منذ أن اخترق الاحتلال الإسرائيلي وقف إطلاق النار مطلع آذار/مارس الماضي، بدأ الجيش بفرض حصار مطبق على السكان في غزة، ومنع إلى هذا الوقت تدفق المساعدات والأدوية إلى القطاع، الأمر الذي زاد من معاناة المواطنين الذين يجدون صعوبة في الحصول على الغذاء، لاسيما الطحين الذي أحدث شبه مجاعة، بعد أن منع الاحتلال إدخاله واستخدم التجويع كسلاح، من أجل الضغط على حماس للتنازل وتسليم الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في غزة.
ومع تفاقم المجاعة وصعوبة توفير الدقيق لنفاده وارتفاع أسعار بيعه بشكل جنوني، اتجهت العديد من العائلات إلى استخدام العدس الأحمر المجروش والمكرونة من خلال الطحن، للحصول على الدقيق وتحضير الخبز لسد رمق جوع الأطفال، بعد أن وصلت المجاعة نتيجة شح الخبز إلى مستويات كارثية وخطيرة.
وبالرغم من توجه المواطنين إلى استخدام بدائل في عمل الخبز من العدس والمكرونة، إلا أن الحظ يرافق من يملكون هذه الأصناف من الأغذية، حيث بات العدس شحيحا نتيجة الاعتماد عليه منذ بداية تشديد الحصار، حتى أن التكايا الخيرية استنزفت ما هو متكدس من كميات في المخازن والأسواق، وما هو متوفر يباع بأسعار جنونية، ومن يملك بعض أكياس العدس والمكرونة يمكنه تحضير الخبز لكن لن يكون بجودة دقيق القمح.
وحذرت مؤسسات إغاثية وحقوقية من خطورة وصول المجاعة في غزة إلى مستويات هي الأخطر، بعد صعوبة الحصول على الطعام والدواء منذ ما يزيد من شهرين ونصف، حيث استنكرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، استمرار الاحتلال الإسرائيلي في سياسة التجويع والإبادة بحق السكان المدنيين في غزة، وأكد رئيس الهيئة الدكتور صلاح عبدالعاطي أن خطوة إدخال عدد محدود من شاحنات الطحين والمساعدات هي شكلية، لتضليل الرأي العام العالمي والاستمرار في سياسة التجويع والإبادة، في مقابل ذلك حذرت وكالة الغوث الأونروا من خطورة وصول المجاعة إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة في غزة، في ظل منع إسرائيل تدفق إدخال المساعدات إلى السكان، حيث قالت الأونروا إن هناك عددا كبيرا من شاحنات الطحين والمساعدات متكدسة في الجانب الإسرائيلي من معبر كرم أبو سالم، وتحتاج إلى أمر بالدخول لاستئناف دورات التوزيع للمواطنين مجددا، وذلك لإنقاذ السكان من خطر الموت جوعا.
وبالرغم من موافقة الاحتلال الإسرائيلي على إدخال عدد من شاحنات المساعدات بما في ذلك الطحين، إلا أنه أعد خططا تحرم السكان من الحصول على الطحين، وإنما الحصول على الخبز من خلال بعض من المخابز التي تم التعاقد معها لتقديم الخبز للسكان، لكن لم تنجح تلك الخطة بعض رفض بعض المخابز التعامل مع الجهات الدولية، لما في هذه الخطوة من تكريس لمعاناة المواطنين وإثارة الفوضى. لكن الاحتلال لم يكتف بذلك، بل يجند شبانا من داخل القطاع مهمتهم الاستيلاء على شاحنات المساعدات والطحين خلال مرورها إلى داخل المدن، وهذا يكرس حاليا استمرار المجاعة وصعوبة الحصول على الطحين.
أمام إحدى المحامص والمطاحن العاملة في سوق الصحابة وسط مدينة غزة، يتكدس على شكل طوابير طويلة أعداد من المواطنين، الذين جاءوا من مختلف مناطق مدينة غزة إلى إحدى المطاحن داخل السوق، من أجل تحميص العدس وطحنه وتحويله إلى دقيق لصنع الخبز. في حديث مع مراسل «القدس العربي» يقول رشاد نصير «وصلنا إلى مستويات خطيرة جدا من المجاعة، ولم يعد أمامنا سوى توفير رغيف الخبز لسد رمق جوعنا، فليس هناك ما هو متوفر من بدائل البقوليات واللحوم والأجبان والعديد من الأغذية، نتيجة الحصار المشدد ونفاد ما هو مخزن».
ولفت إلى أن «الجوع دفع بالغزيين إلى ابتكار بدائل لسد جوعهم، فبعد أن شح الطحين من الأسواق وتوقفت المؤسسات الإغاثية عن عمليات التسليم، لجأ المواطنون إلى استنزاف ما لديهم من معلبات وبقوليات، واليوم وبعد نفاد صبرنا، بدأنا باستخدام العدس والمكرونة لتحضير الخبز».
وحول طريقة تحضير الطحين من البقوليات يوضح أن لديه كميات كبيرة من العدس والمكرونة حصل عليها خلال الأشهر الماضية من المساعدات وقام بتخزينها، و«اليوم وجدتها ككنز حيث اتجهت إلى التوقف عن تحضير الطعام من العدس والمكرونة، والقيام بتحميص العدس وإضافة المكرونة وطحنهما معا لإنتاج الطحين» مضيفا أن «صنع الخبز من العدس مرهق ويحتاج إلى إضافات كي يخرج الرغيف متماسكا، لكن رغم ذلك يعد أوفر من الطحين الذي يباع بأسعار خيالية من قبل تجار محتكرين».
أما أم فايز فهي تصطف أمام ذات المطحنة، أملا في أن ينالها الحظ بتحميص بعض العدس، وتقول لـ«القدس العربي» إن «الاحتلال الإسرائيلي غدر بالغزيين، بعد التوصل إلى الهدنة وعودة النازحين بدأت الحياة تعود لطبيعتها، وبدأت المخابز تنتج الخبز وجميع باتوا يعتمدون عليها في الحصول على الخبز يوميا، ولم يتوقع المواطنون أن يعود الاحتلال إلى المربع الأول من الحصار وتجويع السكان، فلم يكن لدي على وجه التحديد كميات من الطحين نتيجة الاعتماد على المخابز، وهذا حال أعداد كبيرة من السكان».
وتخشى أم فايز من «تراجع الاحتلال عن قرار توزيع الطحين على المواطنين، واستمرار حالة الفوضى في الشوارع من خلال الهجوم على الشاحنات وسرقة الطحين والمساعدات، وحرمان السكان من حقهم في الحصول على نصيبهم من المساعدات، نتيجة تعمد الاحتلال خلق حالة من الفوضى، للاستمرار في تجويع الغزيين وترويعهم وإبادتهم».
ويأمل السكان أن تبدأ المؤسسات الإغاثية في غزة، البدء في توزيع الدقيق على العائلات في غزة الأسبوع الجاري على كافة مناطق القطاع، بعد أن وافق الاحتلال الإسرائيلي على توزيع الدقيق بدلا من توزيعه على المخابز، حيث جاء قرار الموافقة بعد أن فشلت الشركة الأمريكية في توزيع المساعدات على الغزيين بعد مرور ساعات قليلة على بدء خطة التوزيع، نتيجة اقتحام المواطنين نقطة التوزيع غرب مدينة رفح، والاستيلاء على المساعدات ومعدات تابعة للشركة الأمريكية، وهذه الخطوة أفشلت عمل الشركة الأمنية الأمريكية، التي كانت تهدف خلال خطتها إلى تقديم المساعدات فقط في وسط وجنوب قطاع غزة، وحرمان سكان مدينة غزة وشمالها من الحصول على المساعدات، ضمن خطة تهجير سكان مدينة غزة وشمالها نحو جنوب القطاع، ودفع السكان الجوعى إلى النزوح للحصول على الغذاء.