أساطير بأرواح القطط: صورتنا/ صورنا

“أبدا لن يكون النبيل المسيحي رفيعا ساميا/ ما لم يكن فيه شيءٌ من المسلم

أبدا لن يكون المسلم كنزا/ ما لم يكن فيه شيءٌ من المسيحي”.

هذا مقتطف شعريّ من “الموريسكي المتحدّي” لخوسيه سلجاس كراسكو (1822ـ 1882) وقد تصرّفت في صياغته تصرّفا بسيطا؛ حتى يناسب التركيب العربي، وآثرت “ساميا رفيعا” بدل كلمة “يافع” أي من شارف الاحتلام؛ وواضح أنّها لا توائم المعنى في سياق الصورة التي نحن بها. على أنّ ما يعنيني أنّ هذه الصورة “الإيجابيّة” التي يرسمها كاتب وشاعر إسبانيّ للمسلم، قد تلوح من النادر الذي نكاد لا نصادفه أو نقع عليه، في الآداب الأوروبيّة عامّة؛ على ضرورة تنسيب هذا الوصف أو هذا الحكم، فثمّة استثناءات مرموقة، وهي غير قليلة ونصوص ظهرت في هذه الحقبة (القرن التاسع عشر) كانت توطّئ السبيل لصورة “المسلم” غير النمطيّة. ومثالها مسرحيّة “الموريسكي اللقيط” لدوق أنخل ريباس (1791 ـ 1865) وهي إحدى بواكير المسرح الرومانسي في إسبانيا التي ترسم صورة “لطيفة” للبطلين وقد تحوّلا إلى المسيحيّة: “مدارا” [مضر] على ما أرجّح؛ وهو ابن أسير مسيحيّ وامرأة مسلمة، و”كريمة” ابنة أسير مسلم وامرأة مسيحيّة. وكانت هذه المسرحيّة حدثا عندما عرضت أوّل مرّة عام 1835. وقد فضّلت أن يكون العنوان كما ترجمته نقلا عن الفرنسيّة، بدل “المسلم اللقيط” كما في ترجمة عبد العال صالح طه (المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2005)؛ والمسوّغ لذلك أنّ كلمة “مور” تحوي الأندلسيّين من عرب وبربر وعبرانيّين أيضا؛ وإن كانت في نصّ ريباس تخصّ المسلم تحديدا، فلعلّ الأفضل أن نحتفظ لها بأصلها كما في الإسبانيّة والفرنسيّة. ومهما يكن فليس هذا موضوع مقالي، وإنّما هذه “الصور” التي ترتسم للمسلمين والعرب عامّة في الآداب الأوروبيّة الحديثة؛ وفي بعضها مراجعة ونقد لما استتبّ من “نمطيّة” تزري بالعربيّ المسلم أو المويسكي، وتنزل به سطح الأباطح. ويكفي أن أشير إلى بعض الأمثلة التي ساقها خوان غويتيسولو في “أخبار السراسنة” [العرب والمسلمين عامّة]، ومنها هذا الشعر الذي الّفه جمهوريّون بين 1936 و1939 في وصف المسلمين: “قطعان حيوانات هائجة مائجة مثل المجانين/ ترغي وتزبد دما خبيثا/ بلكنة عربيّة…”. أو الحكاية العجيبة التي صدرت عام 1980؛ وهي تصوّر بعض جنود فرانكو وهم يعالجون في مستشفى عسكريّ، وتزكمهم رائحة كريهة، ويتوصّلون إلى أنّ مصدرها جنديّ مغربيّ يخفي في سريره جمجمة بها أسنان ذهبيّة؛ كان ينوي استخراجها حالما يغادر المستشفى. على أنّه من الصعوبة بمكان تتبّع هذه الصور في شتّى تحوّلاتها حيث الأوروبي نفسه “مشاهَد” مثلما هو “مشاهِد”، أو هو “الآخر” و”الأنا” في الآن ذاته أي مثلنا نحن تماما؛ على نحو ما تجري مفارقات الوجود البشري أو ما ألهمنا من فجور وتقوى، كلّما توهّمنا عن حسن طويّة أنّنا نصغي إلى صوت الآخر المجهول البعيد؛ ونغفل لسبب أو لآخر عن أنّه بيننا وفينا. وأنا هنا أتمثّل ببعض الصور من الأدب الاسباني وهو الذي يكاد يكون مجهولا عند أكثرنا، وأتساءل أليس مردّ القيمة الجماليّة في أيّ عمل أدبي، إلى كفاءته أو قابليّته في أن يمنحنا القدرة على أن نتنصّل من أنفسنا، وأن نكون “الآخر” حتى نقيّمه بقيمته الحقيقيّة، ولا نحكم عليه من خلال نفسنا؟ أو كما يقول الفرنسي ألكسندر جفان أن يجعلنا نرى الآخر من حيث هو “آخر” دون التذرّع بأيّ قانون عامّ؛ وكلّ أدب إنّما هو أنثروبولوجيا [إناسة] أو بحث جماليّ في الأعراف والعادات والمعتقدات والاختلافات.

هذه الصورة/ الصور أشبه بشجرة ما تنفكّ تنمو؛ وهي تستنبتُ فروعا في كلّ الاتّجاهات، وبإمكانك أن تأخذ فرعا من نصّ، وفرعا من آخر، وهذا يصنع أيضا صورة أخرى. ويكفي أن نستأنس بما أثبته ادوارد سعيد في مصنّفه الشهير “الاستشراق”، لندرك أنّ الصورة تعود إلى نهايات القرن الثامن عشر تحديدا؛ وما رسّخته في المخيال الأوروبي، آداب الرحلة والدراسات الاستشراقيّة الفرنسيّة والإنكليزيّة تحديدا؛ من “تفوّق” أو “مركزيّة أوروبيّة”. على أن نأخذ بالحسبان أنّ الصورة طلّت تراوح بين انطواء وانكفاء من جهة، وانفتاح ورحابة فكر من جهة أخرى؛ من ذلك مثلا أنّ القرن الثامن عشر هو قرن الاستشراق في فرنسا خاصّة، والعناية بالعرب والإسلام عامّة. ولم يعد الإسلام عندهم يتهدّد المسيحيّة، وإنّما كان عالم المبادلات التجاريّة و”الانفتاح” الثقافي؛ وفي هذه الحقبة تجدّدت ترجمة القرآن، وكانت بشهادة أهل الذكر أكثر أمانة وموضوعيّة من تلك التي أنجزت أواسط القرن السابع عشر؛ وكذلك ترجمة ألف ليلة وليلة. على أنّ الاستشراق “النسقي” بعبارة سعيد، أو من حيث هو علم مداره على فقه اللغة، إنّما بدأ أواسط القرن التاسع عشر، لدوافع متداخلة علميّة وسياسيّة ودينيّة تبشيريّة وشخصيّة أيضا. وقد حدّه سعيد حدّا جامعا، في قوله إنّ الاستشراق ـ وأنا أنقل عن الترجمة الفرنسيّة ـ طريقة في التفكير أساسها التمييز الأنطولوجي الابستيمولوجي بين “الشرق” و”الغرب”. وهكذا فإنّ عددا كبيرا من الكتّاب والشعراء والروائيّين والفلاسفة وعلماء السياسة أو منظّريها؛ صدروا عن هذا التمييز، ليؤلّفوا نظريّات مُعدّة أو محضّرة، وملاحم وروايات وما إليها من أدب الوصف والمذكّرات واليوميّات، وكلّ ما يتعلّق بالمجتمع والشعوب والعادات و”العقل”… وبهذا المفهوم الرحب، يتّسع الاستشراق لأسيخيلوس وفيكتور هيغو ودانتي وماركس.

إنّ العلاقة بين الشرق والغرب، على تهافت هذا التفريع الثنائي، محكومة بكثير من الأساطير، وللأساطير أرواح القطط، بل لها جلد سميك ثخين لا يشفّ ولا يلين مهما جاهد هذا أو ذاك من أهل الشمال أو الجنوب؛ في أن ينزع إلى صميم هذه العلاقة، ويخلص إلى دخائلها؛ ولا يقف على حدودها البادية الخادعة، أو مهما أخذ بالاعتبار أنّ الحدّ يفصل بقدر ما يصل، وأنّ وعي التاريخ ليس وعيا في التاريخ. وكلّنا أو جلّنا يدرك أنّ التاريخ لا يعيد نفسه، وأنّ أحداث الماضي لا تتكرّر؛ ولكنّ الشعوب تتلفّت، كلّما أثقل عليها الحاضر، إلى الماضي لتستظهر به وتستعيض.

وهي أساطير رسّخها أهل الفنّ والفكر قبل أن يتلقّفها أهل السياسة والإعلام وهم أدرى بأساليب الإغراء والتأثير. وهذه الصور واضحة بقدر ما هي مضمرة، ولها أكثر من وجه؛ فهي علامات مشفّرة مجمّعة مثلما هي مجموع تحوّلات وتحويلات لغويّة خفيّة. ومن ثمّة يصعب حدّها أو تعريفها بدقّة، ويزداد الأمر صعوبة ما أدركنا أنّها محكومة بطابع صاحبها أو هي تترجم عنه. وليس بميسورنا أن ندرك شتّى الأفكار المتغلّبة على هذا الكاتب أو ذاك؛ أو أن ننظر إليه من ناحية نفسه ونوازعها الخاصّة وبواعثها الدخيلة. وربّما ترجع الصورة في جانب منها إلى المشكل السياسي الأخلاقي الذي تثيره الحقبة الاستعماريّة، أو ما يسمّى “الشرخ الاستعماري”، وما يستتبعه من امتناع عن الاعتراف بواقع لا يزال يحول دون التفكير بجلاء في “تركات” الاستعمار؛ وما ينطوي عليه ذلك من نوع من “التواطؤ” الخفيّ بين الماضي الاستعماري والحاضر.

على أنّه يحسن بنا حتى ننسّب حكمنا، أن نتنبّه إلى أنّ مثل هذه الصور السلبيّة الحاطّة، لا يمكن لها أن تحجب عنّا احتفاء بعضهم بثقافات المتوسّط عامّة بما فيها العربيّة؛ ورغبتهم في إعادة مدّ الجسور التي يمكن أن تمتدّ بين ضفّتي المتوسّط؛ ونقصد تلك التي كانت بين العرب في صقلّيّة والأندلس خاصّة. وهو ما نلاحظه في مهرجانات وملتقيات غير قليلة تنعقد هنا أو هناك؛ ولعلّ أبرزها مهرجان “سيت” بجنوب فرنسا “أصوات المتوسّط”، ويحضره شعراء من شتى بلدان العالم، وتحديدا من العالم العربي غربه وشرقه. وهو يصدر مختارات من شعرهم، في ترجمة مزدوجة (اللغة الأمّ واللغة المنقول إليها: الفرنسيّة). ومردّ هذا الاحتفاء إلى حلم يراود قليلا أو كثيرا منّا ومنهم، كلّما تعلّق الأمر بالأدب تحديدا: ألا يمكن أن يكون هناك أدب متوسّطيّ تتصادى فيه وتتجاوب لغات البحر الأبيض المتوسّط، تلك التي وسمتها العربيّة بميسمها مثل الإسبانيّة والبرتغاليّة والإيطاليّة والفرنسيّة؟ وإذا لم يكن، فما الذي يحول دون إيجاده؟ ولكن بأيّة أدوات، وعلى أيّة رهانات؟ بل هل مهّدت الآداب المتوسّطيّة قديمها وحديثها السبيل لبعث “متخيّل” متوسّطيّ يمكن أن تتولّد منه صورة هذا الأدب المنشود في تأصّل وتفرّع؟

الأسئلة شائكة صعبة، والإجابة عنها أصعب. وقد يكون الأمر نوعا من “مراودة المستحيل”، فهناك فضاءات قد تجعل هذا الحلم، بسبب من الجغرافيا والتاريخ؛ عصيّا بعيد المنال. ومع ذلك فإنّ إعادة قراءة تاريخ المتوسّط، توقفنا على أنّ هذا الماءَ المِلْحَ الذي يصل بين الضفّتين؛ هو شيء آخر غير سفر رحلات أوليس، وإنّما المكان الذي يمكن أن نتعهّد فيه مستقبلنا جميعا.

* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية