها محصلة عقودٍ طويلة من التجريف والتردي في شتى المناحي السياسية والثقافية، وبالأخص العلمية، حيث التركيز على أعداد الخريجين من دون أي التفاتٍ لمستوى التعليم وجودته، حيث تمنح المؤهلات العلمية.. ما يقارب النصف قرن من الخداع والأكاذيب، بدأناها بالصاروخ ‘القاهر’ وختمناها والحمد لله في دورةٍ مكتملة بـ’قاهر’ الإيدز وفيروس سي، وقضاةٍ يفترض فيهم أنهم أجلاء لا يقدرون على إتمام جملةٍ تمت للعربية بصلة، بعد أن كانت مدرسة الحقوق ومن بعدها كلية الحقوق ترفد الحياة العامة المصرية بالفصحاء والخطباء فتخرج منها أمثال شوقي بك.. بلد الأشباه -مؤسسات.. فهناك وزارة للبحث العلمي ووزارة للتعليم العالي.. والمحصلة ‘كفتة’.. حين كنت أعد رسالة الماجستير في الطب كنت أتقاضى راتباً يقارب الثلاثمئة جنيه، وفي يومٍ عنَّ لي أن أدقق في مفردات ذلك الراتب فاكتشفت أنه يشمل زهاء ثلاثة جنيهات (على ما أذكر) بدل بحث علمي.. إن تطوير أقل دواء في أيٍ من بلدان الغرب يكلف عشرات إن لم يكن مئات الملايين.. ثلاثة جنيهات مصرية، وهي لمن لا يعلم لا تكفي لشراء كفتة، وعلى ذلك، ومع دعم المؤسسة العسكرية إلى أن تنفي ذلك، تعتبر كفتة عم اللواء الدكتور عبد العاطي مكسباً متقدماً.
أما رد فعل الذين تحمسوا لذلك ‘الكشف’ فمفهومٌ بقدر ما هو محزن.. فهو ابن الهزيمة ونابعٌ من رغبةٍ عميقة في تحقيق أي شيء.. أي مكسبٍ يشعرنا بأننا قادرون على الإنجاز والتحقيق كالغرب تماماً، وأننا اذكياء ومتقدمون.. اننا لسنا مهزومين .. فالظاهرة برمتها تعبر عن الإحباط والرغبة في الهروب من الواقع الرث.. لذا فإن لم يصح ذلك الكشف ( وهو الأغلب في ظني المتواضع) فإن ذلك يعد تلاعباً قبيحاً وقاسياً بمشاعر المواطنين المتشوقين إلى أي انتصارٍ وطني، بالإضافة إلى ملايين المصريين الذين يعانون من التهاب الكبد الوبائي فيقاسون ذل المرض والحاجة وقلة الإمكانيات. تبقى نفس الأسئلة بلا إجابات: لماذا تفضح جهاتٌ مهمة بالدولة نفسها بهذه الصورة؟ قديماً أسقطوا مئات الطائرات على صوت أحمد سعيد وأفقنا على هزيمةٍ لم نتعاف منها إلى الآن.. والآن الكفتة.. أنا أرى أن سقف طموح التهريج قد هبط هو الآخر.. ألا يتعلمون؟! وهل لنا أن نتوقع المزيد من الإنجازات على شاكلة ‘الكفتة’؟!
نصيحة للجهات التي أسهمت في معجزة الكفتة من طبيب فوق كوني مواطناً: إن تطوير الأدوية يتكلف نفقاتٍ باهظة ويتم من خلال منظومةٍ علمية قادرة وخبيرة وراسخة في دولٍ لديها قاعدة علمية حقيقية.. لن يحاسب أحدٌ مصر على عدم علاج الإيدز لأنها ليس بها منظومة بحث علمي ولا مقدرة على تمويل ذلك.. ولا بنية تحتية ولا فوقية.. حتى لو ثبت صحة هذا الاكتشاف هذه المرة فوفروا مجهوداتكم في المستقبل.. مصر تحتاج إلى إنعاشٍ سريع في صورة إعادة هيكلة اقتصادية وسياسية واجتماعية لتنهض فيها قاعدة علمية وبحثية.. وبعد ذلك نتفرغ للكفتة!
‘ كاتب مصري