المترجم أسامة منزلجي: مهمتي أنْ أحافظ على نبرة صوت الكاتب الأصلي ولغته

مهما تنوعت اللغات، وتعددت المصادر، وتباينت المراجع والكتب بين أدبية وسياسية واقتصادية وفلسفية.. يظل المترجمون نوافذنا المتجددة على العالم، رواد التواصل والتفاعل والتلاقح الثقافي والفكري، جسر التواصل بين الشعوب وأهم المساهمين في تطور حضاراتها.. فهل نقدّر ذلك في عالمنا العربي ونثمّن جهودهم، ونسلط الضوء على نتاجاتهم وإبداعاتهم؟
رغم ما يشهده العالم من تطور علمي وتقني، انعكس على كل مجالات حياتنا، ومنها الفكرية والثقافية، ظل المترجمون مظلومين من القراء والنقاد ودور النشر ومن بعضه بعضا أيضاً.. وبكل بساطة لا يمكن لأي قارئ عربي، يستعرض شريط ذاكرة قراءاته، أن يتذكر من ترجم مثلاً رواية «زوربا» أو «ليلة لشبونة» أو أي كتاب كان إذا لم تربطه بمترجم الكتاب علاقة خاصة، أو حادثة ما، أو يكون زميلاً له في المهنة، فالقراء بشكل عام لا يلتفتون للمترجم، بل يهتمون بعنوان الرواية واسم مؤلفها، يساهم في ذلك تقصير دور النشر في إبراز اسم المترجم على الغلاف، أو تخصيص تعريف موجز بسيرته الذاتية وأعماله التي ترجمها.. ولم يتوقف ظلم دور النشر على ذلك، فإضافة للبخس المالي في شراء حقوقه، تقوم دور النشر بطباعة الكتاب الواحد لعدة مترجمين، وأبسط مثال على ذلك «أهالي دبلن» لجيمس جويس، التي ترجمها أسامة منزلجي أولاً، صارت خلال عدة سنين على رفوف المكتبات، وفي معارض الكتب، بعدة نسخ لعدة مترجمين، يحدث ذلك في وطننا العربي خاصة، لأنه لا يوجد ما يسمى «الملكية الفكرية» ولا يفكر أحد أصلاً بالعودة إلى صاحب الكتاب الأصلي أو مسؤول تسويق كتبه، لشراء تلك الحقوق.
وهذا يقودنا إلى أن المترجمين يظلمون بعضهم بعضا أيضاً، في ظل غياب الرقابة المؤسساتية والإعلامية عامة والنقاد خاصة، فالنقاد والصحافيون لا يسلطون الضوء على تلك التجاوزات من جهة، ولا يهتمون بنتاج المترجمين من جهة ثانية، فقلما نقرأ لناقد ما، تناوله لكيفية الترجمة ودقتها، والجوانب الإبداعية بين مترجم وآخر، والترجمة من لغة ثانية، وأمانة الترجمة.. ولا حتى تسليط الضوء على سرقة مترجم لأعمال مترجم آخر، كما حدث في سوريا مؤخراً، حيث قام أحد دور النشر بطباعة أعمال الأديب أمين معلوف، بدون الرجوع إلى الترجمات الأصلية، ولا حتى إلى الكاتب ذاته.

ظلم الواقع

بالإضافة إلى كل ما سبق ثمة مترجمون يعانون من ظلم الواقع أيضاً، فقد قال أسامة منزلجي قبل حوارنا معه: لكي أُجيب عن هذه الأسئلة، يجب أنْ تضع في ذهنك إنني أتحدث من سوريا، التي تمرّ وأهلها بأشدّ ما يمكن تخيله من سوء في الظروف. نحن هنا لا تتوفر لدينا إلّا بعض الكتب التي صدرت قبل سنوات، والكتب الأجنبيّة لا وجود لها البتَة، بطبعتها الورقيّة، أقصد، إمّا نسخ الـ PDF المتوفرة فلا طاقة لديّ على اللجوء إليها لقراءتها، وأفضّل حتماً الطبعات الورقيّة التي لا وجود لها في أسواقنا.

المترجمون يظلمهم القراء والنقاد ودور النشر

وأكد على أن الصعوبات التي يواجهها هي عدم توفّر المراجع والقواميس المختصة، التي يمكن أنْ توقِعه في إرباك شديد أحياناً، ومع أنه يمكن أن يتوفر بعضها عبر مواقع معينة على الإنترنت بنسخة الـ PDF، لكنَّ المطلوب هو القواميس المتخصّصة بالعربية.
وعن كيفية اختياره لكتبه، أوضح منزلجي أنه يعتمد على معرفته بالكاتب ومؤلفاته، أو عبر قراءاته عن أدبه وفكره، أو على اعتقاده بأنّه كاتب مبدع ولكنه لا يأخذ حظّه من الترجمة إلى لغتنا، أو لحبّه شخصيا لكتاباته.

لغة المؤلفين

وعما يخص نظرة المترجم للغة مؤلف الكتاب الذي يعمل على ترجمته، وهل ثمة فارق في الصعوبات بين كاتب وآخر، يقول منزلجي: لا شك في أنَّ أسلوب كل كاتب ولغته كثيراً ما تختلف عن أساليب كتّاب آخرين. وهذا يوقعني في الحرج أحياناً مع بعض القرّاء، فقد حدث ذات مرّة أنْ أرسل أحد القراء إلى دار النشر التي أتعامل معها يقول إنني مترجم سيئ، وأنَّ الترجمة غامضة أو غير مفهومة، وحاولتُ جاهداً أنْ أُفهِمه أنَّ ما لم يُعجبه هو أسلوب الكاتب الأصليّ الذي يتّسِم بالصعوبة وليس أسلوبي: إنني كمُترجم مهمتي أنْ أحافظ قدر الإمكان على نبرة صوت الكاتب الأصلي ولغته التي تميزه، وإلا أصبحت الكتب المترجمة كلها متشابهة، ولا يتبيَّن منها كاتب من آخر. وهذا ما حدث معي مع كتّاب مثل وليم فوكنر والكاتبة آلي سميث التي يبدو أنَّ القارئ العربي لم يستسغ أسلوبها، الذي ربما وجده مُعقداً ومبهماً. ولهذا نلاحظ هذه الأيام الرواج الشديد لترجمة روايات

الـ best seller ذات الطابع الميلودرامي، أو التي تعتمد على التشويق والرعب أكثر من أي كتب أخرى.
ويؤكد منزلجي على أنه من الأفضل الترجمة عن اللغة الأصليّة كأساس، في حال كان الكتاب مترجماً إلى لغة ثانية، ولكنه يضيف أن هذا لا يمنع، وهناك ترجمات عن لغة وسيطة كانت ممتازة، وتمت الإشادة بها، كترجمات سامي الدروبي لروايات دوستويفسكي عبر اللغة الفرنسيّة. وقد سمعتُ أنَّ رواية «مئة عام من العزلة» كانت قد صدرت في وقتٍ واحد عن لغتها الأصليّة، ثم صدرت بعد ذلك عبر لغة وسيطة، وأذكر أنّ الترجمة عن اللغة الوسيطة حظيتْ بمديح شديد. ولكن كما قلت، الأفضل حتماً الترجمة عن اللغة الأصلية، لأنَّ الدقّة سوف تكون مضمونة أكثر.

أفضل ترجماته

وبالنسبة إلى أفضل ما ترجمه طيلة تجربته، يؤكد منزلجي على أن الأمر يعتمد عموماً على القارئ وما يجذب ذائقته. أما عنه كمترجم فيعتقد أنَّ رواية «الإغواء الأخير للمسيح» كان لها صدى مُدوٍ عندما صدرت بسبب طرح شخصيّة المسيح كإنسان، وروايات هنري ميللر التي اعتُبِرَتْ ترجمته اختراقاً، بسبب أسلوبه الذي لا يعرف خطوطاً حمرا في التعبير عن المواضيع الجنسيّة، وبعض آرائه التي ما زالت تُعتَبَر ثوريّة. وهناك أيضاً كتب المفكّر البريطاني تيري إيغلتُن. وللمترجم السوري أسامة منزلجي، الذي ولد في اللاذقية عام 1948، وحاز شهادة الليسانس في الأدب الإنكليزي عام 1975 في جامعة دمشق، ما يزيد عن خمسين عملاً منها: ثلاثية هنري ميللر («سيكوس» «نيكسوس» «بليكوس») و«مدار الجدي» و«مدار السرطان». كما ترجم كازنتزاكيس في «الإغواء الأخير للمسيح» وأيضاً روايات هرمان هسه، وجان جينيه، وجيمس جويس في «أهالي دبلن» ومذكرات تينسي وليامز، ورواية هنري جيمس «رودريك هدسن» والرواية الثالثة للكاتبة الأسكتلندية آلي سميث «أن تكون كليهما» ومذكرات تيري إيغلتون «حارس البوابة».

كاتب وصحافي فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية