“أرشيف الدولة” في إسرائيل: الصهيونية تحمي مواطنيها من جرائمها

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: “يا خوف الطغاة من الذكريات ويا خوف الغزاة من الأغنيات” قال محمود درويش وصدق فإسرائيل تؤجل كل مرة من جديد موعد فتح الأرشيفات بسبب حساسية مضامينها رغم مرور 72 عاما على النكبة الفلسطينية.

ولا يزال “أرشيف الدولة” في إسرائيل، إضافة إلى أرشيفي وزارة الأمن والجيش الإسرائيلي، في حالة حجب مستمرة منذُ إنشائها في العام 1948 وحتى اليوم لأن إسرائيل تهدف للتستر على أفعالها ومنع اطلاع الإسرائيليين عليها كما يؤكد المؤرخ الإسرائيلي آدم راز الذي يواصل أسبوعيا النبش بما يتاح من الأرشيفات وتسليط الضوء على ماضيها الأسود. تختلفُ ممارسات الحجب إلا أن المنع يظل هو الثابت المتغير خاصة فيما يتعلق بسياسات الدولة تجاه مواطنيها العرب.

وعلى الرغم من أن قانون الأرشيفات في إسرائيل يحدد مبدأ مفاده أن “كل شخص مخول بالاطلاع على المادة الأرشيفية المودعة في أرشيف الدولة”، فإن المعطيات تظهر أن الجمهور يمنع من حق الوصول إلى الغالبية الساحقة من مواد الأرشيفات الحكومية الكُبرى، خصوصا أرشيف الدولة، الجيش ووزارة الأمن.

ويُشيرُ تقرير وضعه مدير “أرشيف الدولة” في إسرائيل، يعكوف لازوفيك، في كانون الثاني 2018، إلى أن هناك الكثير من العوائق التي تمس بسير العمل السليم في الأرشيف، وهي مرتبطة بمناهج/ سياسات كشف المواد وإتاحتها أمام الجمهور للاطلاع. كما يؤكد أن إسرائيل “لا تعالج المواد الأرشيفية الخاصة بها كما يُتوقع من دولة ديمقراطية، فالغالبية الساحقة من المواد الأرشيفية مغلقة ولم/ لن يتم فتحها أمام الجمهور أبدا. أما المواد القليلة التي تعرض فستكون ضمن تقييدات غير معقولة حيث لا توجد رقابة على إجراء الكشف إضافة إلى انعدام الشفافية. إن الدولة التي “تحمِي” مواطِنيها من جرائمها تصبحُ الحاجة إلى السرية وممارسات الحجب والمنع حاجة تلقائية وإجراء بديهيا في الدولة الحديثة، كما يقول الفيلسوف الفرنسي بيار بورديو.

ويقول المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) إنه في حالة الاستعمار الصهيوني، تُصبِحُ الحاجة إلى السرية والمنع أشد إلحاحا مما هي عليه في أي دولة أخرى؛ ذلك أن عنف أجهزة الدولة وسياساتها العنصرية تجاه مواطنيها العرب يتسم بالمنهجية في الدولة نفسِها بحيثُ يتطلبُ إجراءات وقائية (المنع، الحجب، السرية) إلى حد جعلها إجراءاتٍ بديهية ترافق كل أفعال الدولة وأجهزتها.

ويعتقدُ الباحثُ المؤرخ آدم راز بأن أصول الوحشية القبيحة في حوادث إطلاق النار عمدا (الإعدام الفوري) للفلسطينيين المدنيين، تعودُ إلى الممارسات الصهيونية العسكرية إبان الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل بعد نكبة 1948 على الفلسطينيين الذين لم يُهاجروا من فلسطين المحتلة وظلوا في بلداتهم ومدنهم الأصلية ويعرفون بفلسطينيي الداخل.

ويوضح “مدار” أنه كبقية الممارسات الصهيونية، فقد خضعت تلك الممارسات لرقابة مشددة تحمِي الدولة من خلالها “مواطنيها/ مستوطنيها البيض” من جرائمها السوداء لتحجب حقيقة أن اليهود المهاجرين إلى إسرائيل من الوحشية النازية آنذاك كانوا يعيشون في دولة تؤسس لنظامٍ موازٍ يفرِضُ على الفلسطينيين العيش في غيتوات ويُخضعهم لممارسات قمعية وحشية منظمة غايتُها التأكيد على التفوق العرقي للإسرائيلي ووضع الفلسطينيين في وضعية “دون البشر”.

الحكم العسكري

لأكثر من ثمانية عشر عاما عاش قُرابة 85% من الفلسطينيين في إسرائيل في ظل نظامٍ قمعي عسكري امتد من 1948 حتى 1966. من بين مُصطلحاتٍ كثيرة، يمكنُ وصفُ هذا النظام بـ”نظام التصاريح العسكرية”؛ فكل حركةٍ كانت ممنوعةٍ إلا بتصريحٍ عسكري، منعُ تغيير السكن، حظر النشاطات السياسية والمدنية، ومنعهم من الوصول بالمُطلق إلى قراهم ومدنهم الأصلية التي كانوا يعيشون فيها قبل العام 1948.

رغم كون تهجير عام 1948 قد تم كَبتهُ في الذاكرة الجمعية اليهودية في إسرائيل، إلا أنه يُشكل جزءا أصيلا من الهوية والذاكرة الجمعية لفلسطينيي الداخل

ويعتقدُ الباحث راز أنه رغم كون هذا الجزء من ماضي إسرائيل قد تم كَبتهُ في الذاكرة الجمعية اليهودية في إسرائيل، إلا أنه يُشكل جزءا أصيلا من الهوية والذاكرة الجمعية لفلسطينيي الداخل. وكذلك يمكنُ الاعتقاد بأنه يشكل الحقبة الأكثر استِرجاعا من قبل أجيال المستوطنين المتدينين والقوميين الذين أخذوا على عاتقهم “استكمال الحلم الاستيطاني الصهيوني” في الضفة الغربية وقطاع غزة متخذين من تلك الحقبة نموذجا ومصدرا للممارسات القمعية والتحقيرية للفلسطينيين.

ويكشِفُ راز من خلال بعض الوثائق التي رُفعِت عنها السرية مؤخرا، أن العاملين في الحكم العسكري في المثلث والجليل، استخدموا “أساليب ضغط غير قانونية خلال الاستجوابات والتحقيق مثل استخدام الكلاب، التهديدات وغيرها من الوسائل كما جاء في رسالة مستشار بن غوريون لشؤون العرب، يهوشوع بالمون”. بعد عامٍ على تلك الرسالة، شرحَ باروخ ياكوتييل، نائبُ بالمون، لمجلس الحكومة أن الحالة في المناطق العربية تتطلبُ أحيانا “يدا سلطوية باطِشة”، ورغم أنه لم يتعمق في التفاصيل، إلا أن هناك شهادات تُبين مدى الوحشية والقمع الذي عنتهُ كلماتُ ياكوتييل.

ممارسات الترهيب

إضافة إلى هذه السياسة، فقد كان معروفا أن ممثلي الحكم العسكري هددوا المواطنين العرب لمنعهم من التقدم بشكاوى من الأساليب العسكرية القمعية. تكشِفُ إحدى الوثائق أن حاكما عسكريا (كان هناك ثلاثة حُكام عسكريين، حاكم منطقة النقب، حاكم المثلث وحاكم الشمال)، كان يُطالبُ رواد بعض المقاهي بالوقوف احتراما عند دخول المقهى وكان يهددُ أي شخصٍ يَعصي أوامره، وكان الجنود يُسلون أنفسهم بإذلال العرب بالانحناء عليهم ووضع بنادقهم على أكتافهم وتخويفهم، وبعضهم كان يمنع المسلمين من أداء صلواتهم.

في حالاتٍ أخرى، كانت هناك مضايقة للمزارعين وتدمير ممتلكاتهم، إذلال يومي واستخدام للغة قذرة، تعنيف للأطفال، وتهديد ممثلي الحكم العسكري للفلسطينيين إن لم يصوتوا لمرشحي الحكومة المفضلين في الانتخابات. ورغم وجود بعض الشهادات لحاكم عسكري ينفي هذه الاتهامات، إلا أن شهادة أخرى لحاكم المثلث، زَالمان مارت، من 1957 والمتعلقة بمجزرة كفر قاسم التي قتل خلالها 49 فلسطينيا كانوا عائدين إلى قريتهم أثناء حظر التجوال، تُؤكدُ هذه الممارسات وأكثر.

وفقا لمارت، لم يكن هناك إلزامٌ بقتل من يخرق حظر التجوال، ولكن كان هناك بروتوكول عقابي لمن يخرق الحظر: “بإمكانك صفعه، ضربه، ضرب ساقيه بالبندقية وبإمكانك الصراخ عليه”، ولكن الضابط الإسرائيلي شِدْمي اختار قتل 49 فلسطينيا مرة واحدة، وتكشِفُ بعض الوثائق أن المجزرة لم تكن عملا فرديا بل كانت جزءا من خطة سرية لتهجير الفلسطينيين وسكان المثلث إلى الأردن كما يؤكد الباحث الإسرائيلي بروفيسور إيلان بابيه في دراساته.

الكراهية للعرب

وتظهر شهادات ضباط آخرين في الجيش الإسرائيلي تتعلق بمجزرة كفر قاسم مدى عمق كراهية العرب/ الفلسطينيين، ولو لم تكن المجزرة فعلا فرديا حقا، فذلك لا يُغيرُ من حقيقة استعداد الجنود الإسرائيليين آنذاك والآن لارتكابها مرة أخرى وأخرى. يُجيبُ ضابط إسرائيلي على سؤال ما إن كان يشعُرُ بأن العرب هم أعداء إسرائيل، بالقول ببساطة: “نعم”، وعلى سؤال ما إن كان مستعدا لقتل أي منهم، حتى لو كان طفلا أو امرأة، يجيب بالقول: “نعم”.

ردا على سؤال ما إن كان سيُطلِقُ النار على رضيعٍ فلسطيني “خرق حظر التجوال”، أجاب جندي إسرائيلي: “ربما أبدو قاسيا، ولكني سأطلق النار عليه. سأكون ملزما بذلك”

ويقول ضابط آخر إنه لو أمر بإطلاق النار على حافلة مليئة بالنساء العرب، لفعل دون تردد، ويقول آخر: “دائما ما أخبِرتُ بأن كل عربي هو عدو للدولة وطابور خامس”. لم يبدِ الضباط في شهاداتهم أي نوعٍ من أنواع الشفقة عند سؤالهم عن استعدادهم لإطلاق النار على أفرادٍ عزل، وردا على سؤال ما إن كان سيُطلِقُ النار على رضيعٍ “خرق حظر التجوال”، أجاب جندي إسرائيلي: “ربما أبدو قاسيا، ولكني سأطلق النار عليه. سأكون ملزما بذلك”.

يعتقد راز أن إسرائيل اتخذت الخطوات الضرورية لإخفاء هذه الممارسات القمعية والحرص على عدم تحولها إلى معلوماتٍ عامة ويتابع “ففي شباط 1952، كان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يغئال يادين، في قمة الغضب بعد نشر تقرير عن طرد 13 عربيا من قراهم، ووفقا لشهادته يقول يادين: “قد تكون تقارير من هذا النوع مضرة لأمن الدولة، ولذلك يجب إيجاد منهجية لتأخير نشرها”.

معسكرات الاعتقال الصهيونية ما بعد 1948

لا تزال آلاف الوثائق الخاصة بالفترة التي تلت انتهاء حرب العام 1948، والتي وثقت تعامل الحكومة العسكرية الصهيونية مع ما يقارب الـ160 ألف فلسطيني لم يهاجروا من حدود فلسطين المحتلة، في حالة حجب سرية. وحتى تلك الوثائق القليلة التي رفعت عنها السرية مؤخرا لا تزال هناك محاولات من قبل الدولة للتدخل في مضمونها وفي لغتها، لمحاولة منع أي مصطلحات يصعب استيعابها، مثل “معسكرات اعتقال”، على الوعي الجمعي الإسرائيلي بسبب تداعيات تثيرها في الوعي وتصل إلى ألمانيا.

يمكن رؤية أحد الأمثلة الصارخة لمحاولات إخفاء “اللغة البذيئة/ غير المرغوبة”، في الوثيقة التي تكشِفُ عن اجتماع عُقِدَ في كانون الأول 1948 للجنة الوزارية الخاصة بـ”الممتلكات المتروكة”. عُقِدَ الاجتماع لغاية تقرير “تجميع” العرب المقيمين في اللد في أحياء معينة، لغاية إفساح المجال للمهاجرين اليهود في المدينة. خلال الاجتماع قال مدير وزارة شؤون الأقليات، غاد مخنيس، إنه “يعتقد أنه ليس مبررا بعد الآن احتجاز السكان العرب في معسكراتٍ اعتقالٍ مسيجة”. ذلك التعليق تم تنقيحه مؤخرا من قبل أرشيف الدولة، وبرأي راز فالمنطقُ وراء عملية التنقيح هو: أن مواطني إسرائيل ليس لهم الحق في معرفة ماضيهم وجرائم دولتهم تحاشيا لفقدانهم ثقتهم بأنفسهم واكتشاف عدالتهم المشكوك فيها.

ويكشِف فحص دقيق للمواد التي تتعلقُ بمصير السكان العرب في المدن المحتلة نمطا مشابها وهو إنشاء غيتوات في تلك المدن لحصرِ العرب داخلها. وينوه راز أن مصطلح “غيتو” بسبب تداعياته التاريخية يصعب “ابتلاعه” ولذا يتم غسل المصطلحات وتبييضها على شاكلة “نقل العرب لمناطق آمنة” بدلا من “غيتوات”.

نمطان ثابتان

ويقول راز إنه قد تم تفكيك أجهزة الحكم العسكري عام 1966 ولكن أساليب الحكم العسكري، أيديولوجيته ومنطقهُ الحاكم، لا تزال حاضرة في أجهزة الأمن الإسرائيلية بتعاملها مع المواطن الفلسطيني الذي يعيش في إسرائيل، ومع الفلسطيني الذي يخضع للاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويضيف “تلك الأيديولوجيا التي تتمظهر في كل حوادث القتل المتعمد التي يرتكبها الجنود الإسرائيليون على الحواجز العسكرية، وجرائم القتل وإطلاق النار التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية، وكذلك تعامل أجهزة الأمن الإسرائيلية العدواني والوحشي مع المواطن الفلسطيني الذي يعيش في إسرائيل”.

ويخلص المؤرخ الإسرائيلي راز للقول “كما كانت الحال قديما، فإن ما يُميزُ هذه السلوكيات هما نمطانِ ثابتان: الأول، غيابُ المحاسبة والمُراقبة العسكرية أو السياسية، والثاني، غياب التوثيق وآليات الكَشفْ عن مثل هذه السلوكيات”، منوها أن ذلك يشمل الرقابة الداخلية في أجهزة الدولة، وكذلك يشمل التغطية الإعلامية التي لا تأتي على ذِكر مثل هذه الممارسات القمعية الوحشية، بينما لا يزال معظم الإسرائيليين، بالرغم من حرص الحكومة على إبقائه بمنأى عن الوعي بمثل هذه الممارسات، يتجه ليكون حاضِنة داعمة ومؤيدة للممارسات العسكرية الإجرامية الصهيونية بحق الفلسطينيين، سواء في إسرائيل أو في الضفة الغربية”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية