أزمة مياه لبنانية راكدة مكدّسة… بلا حمم بركانية

حجم الخط
0

الأزمة اللبنانية الحالية حادّة، مستفحلة، شاملة. هذا لا يكفي مع ذلك لجعلها أزمة بركانية، فالمياه الراكدة ولو ظلّت تتجمّع لن تصير حمماً. المياه البركانية لها منابع أخرى، أو هكذا يُفْتَرَض.
قد لا يكون دقيقاً أبداً النظر إلى الأشياء على أنّها تراوح مكانها، لكن الأزمة الراهنة هي في الوقت نفسه «أزمة مراوحة» يعيشها البلد منذ سنوات طويلة، على خلفية «التوازن الكارثي» صراعاً وتعايشاً، داخله، بين المشروع التغلبي لـ»حزب الله» وأخصام هذا المشروع، ومن ثم «التوازن الكارثي» في سوريا، بين نظام فشل في وأد ثورة، وثورة شوهها بالنتيجة عدم نجاحها في تقويض نظام بهذه الوحشية، وبهذه النذالة. هذا دون أن ينتج التوازن الكارثي سورياً، أي هدنة جدية ولو ليوم واحد، في مقابل اتخاذ التوازن الكارثي لبنانياً صفة التعايش المؤسساتي المعطوب، والمعطّل نفسه بنفسه، لكن المحكوم أساساً بمعادلة السلاح التغلبي الفئوي، والمعلّق إلى حد بعيد على وتر حرب الاستنزاف الذي يخوضها هذا السلاح في سوريا، من دون تفجير السلم الأهلي اللبناني المهترئ والمضجر والمسموم والمحتبس حرارياً.
هي إلى حد كبير أزمة فشل في توريث وحصر ارث ووراثة الدور الوصائي والارشادي العام الذي كان ينهض به ضباط الجيش السوري في لبنان، إلى أيّ من الفرقاء اللبنانيين، وبالذات إلى من كلّف ممانعاتياًً بذلك، من طهران ودمشق، «حزب الله». لكنها أزمة من أعتقد أنه يرث هذا الدور السوري في لبنان لمجرّد أنه انتفض عليه من بعد استتباع، فتكبّد التضحيات الجسام نتيجة ذلك، إلا أن «استقلاليته اللبنانية» التي أخذت على الممانعين رابطتهم الاقليمية، أنهكتها في المقابل التبعية المرهقة والفجّة لمحور «الاعتدال العربي» وسفراء الغرب، ولم تفدها هذه التبعية في المورد والسند، بخلاف مآلات الخصم وحظوته لدى داعميه الاقليميين.
وهي قبل ذلك أزمة تركيبة «الجمهورية الثانية» حيث «الميثاق الوطني» كما جرى تسطيره في اتفاق الطائف أشبه بشيك بلا رصيد طالما ظلّ يفتقد لعقد اجتماعي بين المواطنين يسنده، عقد تنبثق عنه جميع العقود في البلد. كما أنه وعلى مستوى «الميثاق»، نقاط واضحة تحقق الاجماع الوطني بوضوح حولها في اتفاق الطائف، في مقابل نقاط مبهمة زادت ابهاماً أو تلفاً مع السنين، ونقاط خلافية منذ لحظتها الأولى، استفحلت الخلافية حولها، ولم تعالج منذ ربع قرن.
وهي بعد ذلك أزمة الموت السريري لمؤسسات «الجمهورية الثانية». فبدلاً من أن تؤدي الحيوية الانتخابية لعام 2005 و2009 لإعادة انعاش هذه المؤسسات، جرت الإطاحة بالحيوية الانتخابية نفسها. اقفلت شبابيك السيارة والمفتاح داخلها والمحرّك دائر. جرى الاتفاق على انه لا عودة لقانون الانتخاب القديم مهما كان الثمن. ثم انشطر البلد حول مشروع «القانون الارثوذكسي» حيث لكل طائفة ان تنتخب نوابها على حدة وبالنظام النسبي. ومنطق لكل طائفة ان تنتخب نوابها هو بالاحرى منطق المسيحيين، كونه الرد الذي يملكونه على المنطق الاعوج الآخر، حيث يسمي المسلمون عملياً اغلبية مقاعد المسيحيين. لكن ما حصل هو ان «حزب الله» انزاح عن المنطق الإسلامي التقليدي وتضامن مع حليفه العماد ميشال عون في نصرة «القانون الارثوذكسي» هذا، الذي أيدته كذلك «القوات» و»الكتائب»، في وقت لم يكن بوسع «تيار المستقبل» المعزول على هذا النحو فعل ذلك، أيضاً لأن النسبية لن تجعله قادراً على انتزاع كل المقاعد السنية، بخلاف السيطرة التامة، لثنائي «حزب الله» و»حركة أمل» على البيئة الانتخابية التي تخصهما، فلا قلق حينها من اعتماد النسبية في الطائفة. «سنّة حزب الله» يقلقون «المستقبل» انتخابياً، اكثر مما يقلق «شيعة 14 آذار» الحزب الخميني المسلح انتخابياً.
هذه المواقف من «القانون الأرثوذكسي» أطلقت وقتها رصاصة الرحمة على ائتلاف «14 آذار» الذي لم يسترجع نفسه إلا بشكل شبحي، وجزئي، بعد ذلك، يتقلّب بين «خبز وملح» بين الرئيسين سعد الحريري وميشال عون سرعان ما وصل إلى طريق مسدود، وبين حوار أمنيّ أولاً بين «حزب الله» و»تيار المستقبل» أعاد فتح الطريق للتعايش الحكومي بينهما، بخلاف ما كانت تردّده «14» كما «الثابتة» بأنه لا حكومة مع الحزب فيما هو يحارب في سوريا. ثم كان اللعب القواتي العوني تحت قبة بكركي، ثم خارج قبة بكركي، أو بالأحرى على قاعدة تهميشها، بـ»اعلان النيات» بين الفريقين.
لحظة «القانون الأرثوذكسي» بمؤثراتها الفصامية والانشطارية أطلقت الرحمة على نظام «الجمهورية الثانية» ككل. فمن دون قانون انتخاب، وفي ظل التعهد بعدم الرجعة للقانون القديم، أجاز البرلمان التمديد لنفسه. المرة الاولى بداعي انتخاب رئيس والتوصل لقانون انتخاب مشتهى.
والمرة الثانية لأنه فشل في الأمرين. المرة الأولى لم يكترث اعضاء البرلمان بتنديد رئيس الجمهورية بخطوتهم وقلة مشروعيتها، وجرت الاطاحة بقدرة المجلس الدستوري تقرير دستورية التمديد من عدمه. المرة الثانية حدث التمديد في ظل شغور الرئاسة، وفي وقت بات فيها المجلس النيابي غير موجود إلا إذا أحبّ أن يتجاوز مكابح التعطيل، وينتخب رئيساً، فالدستور واضح بأنه، في ظل شغور قصر الرئاسة، لا مشغلة لمجلس النواب سوى واحدة: انتخاب رئيس.
الأزمة هي دستورية أولاً، قبل أن تكون اجتماعية في لبنان اليوم، لكن لا لفصل بما أن الدستور ينبثق عن عقد اجتماعي أو لا يكون دستوراً بكل ما للكلمة من معنى، والدستور، ولا فصل بما أن الموت السريري لمؤسسات الجمهورية الثانية ترافق مع انسداد قنوات التفاوض الاجتماعي في البلد وتلفها، بدءاً من انعدام الترجمة العملية للامركزية الموعود بها بالطائف، وانعدام الترجمة الجدية للمجلس الاقتصادي الاجتماعي المدرج هو ايضاً بين أساسيات الطائف، وبقاء بند العدالة الاجتماعية في مقدمة الدستور «خيال مآتة» – باللهجة المصرية، ومن ثم الاجهاز على الاتحاد العمالي العام والحريات النقابية في التسعينيات، ومحاصرة «هيئة التنسيق النقابية» في السنوات الأخيرة، والصلف الاجتماعي حيال نضال شاركت فيه قطاعات واسعة من المعلمين والموظفين من أجل «سلسلة الرتب والرواتب».
لكن اجتماعية الأزمة التي ازدادت حدة مع الاستهتار الحكومي في معالجة كارثة النفايات التي لم تعد مشكلة بيئية وصحية بل تحولت إلى مسألة أمن قومي، لا حل اجتماعياً لها، ما لم يكن متلازماً مع مقاربة دستورية للأزمة، مقاربة عندما تقترح كيفية الخروج من المراوحة القاتلة الحالية، من الموت السريري المتعاظم، تكون قادرة على اجتراح تصورات لمرحلة انتقالية، مرحلة انتقالية لا تكون فيها مبارزة بين اولويتين، انتخاب رئيس وانتخاب مجلس نيابي جديد، فمن يرى انتخاب الرئيس اولى، عليه ان يخبرنا ما خطته لتجاوز التعطيل الذي يحول دون ذلك، واذا لم تكن بيده حيلة، ينبغي قول ذلك بلا مكابرة. نفس الشيء بالنسبة لمن يرى انتخاب مجلس نيابي الآن.
ان لم يكن مطلبه مترافقاً مع العودة ببساطة للقانون القديم، قانون الستين، فعليه ان يظهر لنا القانون الذي يمكنه بالفعل، لا بإيمان البعض به فقط دون البعض الآخر، ان ينال الحد الأدنى من الاجماع الوطني لتأهيله.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية