أزمة وترقب وبحث عن حلول بنيوية للدعم فيروس كورونا يسدل الستار على الفنون في المغرب

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ»القدس العربي»:  انفرجت قليلا أسارير بعض الفنانين المغاربة خلال شهر رمضان الكريم، وذلك مع توالي الأعمال التي أخرجتهم من بطالة فرضتها الجائحة عليهم طيلة الشهور الطويلة الماضية.

لكن، في المقابل، نجد فنانين آخرين لم تطلهم دائرة الفرح الرمضاني، ولم يتم إشراكهم في أعمال الشهر الفضيل، فبقيت يومياتهم كما هي لا غدو ولا رواح سوى الترقب والتمني.
وللإشارة، فإن المعطوبين من الجائحة في الفن المغربي، أكثر من الذين تمكنوا من تجاوز العطب وإعادة الرحى إلى الدوران وكسب القوت، بدل انتظار ما ستفكر فيه الوزارة الوصية على القطاع من طرق ووسائل للدعم وما جاوره من مساندة لا تغادر رفوف المكاتب وتبقى مجرد مشاريع في الذهنية الجماعية لمشهد الفني يئن تحت وطأة الإغلاق.

سنة الرحيل بامتياز

قبل الحديث عن الخبز ومشاكل كسبه في زمن كورونا بالنسبة للفنانين، نتوقف عند سنة صعبة بسبب رحيل عدد كبير من الفنانين الكبار الذين تركوا بصماتهم في المشهد، كما تركوا لوعة الفراق وحرقة الالم بسبب الرحيل الذي كان في أغلبه بسبب الإصابة بفيروس كورونا المستجد.
وتمتد اللائحة الطويلة للفانين المغادرين لحياتنا، نذكر منهم المخرج المسرحي عبد الصمد دينية، والمطرب الأصيل محمود الإدريسي، كما ان المغرب الفني حزن بقلب واحد على رحيل نور الدين الصايل أحد أعمدة السينما المغربية، ناقدا ومفكرا ومديرا سابقا للمركز السينمائي المغربي والقناة الثانية.
وفاة أخرى كانت موجعة بسبب فيروس كورونا، تمثلت في رحيل الفنان التشكيلي محمد المليحي، كما هو الشأن للفنان الأمازيغي أحمد بادوج.
وبعيدًا عن فيروس كورونا، قريبا من المرض والمعاناة، نتوقف أمام وفاة فنانة مقتدرة ومسؤولة سابقة على القطاع الثقافي، وهي الرائدة ثريا جبران التي تركت فراغا شاسعا في المشهد لم تعبر عنه سوى التعزيات والتدوينات والتغريدات وحجم الكلام الذي قيل عنها عقب رحيلها الذي جاء بعد صراع مع المرض.
وتتوسع لائحة وفيات المشهد الفني، ونشير إلى رواد مثل عبد الجبار الوزير وحمادي التونسي، كما نشير إلى فنان من سلالة فنية وهو انو الجندي ولن ننسى رحيل عزيز سعد الله الذي بصم عميقا مسيرة المسرح المغربي بعطائه الثنائي مع زوجته الفنانة خديجة أسد.
اللائحة طويلة نوعا ما ومؤلمة، منها الراحلون بسبب فيروس كورونا ومنهم من غادروا بعد أن صارعوا المرض لمدة طويلة، وجلهم ترك في تربة الفن المغربي ما سوف ينبت عطاء متجددا.

قطاع هش

فرضت الإجراءات والتدابير المقررة من طرف السلطات المغربية للحد من تفشي فيروس كورونا، شروطا جديدة وظروفا مغايرة تماما كان على المغاربة التأقلم معها في سبيل تجاوز المحنة الصحية بأقل الخسائر.
من بين الاكثر تضررا في مهن حجر عليها فيروس كورونا، هي مهن فنون العرض والفرجة، حيث أصبح المسرح مجرد ذكرى والسهرات لحظة نوستالجيا لا أقل ولا أكثر أما مشاهدة فيلم سينما فتحولت إلى ترف في زمن الأزمة.
بالنسبة للفنانين، عصفت بهم الأزمة الاقتصادية ووجدوا أنفسهم محرومين من مصادر رزقهم، بعدما مُنعت التجمعات وفُرض التباعد الاجتماعي.
المسألة لم تكن مجرد معاناة منعزلة، بل تواصل الرأي العام معها، وحتى الفرق البرلمانية النيابية من خلال إيصال هذه المعاناة إلى قبة البرلمان عبر أسئلة وجهت للحكومة للاستفسار عن سبل دعم فئة كشفت الجائحة هشاشتها.
جل الفرق النيابية ساهمت بأسئلتها في تحريك قضية الفنانين وهم تحت رحمة الحجر الصحي والإغلاق، من بينها الفريق الاشتراكي الذي وجه سؤال كتابيا إلى وزير الثقافة، عثمان الفردوس، «حول الإجراءات التي ينوي القيام بها، وعلى وجه الاستعجال، لدعم الفنانين المغاربة الذين ‏يعيشون وضعية صعبة جراء هذا الوباء».
وأشار الفريق النيابي في سؤاله إلى أن «الظرفية الصعبة التي تمر بها بلادنا جراء مواجهة جائحة كوفيد-19 والتي جعلت الوضعية المادية والاجتماعية لشريحة واسعة من الفنانين تتأزم» مؤكدا على أن «‏أغلب الفنانين غير مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا يستفيدون من الحماية ‏الاجتماعية، ولم يستفيدوا من بطاقة الفنان».
فريق نيابي آخر وهو الأصالة والمعاصرة، تطرق في أحد أسئلته إلى الفنانين الشعبيين وخاصة الممارسين في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش.
وشدد سؤال الفريق النيابي، على «توقف كل الأنشطة الثقافية والحرفية التي كانت تمثل مورد الرزق الوحيد لعدد كبير من الفنانين الشعبيين والحلايقية (فنانو الحكاية والكوميديا في الساحة)».
وحسب السؤال، فإن «جائحة كورونا قضت بشكل تام على حيوية وحركية ساحة جامع الفنا التي باتت أشبه بساحة أشباح خلال فترة الحجر الصحي، وأضرت كذلك بأصحاب الحرف والمهن المرتبطة بنشاط هذه الساحة التي تعتبر تراثاً لا مادياً إنسانياً فريداً».
من جانبه، وزير الثقافة عثمان الفردوس في أغلب تداخلاته التي كانت بصدد الرد على أسئلة برلمانيين حول وضعية الفنانين المغاربة، أقر أنهم من الفئات المتضررة بشدة من جائحة فيروس كورونا، وأنها هشة جدا أمام أزمة صحية ضربت كل شيء في العالم.
وأشار في جواب له على سؤال شفوي حول «التدابير المتخذة لدعم الفنان المغربي في وضعية هشاشة» إلى أن وزارته بصدد العمل على حلول بنيوية لدعم الفنان المغربي.
ووفق جواب الوزير، فإن الوزارة بصدد الاشتغال على حلول بنيوية، من ضمنها تنفيذ الورشة الملكية المتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية.
وأضاف الوزير أن قطاع الثقافة منكب أيضا على استصدار مرسوم تطبيق القانون 15-98 المتعلق بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بفئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا، والقانون المتعلق بإحداث نظام للمعاشات لفائدة فئات المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا.
لكن اللافت في كلمة الوزير الفردوس هو استعماله لأول مرة كلمة «ترقيعية» في حديثه عن الحلول التي اعتمدتها الوزارة في السابق من أجل الفنان المغربي وتوفير سبل العيش الكريم له.
وشدد على أن الحلول البنيوية تظل الجواب الأمثل لدعم الفنان المغربي، ولافتا إلى أن جائحة كورونا شكلت امتحانا للعالم وللمجتمعات والأسر، وأظهرت واقع القطاع غير المنظم الذي يعد بحسبه «كارثة اجتماعية».

مزيد من الانتظار

بالنسبة للفنانين المغاربة فإن الجائح تظل سنة سوداء بامتياز سيذكرونها جيدا مثل كابوس مظلم مر عليهم في ليالي الترقب والانتظار.
وقد كانت «القدس العربي» في حوارات سابقة مع الفنانين المغاربة، سألت عن الحال واليوميات في خضم فيروس كورونا، وكان جواب الفنانين المغاربة مختلف الصيغ متوحدا في المعاناة والانتظار.
أول التصريحات التي نسوقها هنا في هذا الحصاد إن جاز التعبير، للفنانة فاطمة بوجو التي أكدت لـ «القدس العربي» أن فيروس كورونا أثر سلبيا على كل المجتمعات اقتصاديا واجتماعيا وأيضا فنيا، توقفت معه الأنشطة والتظاهرات الثقافية والفنية، إلى جانب العروض المسرحية والسينمائية والموسيقية، مما تسبب في اقفال باب الرزق الآلاف من التقنيين إلى جانب الفنانين، واكثر المتضررين هم العاملون ضمن الفرق الغنائية الشعبية والتراثية التي تعتمد في مداخيلها على الحفلات العائلية من أعراس وأعياد الميلاد وغيرها من المناسبات الخاصة. وهؤلاء هم من يحتاجون إلى دعم شهري خلال هذه الأزمة من طرف الوزارات المعنية… أما الباقي من موسيقيين ومغنيين ومسرحيين ومخرجي الأفلام السينمائية فكان من المنتظر أن تقترح الوزارة بنقل الأنشطة إلى المستوى الرقمي المؤدى عنه، لأن أزمة كورونا ليست أزمة لشهر أو اثنين، بل امتدت لأكثر من سنة لذلك كان على المسؤولين التكيف مع الأزمة وخلق فرص العروض الرقمية لتجاوز الكارثة في المجال الفني والثقافي.
من جهته الفنان حسن مكيات قال لـ «القدس العربي» إنه لا يمكن انكار ان الجائحة أثرت سلبا على الفنانين ماديا واجتماعيا، وفي مقدمتهم المتفرغون ومحترفو المسرح، وأنا واحد منهم.
وأضاف قائلا «للأسف الحكومة لم تقم بأي خطوة تذكر تجاه هذه الفئة، وعندما نقول بتوقف الأنشطة المسرحية لمدة فاقت السنة فيمكن تصور حجم الأزمة التي قد تكون ألمَّت بالفنانين المسرحيين الذين يعتمدون في دخلهم ومعيشهم على عائدات الأنشطة والعروض المسرحية في غياب أي دعم أو مواكبة من الحكومة». وختم بقوله «شخصيا أتدبر أموري والحمد لله على كل حال». المطرب منير الغنيمي من جهته أكد أنه «وفي هذه الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة فيروس كورونا المستجد، فإن أغلب الفنانين في حالة عطالة وتوقف عن الممارسة الفنية واللقاء بالجمهور، وهذا حال الجميع. اللهم إلا بعض الانشغالات الإبداعية الجانبية والمشاركة في بعض الأعمال التحسيسية والتوعوية باللحن والكلمة وحتى الأداء».
أما الفنان عبد الكبير الركاكنة فقد اغتنم فرصة لقائه بـ»القدس العربي» للتذكير بإجراءات الإغلاق التي شملت المسارح وقاعات السينما، وبصفته رئيسا للاتحاد المغربي للمهن الفنية، قال إنه راسل وزير الثقافة ورئيس الحكومة من أجل إعادة فتح هذه المنشآت أمام الفرق المسرحية والعروض السينمائية، لأن وضعية الفنان في هذه الظرفية وكل ما مر منه خلال فترة الحجر الصحي، أصبحت مزرية نتيجة التوقف الكامل لمختلف الأنشطة الفنية بالمغرب. وأضاف أنه يجدد الدعوة إلى التعجيل بإعادة فتح هذه المرافق الفنية، تحت شعار «افتحوا المسارح مع التدابير الوقائية».
كل الفنانين المغاربة وحدتهم معاناة الجائحة وأزمة كورونا والخوف من الفيروس، هكذا تناسلت المخاوف والانتظارات أمام غول لا يمكن رؤيته بالعين المجردة بل يحتاج إلى مجهر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية