أزمة سياسية في السودان: الحكومة تتمسك بوزير الصحة وترفض إعلان المجلس السيادي إقالته

عمار عوض
حجم الخط
0

الخرطوم  ـ «القدس العربي»: تمسك مجلس الوزراء السوداني ببقاء وزير الصحة أكرم علي التوم في منصبه، معتبرأ أن إقالة الأخير من صلاحياته وفق الوثيقة الدستورية، ولا شأن لمجلس السيادة في هذا الأمر، فيما نشطت وساطات من شخصيات وطنية وأعضاء في التحالف الحاكم لإصلاح العلاقة بين الطرفين (مجلس الوزراء والمجلس السيادي)، بعد التراشق الذي حدث بينهما نتيجة إقالة التوم. فقد أعلن مجلس السيادة توافقه مع الحكومة على إقالة وزير الصحة، على منصاته الرسمية ووكالة الأنباء الرسمية، ومن ثم سحب الخبر وأعاد نشره في وقت لاحق، فيما أصدر تحالف «الحرية والتغيير» بيانا ينفي فيه صحة بيان مجلس السيادة.
وخرجت تظاهرات محدودة ترفض إقالة التوم، في ظل اتهامات طالت عضوي مجلس السيادة، صديق تاور وشمس الدين كباشي بالوقوف وراء الأزمة، لكن تاور نفى ذلك، مؤكداً أن لا علاقة له بتوصية إقالة وزير الصحة على خلفية الخلاف بينهم بخصوص العمل في اللجنة الوطنية لمكافحة جائحة كورونا التي يرأسها تاور.
وكشفت متابعات «القدس العربي» عن تحركات لأعضاء من مجلسي السيادة والوزراء وشخصيات وطنية لاحتواء الأزمة السياسية.
ونقلت وكالة الانباء السودانية الرسمية عن أحد الوسطاء دون ذكر اسمه، إعرابه «عن ثقته بحس المسؤولية السياسية والوطنية لدى كل الأطراف وقدرتهم على تجاوز هذه الخلافات حول تفاصيل يمكن ويجب التوافق عليها».  وأضاف أن «هذه الأزمة تأتي على خلفية جائحة كورونا التي تعطل مظاهر الحياة وتضع مزيدا من الضغوط على كاهل المواطنين الذين يعانون أصلا جراء الأزمة الاقتصادية والصراعات القبلية الجهوية التي تنشر التوتر والمخاوف في البلاد، مما يتطلب إعلاء حس المسؤولية وتوحيد الجهود للعبور بالبلاد إلى بر الأمان».
وكان وزير الإعلام، فيصل محمد صالح، الناطق باسم الحكومة، أكد، في بيان أمس الأول، «عدم وجود أي اتفاق أو توصية أو إقرار من أي جهة بإقالة وزير الصحة»، بعد إعلان مجلس السيادة التوافق على إقالة التوم
وأوضح صالح «كان هناك اجتماع ضم أعضاء من مجلس السيادة والوزراء وقوى الحرية والتغيير، وتقدم خلاله بعض أعضاء مجلس السيادة بملاحظات على أداء الوزير».   وتابع  «تم الاستماع لآراء كثيرة بينها مطالبات بإقالته، وكان الرد أن هذا ليس المكان المناسب لمناقشة الأمر.لا يوجد أحد فوق النقد أو المحاسبة، وأن مجلس الوزراء يؤكد ثقته في وزير الصحة، ويقدّر الجهود التي يقوم بها كل الكادر الصحي لمواجهة التحدي الراهن».
وشدد على «تمسك الحكومة بحقها في إقالة وتعيين الوزراء، وأن الإقالة ليست من صلاحيات مجلس السيادة».
وخلال تداخله مع إحدى الصحافيات في حسابه الشخصي على «فيسبوك» اتهم صالح الفريق كباشي بالوقوف خلف إزمة أقالة وزير الصحة.
إثر ذلك أعاد مجلس السيادة نشر الخبر من جديد، في خطوة تدل على رفضه لتصريح صالح، وهو الأمر الذي دعا المجلس المركزي لتحالف «الحرية والتغيير» إلى عقد اجتماع طارئ صدر عنه بيان في وقت متأخر من ليل أمس الأول، جدد من خلاله تأكيده على صحة رواية وزير الإعلام حول ما جرى في الاجتماع الثلاثي.
وأوضح أن «إصرار مجلس السيادة على نشر هذه المعلومة المغلوطة هو أمر خطير يعقد المشهد المعقد أصلاً في البلاد، وهو أمر مدان وسنقف ضده بشدة»، مذكراً بإعلان «قوى الحرية والتغيير عن كامل دعمها لوزير الصحة والكادر الصحي وتسخير كل طاقاتنا لمعاونتهم على صد الخطر الصحي الكبير الذي يواجه البلاد».

أنباء عن خلافات بين تاور والتوم… واتهامات لكباشي بافتعال الصراع

 وكانت وسائل إعلام محلية تداولت معلومات تشير إلى خلافات حادة بين عضو مجلس السيادة صديق تاور، ووزير الصحة أكرم علي التوم، على خلفية عملهما في اللجنة الوطنية التي يرأسها الأول لمجابهة كورونا، واختلافهما حول إعادة فتح المطارات. تاور الذي نفى ذلك، اتهم جهات لم يسمها بـ«السعي لزرع الإحباط والتشويش على أداء الحكومة».
وأقر بـ«وجود اختلافات في وجهات النظر تتبدى خلال أي عمل مشترك»، مستدركاً : «لا يمكن تسميتها صراعا».
وأضاف: «لا علاقة لي بالدفع بتوصية لإقالة وزير الصحة أو غيره، وإنما دفعت بتقييم لأداء عمل اللجنة العليا للطوارئ الصحية خلال الفترة الماضية يشمل كافة الجوانب الإيجابية والسلبية من باب التنوير فقط».
وزاد: أن «اللجنة الطارئة تعمل منذ عدة أسابيع ولا بد من مراجعات لأدائها». وأردف «كما أنه ليس من مهام اللجنة العليا المطالبة بإقالة الوزير».
مع ذلك، أوضح مصدر قيادي في تحالف «الحرية والتغيير» لـ«القدس العربي»، أن «المشكلة بين تاور والتوم مركبة من عوامل عدة».
وقال، رافضاً الكشف عن هويته، «هناك عامل التغاضب الشخصي بين الإثنين بعدما فتح تاور المجال الجوي لدخول عالقين أول أيام الحظر، ورفض التوم هذا التصرف وحصلت بينهما مشاحنات».
وتابع: «والآن المسألة تجددت بعد دخول وزير الصحة في مناقشات حادة مع شركات الأدوية الرافضة لسياساته، ما قاد لتوقف مصانع الدواء في السودان وما تبعه من استقالة 5 من أركان الوزارة ، هؤلاء جميعاً استقطبوا معهم أحد العسكريين في مجلس السيادة، وتوحدوا لإقالة التوم، واستفاد من هذا الجو منسوبو النظام القديم، ودفعوا من جهتهم لتهيئة الأجواء من أجل إقالة وزير الصحة».   وواصل: «هذه القضية ليست بعيدة عن الصراع السياسي الكبير الذي يدور داخل قوى «الحرية والتغيير» والذي كانت أبرز تجلياته في انتخابات تجمع المهنيين، كما فاقم أجواء الخلاف أحد العسكريين في المجلس لإغراض غير معلومة إلى الآن».
لكن يبدو أن «السكين التي وضعت على رقبة وزير الصحة لم تكن من العسكريين وحدهم»، وفق ما قال رئيس تحرير صحيفة «السياسي»، عثمان فضل الله، لـ «القدس العربي»، موضحاً أن «هناك مجموعة منظمات من المجتمع المدني كانت مستفيدةً خلال فترة النظام البائد وتحديداً من عدم ثقة المنظمات الدولية في الأجهزة الحكومية، مما دفع إلى تحويل العديد من البرامج لتُنفَّذ عبر تلك المنظمات، فكانت تصلها سنوياً ملايين الدولارات. وفي أعقاب استعادة الوزير الثقة في وزارته بشفافيَّته التي تقترب من القسوة في بعض الأحيان، بدأت المنظمات العالمية تذهب بميزانيَّاتها إلى وزارة الصحة، وبدأت المنظمات في الصراخ واتسعت دائرة أعداء الرجل في الوزارة، وفي الوقت ذاته يمضي الرجل باتجاه المستشفيات العامة ويتحرك في رمال أخرى أكثر سوادا من سابقاتها، وهي ارتباط كثيرٍ من كبار الاختصاصيين بالمستشفيات الخاصة والتي ستتضرَّر مصالحها بشكل كبير، إن أُعيدت الحياة والدماء لجسد المستشفيات العامة المُنهك».
قيادي آخر في «الحرية والتغيير» بين أن «هناك جهات غير مسؤولة تريد أن تدير شؤون الدولة عبر وسائط التواصل الاجتماعي».
وبين، رافضاً الكشف عن اسمه لـ «القدس العربي» أن «ما يحدث هو عارض لمرض يكشف أن أحدى القوى السياسية تريد أن تسيطر على الدولة وإدارتها من السوشيال ميديا».
وتابع  «إن من يتباكون على وزير الصحة هم من أقصوا الناس في تجمع المهنيين ودخلوا مع الجميع في معركة سياسية مفتوحة وشوهوا سمعة قيادات سياسية لأنها لا تتفق معهم في خطهم وطريقهم الذي سيجر البلد إلى خراب في حال إصرارهم على الانتصار لموقفهم من الشراكة بين العسكريين والمدنيين، وتجييش البسطاء خلف ستار ومسار مختلف تماما يفضي إلى سيطرتهم على الدولة بشكل كامل وتعطيلها عن العمل مثلما افتعلوا معارك هستيرية في قضية الولاة ورفع الدعم والتشريعي».
وعلى العكس منه يقف الناطق باسم تجمع المهنيين السابق محمد الأمين الذي قال لـ«القدس العربي» : «اتفق أن هذا عارض لمرض يحتاج لضرورة استبدال مركز القرار بما يضمن مشاركة الكل بدل الخماسي الحالي الذي سيقود البلد للتهلكة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية