أزمة أوكرانيا صراع جيوسياسي في الحلة الثانية للحرب الباردة

حجم الخط
2

‘الربيع العربي في أوكرانيا’ من التعابير التي تتردد في وسائل الاعلام العالمية، لوصف الثورة التي جرت في هذا البلد الأوروبي، لكن هذا الملف/الأزمة يفتقد العناصر التي تحكمت في الربيع العربي، ويحيلها عمليا الى صراع جيوسياسي حقيقي بين روسيا بدعم من الصين في مواجهة الغرب، وهو أول صراع حقيقي من هذا النوع في القرن الواحد والعشرين، يؤشر الى عودة الحرب الباردة في حلة ثانية.
انتشرت موضة استعمال ‘الربيع العربي’ في وصف الاحتجاجات التي تعيشها مختلف دول العالم، وتبقى هذه التسمية مناسبة في حالات معينة ونسبية في أخرى، ولا مجال لاستعمالها في حالات ينتفي فيها سياق الربيع العربي. و’الربيع العربي’ اكتسب تصورا ومفهوما، هو ‘النضال من أجل الديمقراطية في مواجهة أنظمة استبدادية’، والحالة تتنافى والأزمة الأوكرانية، لأن أصل الصراع ليس حقوقيا وديمقراطيا، بل بين قطبين، الأول لصالح الاتحاد الأوروبي ونزل الى ساحة الاستقلال في كييف ليطرد القطب الآخر المنتخب ديمقراطيا والموالي لروسيا. واعتلت السلطات الأوكرانية الجديدة الحكم وقامت بإجراءات سريعة تصب في صالح الغرب، ومنها التخلي عن دستور البلاد والعودة الى دستور سنة 2004، غير مدركة البعد الأمني الذي تشكله أوكرانيا لروسيا. وصفق الغرب لكل الخطوات التي اتخذتها السلطات الجديدة، بما فيها التخلي عن الدستور وإلغاء الانتخابات الرئاسية المتفق عليها في نهاية السنة الجارية، وتعاملت مع فيكتور يانوكوفيتش المنتخب ديمقراطيا سنة 2010 على شاكلة الزعيم الليبي معمر القذافي أو التونسي زين العابدين بن علي.
وفي الوقت الذي ساد فيه الاعتقاد بنجاح الغرب في أوكرانيا، يأتي الرد الروسي قويا ومفاجئا للبعض، وإن كانت المفاجأة هنا تغيب بسبب وجود مثال سابق يتجلى في رد سابق لروسيا في جيورجيا سنة 2006 بتدخلها العسكري واقتطاع أجزاء منها تحت ذريعة وجود مواطنين ذوي أصول روسية، عندما انحاز رئيس جيورجيا ميخائيل شافسكيلي كثيرا الى الغرب ورغب في الانضمام الى الحلف الأطلسي.
اتخذت روسيا حتى الآن في الملف الأوكراني الخطوات التالية، اعتبار يانوكوفيتش الرئيس الشرعي للبلاد، رغم مغادرته كييف، دعم القوى الموالية لروسيا في شرق وجنوب أوكرانيا، خاصة منطقة القرم وإن تطلب الأمر الانفصال عن أوكرانيا. وعمليا، فقد نجحت في ذلك من خلال إنشاء حكومة جديدة في القرم واستقطاب العديد من قادة الجيش الأوكراني، ومنهم قائد البحرية الأميرال دنيس بيريزوفسكي، الذي أدى أقسم اليمين للدفاع عن جمهورية القرم.
وتشترط كحل للنزاع العودة الى اتفاقية 21 فبراير/شباط التي تؤكد على استمرار فيكتور يانوكوفيتش رئيسا للبلاد.
ويبقى المنعطف المهم جدا هو انضمام الصين الى تأييد روسيا في سياستها في أوكرانيا. فقد أعنلت وكالة نوفوستي يوم الاثنين 3 مارس/اذار الجاري تطابق رؤية بكين وموسكو في اتصال لوزيري خارجيتهما. ويقف الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة عاجزا على اتخاذ إجراء ملموس لردع روسيا، وهو ما عكسته جريدة ‘لوموند’ في واجهتها يوم 4 مارس ‘الغرب مجرد السلاح أمام بوتين’، باستثناء التلويح بمجموعة من العقوبات النسبية، جاء ذلك اثناء محادثة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليلة 1 مارس الجاري، عندما كشف زعيم البيت الأبيض عن إجراءات عقابية منها طرد روسيا من مجموعة الثماني. وبدأ نوع من الإحباط يسيطر على الغرب أمام فشله في مواجهة روسيا، وبدأت أصوات تحاول الاعتراف بأخطاء الغرب. وتعتبر افتتاحية جريدة ‘نيويورك تايمز’ يوم 2 مارس الجاري دالة للغاية في هذا الشأن، فرغم عنوانها المدين لروسيا وهو ‘اعتداء روسيا’ التي تحاول تحميل بوتين مسؤولية ما يجري، فهي تعترف ضمنيا أن طريقة عزل يانوكوفيتش وإلغاء الدستور الذي كان يضمن حقوق الأقليات لم يكن عملا ناضجا، وتسبب في إحساس روسيا بنوع من المهانة الدولية جراء ما يجري في منطقة تعني الكثير للأمن القومي الروسي.
ويتساءل الغرب عن نوايا بوتين، ولكن التساؤل يجب أن يذهب الى أكثر من ذلك، ماذا تريد موسكو بحكم أن موقف بوتين يحظى بتأييد غالبية الروسيين وتصفق له مراكز الدراسات الاستراتيجية في روسيا. ويكتب المحلل الأمريكي ليون آرون مدير معهد الدراسات الروسية في المعهد الشهير أنتربرايز في واشنطن واصفا بوتين بنابوليون بونابرت، من خلال الدخول الى المعركة واتخاذ القرارات لاحقا، مبرزا نية بوتين التأكيد على مبدأ هيمنة روسيا في فضاء الاتحاد السوفييتي المنحل (الجمهوريات السابقة). ومن خلال مختلف المؤشرات بهذه الأزمة حققت روسيا ثلاثة أهداف رئيسية هي:
أولا، إرسال رسالة واضحة الى الغرب بتفادي تكرار المعاملة المهينة التي تعرضت لها روسيا في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال عدد من الجمهوريات.
ثانيا، إرسال رسالة واضحة الى الجمهوريات السوفييتية السابقة التي تغازل الغرب، وترغب في الانضمام الى الحلف الأطلسي وتقديم مساعدات الى القوات الأمريكية على حساب مصالح روسيا، أن موسكو لن تتردد في التحرك.
وثالثا، روسيا مستعدة لمختلف القرارات للدفاع عن كرامتها ونفوذها وإن تطلب الأمر عودة الحرب الباردة.
وعمليا، فالأزمة الأوكـــــرانية خاصة القرم تعتبر، وفق وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ في تصـــــريح يوم 3 مارس الجاري، أخطر أزمة سياسية في القرن الواحد والعشرين تواجــــهها أوروبا. وهو تصريح يؤكد منعطفا جيوسياسيا في أوروبا، بل والعالم بســـبب الانقسام الواضح بين القوى الكبرى وعودة الحرب الباردة التي لم تعد شبحا، بل واقعا في ظل تهافت هذه القوى على قواعد عسكرية عبر العالم ونشر أساطيلها.
ومن صدف التاريخ المثيرة أن مفهوم الصراع جيوسياسي في العالم بدأ سنة 1853 بالصراع حول منــطقة القرم بين روسيا بقيادة الإمبراطور نيقولا الأول في مواجهة الدولة العثمانية وفرنسا وبريطانيا، وانهزمت روسيا ووقعت معاهدة السلام سنة 1856 في باريس. وإذا كانت شبه جزيرة القرم تدشن مرحلة جديدة من الصراع جيوسياسي عالميا في القرن الواحد والعشرين، فمعطيات الواقع تؤكد صعوبة تكرار سيناريو 1856 بهزيمة روسيا في الوقت الراهن، لأن الكرملين مصصم على منع تكرار التاريخ.

‘ كاتب مغربي من أسرة ‘القدس العربي’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية