طرابلس ـ «القدس العربي»: منذ أسابيع تصدرت قضية المهاجرين غير الشرعيين العالقين على الحدود الليبية التونسية مناقشات وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والمسؤولين على اختلاف مستوياتهم، وتبادل الطرفان التهم في ما يخص معاملتهم ونشر مقاطع فيديو بخصوصهم حتى استطاعا أن يخففا من وتيرة الجدل الخميس الماضي 10 اب/اغسطس باتفاق وصف بالغامض .
حملات عنصرية
وواجه المهاجرون المنحدرون من أفريقيا جنوب الصحراء، حملة من العنف والتمييز في تونس، وذلك في أعقاب تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيد في شباط/فبراير الماضي، والذي اعتبر فيها أن المهاجرين من جنوب الصحراء جزء من مؤامرة لمحو هوية البلاد.
وتصاعدت وتيرة العنصرية والهجمات بعد شجار عنيف اندلع بين سكّان تونسيين ومهاجرين من جنوب الصحراء أودى بحياة مواطن تونسي في الثالث من تموز/يوليو، وطُرد على إثره مئات المهاجرين الأفارقة من صفاقس، ثاني أكبر مدينة في تونس ونقطة الانطلاق الرئيسية للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
وعانى المهاجرون ظروفا صعبة وثقتها عدسات كاميرا وزارة الداخلية الليبية، حيث نشرت الوزارة شهادات عدد من المهاجرين طردتهم السلطات التونسية إلى الحدود الليبية، وجهوا خلالها الشكر لحرس الحدود الليبي على إنقاذهم بعدما ظلوا عالقين في منطقة صحراوية لأيام.
ونقلت السلطات الأمنية التونسية هؤلاء المهاجرين، حسب منظمات غير حكومية، إلى مناطق صحراوية غير مأهولة تقع في شرق البلاد قرب ليبيا وفي غربها قرب الجزائر.
ورغم مطالبة المنظمات الحكومية والدولية والنشطاء بوضع حل عاجل لهذه الأزمة إلا أنها استمرت لأكثر من شهر وربما تكون اختتمت بالاتفاق الذي عقد الخميس الماضي، حيث وفي نهاية تموز/يوليو الماضي أكد متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنه قلق من «طرد» مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، من تونس نحو الحدود الليبية والجزائرية.
وفي التوقيت نفسه دعت وكالتا الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمهاجرين إلى وضع حلول عاجلة لإنقاذ هؤلاء اللاجئين الذين تقطعت بهم السبل في ظروف مروعة على الحدود الليبية والجزائرية.
وبقي موقف تونس مضطربا بين الاعتراف أو نكرانها، فردا على الاتهامات الأممية نفت تونس ما أوردته الأمم المتحدة بشأن «عمليات طرد» مهاجرين إلى مناطق حدودية مع ليبيا شرقا والجزائر غربا.
وفي الوقت الذي تبذل فيه السلطات الليبية جهدا كبيرا للتعامل مع أكثر من 600 ألف مهاجر موجودين على أراضيها، وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع هذه القضية الإنسانية والمساهمة في إيواء المهاجرين الذين تصاعدت حالات الوفاة بين صفوفهم .
فقبل الاتفاق الذي جرى الخميس الماضي بيوم واحد أعلنت وزارة الداخلية الليبية العثور على 27 جثة في الصحراء على الحدود مع تونس، تعود لمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، دفعتهم السلطات التونسية إلى الحدود.
وقالت السلطات الليبية إن ما لا يقل عن 27 مهاجرا من أفريقيا جنوب الصحراء لقوا حتفهم في الأيام الأخيرة في الصحراء غرب البلاد، بالقرب من الحدود مع تونس.
ونشرت الداخلية الليبية بياناً على فيسبوك، في وقت متأخر من يوم الثلاثاء 8 اب/اغسطس، جاء فيه أنه تم العثور على الجثث مؤخرا بالقرب من الحدود، وأنه تم إرسال فريق للطب الشرعي إلى المنطقة. وشاركت الوزارة في المنشور نفسه صورا لمهاجرين أفارقة يتلقون العلاج من الفرق الطبية الليبية.
وبينما باركت منظمات حقوقية عديدة قيام ليبيا باستضافة عدد كبير من المهاجرين خلال شهر من الأزمة، روجت وسائل إعلام عربية وتونسية أن ليبيا منعت مهاجرين غير نظاميين قادمين من تونس من الدخول إلى أراضيها لتفادي أي خروقات أمنية، بل ونشرت مقاطع فيديو قالت أنها تعود لطرد الأمن الليبي للمهاجرين .
وتدريجيا تصاعدت الأزمة إلى حد دعا فيه وزير الداخلية الليبي إلى التحرك سريعا لاحتوائها والتنازل بقبول ضم بعض المهاجرين على أراضيه رغم أن الأزمة كانت مصدرة لليبيا ولم تخلقها .
اتفاق جديد
الخميس الماضي 10 اب/اغسطس أعلنت تونس وليبيا اتفاقهما على إيواء المهاجرين من جنسيات دول أفريقيا جنوب الصحراء والعالقين عند الحدود بين البلدين منذ قرابة شهر بعدما اقتادتهم إليها الشرطة التونسية حسب شهادات عدة ومنظمات غير حكومية ووكالات أممية.
وقالت وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، إنها توصلت لحل توافقي مع نظيرتها التونسية لإنهاء أزمة المهاجرين الأفارقة، وذلك خلال مباحثات في تونس الأربعاء الماضي، أجراها وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلس ونظيره التونسي كمال الفقي.
وعقب ذلك نشرت وزارة الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس صورا عبر صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك تظهر عدم وجود أي مهاجر غير شرعي في المنطقة الحدودية الليبية التونسية.
وحول الاتفاق وبينما لم تكشف ليبيا عن أي من تفاصيله، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية التونسية فاكر بوزغاية لوكالة الصحافة الفرنسية، إنه وبموجب الاتفاق فقد تكفلت تونس بمجموعة تضم «76 رجلاً و42 امرأة وثمانية أطفال» أما الجانب الليبي فنقل مجموعة تتألف من نحو 150 مهاجراً، وفقاً للمصدر.
وتعليقا على ذلك أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، أن الأمن القومي الليبي خط أحمر لن يسمح بتجاوزه تحت أي ظرف، مجددًا رفضه القاطع لتوطين المهاجرين في ليبيا.
وقال الدبيبة إن دعم الجهود الأمنية لحماية حدودنا البرية على رأس أولويات عملنا، ومن أبرز مهامنا؛ ولذا ندعم بقوة الجهود التي يبذلها ضباط وزارة الداخلية في حكومتنا مع نظرائهم في تونس لحماية حدودنا المشتركة، وإخلائها من المهاجرين غير القانونيين، وتسهيل حركة مواطني البلدين في الدخول والخروج بشكل نظامي .
وجدد الدبيبة في تدوينة نشرها عبر صفحته على فيسبوك مساء الخميس الماضي، التأكيد على رفضه لتوطين المهاجرين في ليبيا، قائلًا «مرة أخرى أؤكد أننا لن نسمح بتوطين المهاجرين في ليبيا، فقوانين بلادنا كفيلة بتنظيم كل ما يتعلق بدخول الأجانب إليها» .
كما أكد الدبيبة حرصه بشدة على توفير المساعدات الإنسانية للمهاجرين، وتسهيل إرجاعهم إلى بلدانهم التي جاءوا منها متعهدًا بمواصلة «استهداف أوكار تهريب المهاجرين وضربها في كل مكان نصل إليه».
وقال الدبيبة في ختام تدوينته، إن على الاتحاد الأوروبي ودول الجوار التعاون معنا ودعم جهودنا، مشددًا على أن الحفاظ على الأمن القومي الليبي خط أحمر، «لن نسمح بتجاوزه تحت أي ظرف، حفاظًا على بلادنا وعلى خريطتها الديموغرافية».
وأعلنت وزارة الداخلية التونسية، إصدار الوزير كمال الفقي تعليمات بنقل المهاجرين العالقين على مستوى الحدود مع ليبيا إلى ملاجئ آمنة، إثر مباحثاته مع نظيره المكلف بحكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي.
وأكدت الوزارة التوصل إلى حل توافقي يقضي بإخلاء المنطقة الحدودية العازلة بين البلدين من خلال قبول كل طرف (تونس وليبيا) لمجموعة منهم وفق ما أوضح بيان لوزارة الداخلية التونسية.
وأفادت الوزارة بأنه تحت إشراف والي مدنين (جنوب) ووحدات الحرس الوطني نقل 126 مهاجرًا، بينهم 8 أطفال، من العالقين على الحدود التونسية الليبية في رأس الجدير على متن 3 حافلات إلى مقرات الإيواء في ولايتي مدنين وتطاوين، والتي جرى اختيارها من قِبل الهلال الأحمر التونسي الذي تكفل بتقديم الرعاية الصحية والإغاثة الإنسانية لهم .
تساؤلات وانتقادات
وواجه هذا الاتفاق انتقادات واسعة وتساؤلات أوسع أبرزها جاء على لسان اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا والتي طالبت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، بالكشف عن كامل تفاصيل الاتفاق الذي تم بين وزيري الداخلية في ليبيا وتونس فيما يتعلق بمعالجة أوضاع المهاجرين المتواجدين على الحدود التونسية الليبية.
واعتبرت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا الاتفاق تحميلا لليبيا مسؤولية هؤلاء المهاجرين وطالبي اللجوء، وكذلك مسؤولية السُلطات التونسية تجاه المهاجرين المتواجدين على أراضيها محملة وزير الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية كامل المسؤولية القانونية والإنسانية حيال ما يترتب على هذا الاتفاق من آثار وتداعيات سلبية على ليبيا، باعتباره اتفاقا يُحمل مسؤوليات السُلطات التٌونسية، على عاتق ليبيا.
وأشارت اللجنة إلى أنه كان يتوجب على وزارة الداخلية توضيح كامل تفاصيل ومضامين وجوانب هذا الاتفاق للرأي العام المحلي والدولي، فقضية المهاجرين غير النظاميين العالقين على الحدود التونسية الليبية ليست قضية تنحصر بين طرفين فقط، وإنما أكثر بكثير من ذلك، بالإضافة إلى أهمية ترسيخ الشفافية وحق الوصول إلى المعلومات المتعلقة بقضايا الشأن العام وخاصةً هذه القضية الحساسة والشائكة ألا وهي قضية الهجرة والمهاجرين.
وأعربت اللجنة عن بالغ استنكارها إزاء ما جاء في بيان وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة بشأن أوضاع المهاجرين في المناطق الحدودية الليبية التونسية، من غموض وعدم توضيح إلى أين تم نقل المهاجرين الذين كانوا متواجدين في المناطق الحدودية العازلة، ومن قام بنقلهم، وكيف سيتم ترحيلهم إلى بلدانهم، وإلى أي جانب تم نقلهم الليبي أو التونسي، وما هي مضامين الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الجانب التونسي في هذا الشأن؟
وأشارت اللجنة إلى أنها تلقت معلومات تفيد بنقل المهاجرين المتواجدين في المنطقة العازلة بمنفذ راس اجدير الحدودي مع تونس إلى مركز تجميع بمنطقة العسة الحدودية مع الجانب التونسي ونقلهم فيما بعد إلى أحد مراكز إيواء المهاجرين بمدينة طرابلس.
ولفتت اللجنة إلى أن وزارة الداخلية التونسية أعلنت على لسان المتحدث الرسمي باسم الوزارة عن كامل تفاصيل الاتفاق الذي جري بين وزيري الداخلية في البلدين، والذي تضمن على أن تتكفل تونس وليبيا بإيواء مجموعة المهاجرين الموجودين على الحدود والذي بموجبه تكفلت تونس بمجموعة تضم 76 رجلا و42 امرأة و8 أطفال، أما الجانب الليبي فنقل مجموعة تتألف من نحو 150 مهاجرا وفقا للمسؤول التونسي.
وبينت اللجنة أنه كان يتوجب على السُلطات التونسية مُعالجة هذه الأزمة الإنسانية التي يمر بها المهاجرون، والتي افتعلتها على الحدود التونسية-الليبية، وذلك انطلاقًا من المسؤوليات والالتزامات القانونية المُلقاة على عاتقها.
ولفتت اللجنة إلى أنه كان يستوجب أيضًا أنّ يضع الاتفاق بين الجانبين الليبي والتونسي آليات عمل وتنسيق وتعاون مشترك لتأمين وضبط الحدود المشتركة للبلدين لوقف تدفقات الهجرة عبرها، وتتبع مسارات ومسالك تهريب المهاجرين، ورصد ومتابعة شبكات تهريب المهاجرين والإتجار بالبشر والقضاء على نشاطاتها، واتّخاذ كُلّ التّدابير اللازمة لحماية حُدودهما البريّة المُشتركة.
وأكدت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا رفضها لأي مقترح أو مشروع أو بروتوكول أو اتفاقية أو مذكرة سياسية أو قانونية يتم من خلالها أعادة المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء إلى ليبيا أو الإبقاء عليهم فيها، مجددة التأكيد على أنّها لن تسمح بأن تكون دولة عُبور ولا توطين للمُهاجرين غير النظاميّين مع التزامها باحترام جميع الاتّفاقيّات والصّكوك والمواثيق الدّوليّة والإقليمية المُنظّمة للهجرة وقواعد القانون الدّولي الإنساني .
تفاصيل خفية
وفي لقاء أجرته «القدس العربي» مع مصدر من حكومة الوحدة الوطنية طرحت من خلاله أسئلة عن الاتفاق الذي جرى، قال المصدر إن تونس رفضت خلال المباحثات إعادة المهاجرين بشكل كلي إلى أراضيها ما اضطر الدولة الليبية إلى اقتراح حلول وسط .
وتضمن اقتراح الدولة الليبية أن تتقاسم الدولتان المهاجرين وتقوم كل دولة بإجلاء العدد الذي تكفلت به إلى بلدانهم الأصلية، بعد وضعهم في مراكز إيواء مخصصة لذلك .
وفي معرض رده عن تفاصيل الاتفاق والمقابل الذي ستحصل عليه الدولة الليبية تجاه ذلك، نفى المصدر أن تكون هناك أي اتفاقات حول مردود مادي ستحصل عليه الدولة الليبية مقابل هذه المساهمة .
إلا أن نفس المصدر أشار إلى الاتفاق على التعاون في مجالات أخرى أبرزها تخفيف المعاناة التي يتكبدها المواطنون الليبيون في الحدود البرية بين البلدين والتي تصاعدت وتيرتها في الأسابيع القليلة الماضية .
فيما توافق البلدان أيضا على تسهيل أوجه التعاون الأخرى وخاصة الاقتصادية، مقابل التغاضي عن الأزمة الأخيرة التي وترت العلاقات بينهما .
ورغم أن العديد من السياسيين والمحللين قد أشاروا إلى انتهاء أزمة المهاجرين الأفارقة بالاتفاق بين البلدين، تخوف البعض الآخر من أن لا تمثل هذه الاتفاقية نهاية لهذه الأزمة خاصة مع احتمال وجود أعداد أخرى أكبر من المهاجرين على الأرضي التونسية .