أنقرة -“القدس العربي”: التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء، مع دولت بهتشيلي زعيم حزب الحركة القومية في ظل تصاعد الخلافات بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية وتزايد الخشية من تفكك التحالف المتواصل منذ سنوات بين الحزبين “تحالف الجمهور”، وهو ما يعني تغيير التركيبة السياسية في البلاد وجرها نحو انتخابات مبكرة قبيل الموعد المقرر للانتخابات البرلمانية والرئاسية في يونيو/حزيران 2023.
وبداية عام 2018 شكل حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية “تحالف الجمهور” لخوض الانتخابات بشكل مشترك رضوخاً للتغيرات التي شهدتها التركيبة السياسية في البلاد وتعذر حصول حزب العدالة والتنمية على أغلبية كافية للاستمرار في حكم البلاد بشكل منفرد، ومنذ ذلك التاريخ أصبح الحركة القومية جزء من الحكم في تركيا من خلال دعم مواقف الرئيس التركي والمساعدة في تمرير القوانين المختلفة في البرلمان.
لكن العلاقة بين الحزبين شهدت تذبذباً في مراحل زمنية مختلفة على مدى السنوات الماضية، قبل أن ينجح أردوغان وبهتشيلي في احتواء الخلافات والتأكيد المتكرر على متانة التحالف واستمراره حتى موعد الانتخابات المقبلة عام 2023، إلا أن خلافات جديدة ظهرت على السطح أعادت إلى الواجهة الخلافات بين الحزبين والصعوبات التي يواجهها أردوغان في الحفاظ على التحالف أو اتخاذ قرار كبير بالتخلي عنه والبحث عن حليف جديد للمرحلة المقبلة التي تعتبر “مصيرية” والأهم على الإطلاق في تاريخ أردوغان وحزب العدالة والتنمية.
وبدرجة أساسية تركزت الخلافات بين الحزبين بسبب الضغط الكبير الذي يمارسه حزب الحركة القومية على العدالة والتنمية والحكومة من أجل اتخاذ مواقف قومية أكثر تشدداً تجاه الكثير من الملفات الداخلية والخارجية لاسيما فيما يتعلق بالتعامل مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي والشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة.
وطوال الفترة الماضية، ضغط حزب الحركة القومية باتجاه دفع الحكومة نحو اتخاذ إجراءات قضائية تؤدي لإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي الكردي عقب حملات متلاحقة لملاحقة قيادات الحزب ورؤساء البلديات التابعين له، إلى جانب تصعيد العمليات العسكرية ضد العمال الكردستاني، حيث تماشت الحكومة مع الكثير من توجهات الحركة القومية باستثناء إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي كونها خطوة غير سهلة ويتوقع أن تؤدي إلى زلزال في الحياة السياسية الداخلية وردود فعل دولية كبيرة جداً.
ومؤخراً، ضغط حزب الحركة القومية نحو عزل أكرم إمام أوغلو عن رئاسة بلدية إسطنبول وتعيين وصي على البلدية من قبل وزارة الداخلية التي فتحت تحقيقاً موسعاً ضد عاملين في البلدية بشبهة الانتماء إلى “منظمات إرهابية” وهو مطلب لم يلق تجاوباً واسعاً أو دعماً من حزب العدالة والتنمية الذي يخشى أن تؤدي هكذا خطوة إلى تمهيد الطريق أمام “إمام أوغلو” للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة مستفيداً من سردية “المظلومية” كما أنه فتح الباب مجدداً أمام الجدل حول دور وزير الداخلية سليمان صويلو المقرب من زعيم الحركة القومية والذي يعتقد قياديون بالعدالة والتنمية أنه ينفذ أجندة أقرب للحركة القومية منها للعدالة والتنمية.
والاثنين، اعتبر نعمال قورتلموش القيادي البارز في العدالة والتنمية أن التحقيقات بحق عاملين في بلدية إسطنبول لا يعني اتهام رئيس البلدية أو اتخاذ إجراء بحقه، وهو تصريح أغضب زعيم الحركة القومية الذي شن هجوماً على قورتلموش، الثلاثاء، في مشهد جدد الخشية من حصول تفكك في التحالف الحاكم.
وعلى إثر ذلك، التقى أردوغان بهتشيلي، الأربعاء، في منزل الأخير بالعاصمة أنقرة في لقاء استمر لأكثر من ساعة، حيث قدم أردوغان هدية خاصة لبهتشيلي وظهرا أمام الكاميرات يتبادلان الأحاديث والابتسامات في خطوة فهم منها أنها تهدف إلى احتواء الخلافات الأخيرة وإظهار تماسك التحالف الذي سيقود انهياره البلاد إلى انتخابات مبكرة لا يرغب أردوغان في خوضها في الوقت الحالي الذي تعاني فيه البلاد من صعوبات اقتصادية استثنائية تهدد فرصه بالفوز.
وبينما اكتفى التلفزيون الرسمي بالقول إن اللقاء تناول “آخر التطورات السياسية في البلاد”، قال عمر جليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية إن اللقاء “يحمل رسائل تتعلق بالتأكيد على وحدة وتماسك تحالف الجمهور”، لافتاً إلى أنه يتطرق إلى التشاور حول آخر التطورات السياسية أيضاً.
وفي حين يسعى حزب العدالة والتنمية لتقديم مقترح تعديل دستوري يهدف إلى خفض الحاجز الانتخابي من 10 بالمئة إلى 7 أو 5 بالمئة من أجل تعزيز فرص الحركة القومية بدخول البرلمان في الانتخابات المقبلة، يعارض الحركة القومية مساعي أردوغان لخفض شرط الحصول على 50 بالمئة من أجل الفوز بالانتخابات الرئاسية وذلك لأن تعديل من هذا القبيل ينهي حاجة أردوغان لتحالفه مع الحركة القومية المهدد بعدم دخول البرلمان في الانتخابات المقبلة بسبب تراجع أصواته.
وتؤشر كافة التصريحات والتحضيرات إلى أن أردوغان وبهتشيلي يرغبان في استمرار التحالف وخوض الانتخابات المقبلة بشكل مشترك، إلا أن مراقبون كثر يشككون بقدرة التحالف الحفاظ على تماسكه حتى موعد الانتخابات المقبلة، لافتين إلى زيادة الامتعاض في صفوف العدالة والتنمية من توجهات الحركة القومية المتشددة ويطرحون خيارات تتعلق بالتخلص من “عبء” التحالف مع الحركة القومية والبحث عن حليف جديد قبيل موعد الانتخابات المقبلة، وهي سيناريوهات تبقى قائمة طوال الأشهر المقبلة.